قراءة نقدية في مفهوم الفرقة الناجية

د. أسامة الأزهري
د. أسامة الأزهري

د . أسامة الأزهري

 

ظلَّ مفهوم "الفرقة الناجية" واحدًا من أكثر المفاهيم التباسًا في الوعي الديني المعاصر، ومن أكثرها استدعاءً أيضًا في خطاب الجماعات والتنظيمات والتيارات التي ما فتئت تجعل نفسها، لا أقول على الحق، بل هي وحدها الحق، وما سواها باطل! فاختطَّت لنفسها بذلك خطًّا إقصائيًا لكل من سواها ولكل ما سواها، وتملَّكت الفكرة من نفوس لم تُهَيَّأ علميًا ولا نفسيًا ولا فكريًا ولا تزكيةً، حتى صارت الإقصائية عزلةً شعوريةً واجبة؛ أي إنها أوجبت النجاة والحق لنفسها دون سواها، وأوجبت على أفرادها اعتزال المجتمعات وجوبيًا اعتزالًا شعوريًا ومعاملاتيًا؛ فلا يتزوجون ولا يتبايعون ولا يتعاملون إلا بين بعضهم بعضًا.

 

وعلى ذلك، فإن هذا المفهوم يحتاج إلى مجهود لفك الاشتباك الذي تعقَّد على يد الجماعات المتطرفة على مدى سبعين سنة مضت، ما بين بُعدٍ نفسي، وخطأ علمي وفقهي، وسطو وعدوان على نصوص الشريعة، وصناعة فلسفة وتصور يحتكر الإنسان فيها لنفسه فكرة النجاة، فيتكبر ويستعلي على الناس.

 

وقد ظهرت هذه الفكرة على يد جماعات التطرف نتيجة تسلسل الأفكار السابقة؛ كالحاكمية، وإدخال الفروع في الأصول، ويبقى التكفير هو البذرة التي ولَّدت كل المفاهيم لدى تيارات التطرف.

 

وعند النظر إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة"، نجده يخبر عن سنة إلهية سارية في كل الأديان والحضارات والثقافات والشعوب والأمم؛ فحتمًا سيحدث افتراق واختلاف واختيار ومدارس علمية، بعضها حق وبعضها باطل. وهذه السنة قد غابت بالكلية عن تيارات التطرف، بينما نجد القرآن الكريم قد تكرر فيه التنبيه إلى ثبات السنن الإلهية وعدم تبدلها عشرات المرات، وألَّف عدد من العلماء في السنن الإلهية، ومن أوائلهم الشيخ محمد عبده، والشيخ محمد الصادق عرجون، وصولًا إلى الشيخ مجدي عاشور، والدكتور مصطفى الشكعة.

 

ومن أشد صور العدوان على النصوص أن نقطعه عن بقية النصوص ونفهمه على حدة، مع أن هناك خطوات لفهم النص فهمًا صحيحًا، منها: جمع كل النصوص المتعلقة بالفكرة من خلال الاستقراء، وحسن تركيب النصوص مع بعضها البعض، وفهم دلالات الألفاظ، والفهم العميق لمقصد الشريعة.

 

فتيارات السلفية والإخوان في الفترة الماضية ضخَّمت الحديث حول موضوع الفرقة الناجية من خلال مؤلفات عديدة بفهمهم المجتزأ، ونجد أن السلفي يكفِّر المجتمع من مدخل مختلف، ويصل إلى فكرة الجاهلية، وإلى أنه الفرقة الناجية حتمًا، والإخواني يكفِّر المجتمع من مدخل آخر، ويصل أيضًا إلى فكرة الجاهلية، وأنه الفرقة الناجية؛ لأن خريطة التفكير واحدة، وهذا ناشئ من بُعد نفسي؛ كالأنانية والكبر. وعندما نطالع كتب سيد قطب نجده قد حوَّل مصطلح الفرقة الناجية إلى العصبة المؤمنة بنفس مدلولها، ومن وظائفها عنده أنها ترفع اللعنة عن الجنس البشري بأكمله، وهي وحدها التي تستحق الوعد الإلهي.

 

وعندما نظر العلماء إلى الحديث الشريف: "وتفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة"، قالوا: إن اختلافهم محفوف ومحوط دومًا بسياج ودائرة لا تُنتهك، أن كل هؤلاء الفرقاء المتخالفين يتجادلون ويختلفون، والجميع مندرج تحت عباءة الإسلام. والمستقر عند العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم امتاز بأن له أمتين: "أمة الدعوة" و"أمة الإجابة"، فقد أُرسل إلى الخلق كافة، وكل الخلق مخاطبون بدعوته، فمن صدق وآمن واندرج في السلك الشريف صار أمة إجابة. وهنا يظهر الخلل المنهجي في عقول التيارات السلفية التي نقلت ما هو من مقتضيات "أمة الدعوة" إلى "أمة الإجابة"، فتسلطت تلك العقول على المسلمين، يكفِّرونهم ويستأثرون بالنجاة دونهم، بينما الحديث يتناول أمة الدعوة؛ ومن هنا تتبين الكارثة في العجز عن الفهم والقياس والتبصُّر بالمراد، فتنزيل النصوص تنزيلًا مشوهًا مصطنعًا على الواقع ينتج كوارث ما فتئت الأمة تكابدها جيلًا بعد جيل، ووطنًا بعد وطن.

 

والنظرة الصحيحة للحديث هي الغاية من توجيه النظر والانتباه إلى سنة إلهية سرت في سائر الأديان والمذاهب والحضارات عبر الأمم، وهي أن كل أهل الإسلام أهل نجاة، ولا يجوز التسلط على غير المسلم لانفتاح باب عدم بلوغ الدعوة بصورتها الصحيحة؛ فالعقل المسلم المستقر سيخرج بأن غالب من على وجه أهل الأرض أهل نجاة. وقد جاء الهدي النبوي لاحترام المدعو وإن خالف، وليس لإهانته، ولا لانتقاصه، ولا لاستصغاره، ولا للتقليل منه وجعله ينفر ويصد.

 

ترشيحاتنا