د. الخليل النحوي رئيس مجلس اللسان العربي بموريتانيا: العربية..العربية.. مشروع حضاري متجدد الذكاء الاصطناعي "فرصة سانحة"

د. الخليل النحوي رئيس مجلس اللسان العربي بموريتانيا
د. الخليل النحوي رئيس مجلس اللسان العربي بموريتانيا

د. الخليل النحوي رئيس مجلس اللسان العربي بموريتانيا

مصر" قاطرة" الفصحى.. وصانعة النجوم الفكرية

لغتنا "بحرٌ" لا ينضب.. والهوية معركة وجود .. والوعي البشري البوصلة  الحرف العربي ..أداة عصرية للقارة السمراء

 

من منبر"اتحاد المجامع اللغوية العربية" التقت "اللواء الإسلامي" بقامة فكرية موريتانية سامقة، تجمع بين رصانة التراث وانفتاح الحداثة؛ الأستاذ الدكتور الخليل النحوي، رئيس مجلس اللسان العربي بموريتانيا، لم يكن لقاؤنا مجرد حوار لغوي عابر بل كان رحلة في فكر رجل يري في العربية "كائنا حيا" يمتلك من المرونة ما يجعله يقتحم عصر الرقمنة بكل ثقة.

في هذا الحوار، لا يتحدث د. النحوي عن اللغة بوصفها مجرد أداة للتواصل،أو إرثا للمتاحف، بل يكشف عن "شفرتها الجينية" التي تجعلها لغة عصية على الفناء، وقادرة على تطويع الذكاء الاصطناعي وكتابة لغات القارة السمراء بحرفها الفريد، حوار يمتد من موريتانيا " بلد المليون شاعر" إلي قلب القاهرة، ليبحر في قضايا الهوية، والتمكين الرقمي، والدور التاريخي لمصر التي يصفها د.الخليل النحوي بأنها البوصلة وصناعة النجوم التي تقود قطار الفصحي نحو المستقبل.. وإلي نص الحوار 

 

 

بداية.. هناك تلازم وثيق في طرحكم بين "اللغة العربية" ومفهوم "الإبداع"، فكيف تفسرون هذه العلاقة البنيوية، وهل الإبداع صفة طارئة على اللغة أم جزء من تكوينها الجيني؟

الحديث عن اللغة العربية والإبداع هو في جوهره حديث عن لسانٍ معياريٍّ أصيل، ارتبط بالإفصاح والإبانة، وجُبل في تكوينه على الابتكار، حتى صار الإبداع قرينًا للعربية وليس طارئًا عليها أو مستعارًا من غيرها.

فالعربية تمتلك ما يمكن أن نسميه “حمضًا نوويًا إبداعيًا” يسري في بنيتها الداخلية، ويتجلى في أنظمتها الصوتية وصيغها الصرفية ومرونة تراكيبها البلاغية،إنها لغة تمتلك أدوات التجدد من داخلها، ما يجعل الإبداع جزءًا أصيلًا من تكوينها لا ينفصل عنها في أي مستوى من مستوياتها.

 ما البصمة التي تركتها اللغة العربية في مسيرة بناء الحضارة الإنسانية وعلومها المختلفة؟

العربية كانت وعاءً لإبداع حضاري واسع، أسهم من خلاله العرب والمسلمون في تأسيس علوم كبرى، شملت علوم اللغة والشرع، والطب، والفلك، والجغرافيا، والرياضيات، والكيمياء، وقد أسست العربية لمناهج علمية ومعرفية ما زال أثرها حاضرًا في الحضارة الإنسانية حتى اليوم.

تمكين تقني

في ظل الجهود الدولية لتمكين الحرف العربي، كيف نجحت هذه الجهود في تطويعه لخدمة اللغات الإفريقية واقتحام العالم الرقمي؟

لقد اجتهدت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، واليونسكو، ومعها هيئات أخرى، في تفنيد الحجج التي يتعلل بها بعضهم للقول إن الكتابة العربية غير صالحة أو غير طليعية للعالم الرقمي والحواسيب، وقد تم بالفعل تفنيد هذه الشبهة.

فقد جرى تنسيق كتابة نحو عشرين لغة إفريقية بالحرف العربي المنمّط، وصُنعت الآلات الكاتبة في فترة من الفترات، ثم دخلنا عالم الحاسوب، وأُدرجت فيه الأشكال الكفيلة بكتابة جميع الأصوات الإفريقية، ولم توجد لغة أطوع لذلك من اللغة العربية؛ إذ تمتلك العربية عنصرًا فريدًا يتمثل في «النقطة» ذات الدلالة العظيمة، التي تتشكل منها مجموعة من الأشكال الهندسية، وهذه النقطة تُعد كنزًا يضعه الإفريقي في جيبه؛ فكلما احتاج إلى صوت لم يجده في الأبجدية العربية التقليدية، وضع نقطة إضافية يمينًا أو يسارًا، فتولّد عن ذلك نحو مائتي شكل قادرة على استيعاب جميع الأصوات الإفريقية.

