بقلم: د. محمد مختار جمعة
الأستاذ بجامعة الأزهر
لا شك أن الدول لا تُبنى بغير العمل، والعمل أمرٌ شاقٌّ يحتاج إلى عزيمةٍ قويةٍ، وسواعدَ فتية، وأناسٍ مؤمنين بأوطانهم مستعدون للتضحية فى سبيلها، مدركين أن الحفاظ على الأوطان من صميم مقاصد الإسلام، وأن الأوطان لا تُبنى بالكلام، ولا بمجرد الشعارات أو المتاجرة بها، ولا بالأثرة والأنانية، بل بالبذل والجهد والعطاء، وبذل النفس والنفيس فى سبيل الدين والوطن.
أما أهم عوامل القوة فتتمثل في عمق الإيمان بالله عز وجل، وحسن الانتماء للوطن وقوة الإيمان به، والعمل لأجله، والأخذ بأقصى الأسباب. وتتمثل كذلك في سواعد شبابه وخبرة شيوخه، والتكامل بين جميع أبناء الوطن رجالًا ونساءً، شبابًا وكهولًا، حيث يقول الحق سبحانه: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (آل عمران: 103)، ويقول سبحانه: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال: 46)، ويقول سبحانه: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (آل عمران: 105).
ومن عوامل بناء القوة وتحقيق النصر:
• تحريك المشاعر الإيمانية والوطنية معًا، وإيمان المرء بوطنه، وخوفه من ربه (عز وجل)، ومراقبته له في السر والعلن، وإيمانه بأن هناك رقيبًا لا تأخذه سنةٌ ولا نوم، وأنه سيجازى بما قدم: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء: 88، 89)، وأن ما عند الله خيرٌ وأبقى، وإدراك أن النصر من عند الله العزيز الحكيم، حيث يقول الحق سبحانه: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ بَلَىٰ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) (آل عمران: 123-126)، ويقول سبحانه: (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة: 249)، ويقول سبحانه: «وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ» (آل عمران: 139)، ويقول سبحانه: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ» (محمد: 7).
• الإعداد الجيد، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) (الأنفال: 60)، وهذا الإعداد يكون عامًا يشمل كل جوانب القوة ماديةً أو معنويةً.
وبهذين العاملين متكاملين: الإيمان بأن النصر من عند الله (عز وجل)، والأخذ بالأسباب، تحققت العديد من الانتصارات في شهر النصر، شهر رمضان. ومن أهم الانتصارات التي تحققت في هذا الشهر الكريم: انتصار المسلمين يوم بدر، ويوم الفتح الأعظم فتح مكة، ويوم عين جالوت، ويوم العاشر من رمضان السادس من أكتوبر 1973م، الذي حققت فيه القوات المسلحة الباسلة نصرًا عظيمًا، فكان يومًا من أيام العزة والفخار، ليس لمصر وحدها، بل لمصرنا العزيزة وأمتنا العربية جمعاء.
ونقول لمن يتربصون بنا: إن مصر، عبر تاريخها العظيم، عصية على الانكسار، عصية على الطامعين، انكسرت على أبوابها هجمات التتار وغيرهم، جندها خير أجناد الأرض، وهم وأزواجهم في رباط إلى يوم الدين. اللهم احفظ مصر وأهلها من كل مكروه وسوء.