رغم هذا التميز التقني.. ما التحديات التي تعترض المشروع؟ وما الدور المأمول من المؤسسات المصرية لضمان استقرار هذا الإنجاز؟

المشروع بالفعل يواجه تحديًا عظيمًا، وبإمكان مصر، بكل ثقلها العلمي والثقافي، وبمساندة الهيئات المختصة كمجمع اللغة العربية بالقاهرة، والأزهر الشريف، وسائر الهيئات الراعية للغة العربية، أن تسند الأشقاء الأفارقة، إذ يشكون من ندرة الظهير والنصير وموريتانيا منخرطة في هذا السعي، ومنغمسة في الساحة الإفريقية، وإشعاعها ممتد إلى غرب إفريقيا، كما وصل إلى وسط إفريقيا وإلى شرقها، حيث يتعانق مع الإشعاع الثقافي المصري، ومن هنا تبرز الحاجة إلى البحث عن طرائق لتحقيق الأمن اللغوي، والتمكين للحرف العربي، حتى يظل رباطًا جامعًا وأداةً فاعلة لكتابة اللغات الإفريقية.

رهان رقمي

مع تصاعد ثورة البيانات، هل يمثل الذكاء الاصطناعي تهديدا للعربية أم  آفاقا جديدة للنمو؟

لا يمكن أن تكون الإجابة بـ«نعم» خالصة، ولا بـ«لا» خالصة، فالإجابة مركبة؛ إذ إن في الذكاء الاصطناعي يمثل تهديدًا وفرصة في آن واحد ، ويتوقف الأمرعلى حسن التوظيف، واليوم يمنحنا فرصة كبيرة لتجاوز المسافات وتسريع الخطى، لكن لا يجوز أن نجعله بديلاً عن اللغة بل أداة لخدمتها ، ومن لم يكن من أهل السير المذلّل، فعليه أن يمشي رويدًا ولكن بثبات.

ما المؤشرات الإيجابية لنمو المحتوي العربي حاليا، وما المحاذير التي يجب الانتباه إليها عند الاعتماد عليه؟

اللغة العربية تُعد اليوم من أسرع اللغات العالمية انتشارًا ونموًا في المحتوى الرقمي، ومع ذلك ما زلنا نحتاج إلى إسراع السير، أما الجانب السلبي فيكمن في الاستئثار بالسهولة، كما أن الذكاء الاصطناعي يخطئ، ولا بد له من ذكاء بشري يسنده، فإذا سُئل عن القرآن الكريم قد يقدّم آيات خاطئة، مما يوجب تدريبه على توخّي الصواب والدقة، حتى يكون عونًا للعربية لا خطرًا عليها.

ريادة مصرية

عطفا علي مكانة مصر.. كيف تصف دورها التاريخي في تكوين العقول المبدعة، وما رسالتك لهذه القوة الناعمة؟

قيل لي في شبابي: «لن تكون شيئًا مذكورًا إذا لم تُقِم في مصر»، فهي  صانعة النجوم الفكرية والثقافية، وكل الموريتانيين الذين مرّوا بها نجحوا وبرعوا؛ وعليها أن تأخذ موقعها وتتقدّم دوما لتظل في الصدارة.

في عالم دائم التغير، ما الرهان الحقيقي الذي ترفعه اللغة العربية لتثبت حضورها كأداة للمعرفة المعاصرة ؟

التحدي الحقيقي اليوم هو إعادة العربية إلى موقعها الحضاري الطبيعي، لا بوصفها لغة تراث فحسب، بل لغة معرفة وإبداع معاصر. فبالعربية صاغ العرب والمسلمون علومًا كبرى وأسهموا في بناء الحضارة الإنسانية، ولاتزال قادرة على العطاء إذا أحسنّا استثمار طاقتها الإبداعية، فهي كما قيل فيها : "أنا البحر في أحشائه الدر كامن.. فهل سألوا الغواص عن صدفاتي"

بصفتك حارساً للسان العربي، ما رسالتك لطلبة العلم والأجيال القادمة لصون هذه اللغة وحمايتها من التحديات الراهنة؟

أقول لطلاب العلم في الأزهر وفي كل أرض الكنانة، إن هذه اللغة كنز ثمين، وعنوان هوية ورمز سيادة فلا تفرّطوا فيها، ولا تظلموها بتغليب العامية علي الفصحي، فاللهجة المصرية "بنت" بارة للغة العربية لكن لا يجوزللبنت أن تضيق علي أمها المساحات، فإن قادت مصر قطار الفصحي تبعها الجميع.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ترشيحاتنا