ما زال الحديث متواصلًا مع تفنيد فكرة الجاهلية التي تعد الجذر الأخطر لتيارات التطرف، وقد استوقفني كلام سيد قطب في "الظلال" في تفسير سورة يوسف، والذي اصطدم فيه بالحديث النبوي كما جاء في صحيح مسلم لعبد الرحمن بن سمرة: "لا تسأل الإمارة"، بمعنى: إياك أن تستشرف لطلب الحكم، ولا تكن عبدًا للملك، ولا تكرس عقلك وحياتك وفهمك للحكم من أصول الدين لا من فروعه، ولا تكن مستعبدًا للحكم والإمارة على المستوى المغلوط؛ لتكون جماعات وتنزع الحكم بالقوة. وهذا الحديث فيه إرشاد عام، والقاعدة عند علماء الأصول أن الأصل في مخاطبات الشريعة هو العموم إلا إذا قام دليل على التخصيص، والتخصيص خلاف الأصل؛ لأن الأصل في الخطاب الشرعي هو تكليف لجميع المخاطبين من الأمة، مثل قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ}، فهنا انقلب الخطاب من التخصيص للتعميم، فالنهي عن طلب الحكم قاعدة شرعية لجميع المكلفين، وفي تكملة هذا الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "فإنك إن سألتها وكلت إليها، وإن دعيت إليها أُعنتَ عليها"، فهناك فرق بين من دُعي إلى الحكم وبين من يكرس حياته وعلمه للوصول إليه، وهذا منهج الإخوان في تربية أتباعهم على طلب الحكم.
فسيد قطب في تفسير سورة يوسف يقول: "سنظل نطلب الإمارة"، محتجًا بقول الله على لسان نبي الله يوسف: {اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ}، كما أنه يرى عدم العمل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن طلب الإمارة؛ متعللًا بأن الوقت هو وقت جاهلية، ويعني بذلك عدم وجود المجتمع المؤمن الذي تسري فيه الأحكام الشرعية، وبهذا يعطل نصًّا صريحًا مع الأخذ بالآية الكريمة بفهم مغلوط.
وقد ذكر (عشماوي) في مذكراته أن سيد قطب لم يقم إلى صلاة الجمعة قائلًا بعدم وجود المجتمع المؤمن الذي تقام فيه الجمعة، فما دام الأمر قائمًا على تعطيل الأحكام الفقهية بدعوى زوال المجتمع المؤمن صار هناك هوى محض في اختيار الأحكام التي تسري وغيرها التي تُنَحّى، كأنه يمنح نفسه دعوى مبطنة للوحي والنبوية والاجتراء على الأحكام الشرعية، وهو أيضا يسخر من الفكر الإسلامي ومعالجاته للواقع على أيدي مجتهدي الشريعة وعلمائها، فالحكم عندئذ أخص خصائص الألوهية، مستشهدًا بكلام حسن البنا أن "قعود المصلحين عن طلب الحكم جريمة لا تغتفر"، وهذا انحراف خطير عن جادة الشريعة التي هي كالمحجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك.
إذًا، ففكرة الجاهلية قد ولدت آثارًا في غاية الخطورة، ولكن الإشكال الكبير أنه لم يعكف فريق من علماء الشريعة على القراءة الفاحصة لهذا المشروع، وعلى الخروج للمجتمع ببيان مفرداته الشديدة العدوان على الشريعة في المقام الأول، قبل أن تكون عدوانًا على الأرواح والأنفس البريئة الطاهرة.
فهذه بمثابة الحرب الشاقة الشرسة، وميدان هذا الحرب ليس في النهاية المأساوية بحمل السلاح والقتل، وإنما ميدانه بداخل العقول والنفوس، فنخوض هذه الحرب ضد إمكانية ميلاد فكرة التكفير في أنفس كثير من الناس وإن لم يحمل السلاح في يوم من الأيام؛ لأنه إذا تشبع مزاج الشخص المتطرف ومال للتفكير بهذه الطريقة، فلا يمكن كسب المعركة والنجاح الحقيقي في مواجهة الإرهاب من خلال كسر من يحمل السلاح دون القضاء على الفكر الهدام الراسخ في تلك العقول.
ولنضرب مثالًا على ذلك وهي فرقة داعش والتي لم تُعد قابلة للبقاء ولم تُخلق لتظل موجودة؛ لأنها فكرة يلفظها الوجود، وتلفظها قوانين الله في وجوده، ولذا فهي حتما ستنكسر، وستزول هي والإخوان كتنظيم مسلح، إلا أن طريقة التفكير التي صبغوا بها كثيرًا من الناس موجودة حتى في عقول بعض من يواجه داعش وينكر عليها ويكرهها، وقد يواجهها وهو يفكر بنفس الطريقة.
ستزول داعش كمبدأ عام بممارساته الشنيعة على الأرض، أو بقية التنظيمات، وقد تبقى طريقة التفكير على مستوى جزئي كبيرًا كان أم صغيرًا في نفوس البعض حتى ممن ينكر على هذه التيارات.
والذي يلاحظ عند التدبر أن طريقة التفكير عند التيارات التكفيرية واحدة، إلا أنهم يستبدلون الألفاظ بغيرها مع بقاء المبدأ والمفهوم، وتزين لهم أنفسهم الإنصاف.
ومن المعلوم أن النفس بها دهاليز في منتهى العمق والتشابك، فهي كالغابة المتشابكة، تولد ميزانًا عقليًّا منحرفًا يختار دائمًا هذه التيارات الفكرية المغلوطة. ولذلك نؤكد مرارًا وتكرًا أن الأنبياء والرسل جميعًا جاءوا بتزكية النفس، فالإشكال الكبير في وجود نفس عدوانية منحرفة ميالة تبحث لنفسها عن تبرير فكري بأيِّ عبارة مقتطعة من نص قرآني، أو أيِّ نص فكري يبرر به لنفسه القتل ويسدل على هذا الميل العدواني ثوب التبرير وإمكانية القبول.
ونؤكد ما قلناه من أقوالهم، وكتبهم المعتمدة: فنجد أن سيد قطب في كتابه «معالم في الطريق» يقول: "ووجود الأمة المسلمة يعتبر قد انقطع منذ قرون كثيرة"، وهذا يعني أن الأمة المسلمة غارقة في الكفر في نظره؛ لأن قضية الحكم عنده من أصول العقيدة كما أخذها من حسن البنا.
وفي نفس الكتاب -أيضًا- يقول: "وهذه الأمة بهذه المواصفات قد انقطع وجودها منذ انقطاع الحكم بشريعة الله من فوق ظهر الأرض جميعًا" وهو ما يعد إغراقا وتصورًا ظلمانيًّا.
وفي كتابه «العدالة الاجتماعية في الإسلام» يقول: "ونحن نعلم أن الحياة الإسلامية على هذا النحو قد توقفت منذ فترة طويلة في جميع أنحاء الأرض وأن وجود الإسلام ذاته من ثم قد توقف كذلك"، وهذا الكلام أخذه من عبارة حسن البنا في كتاب «رسالة المؤتمر الخامس» والتي يقول فيها: "والحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول لا من الفقهيات والفروع"، وهذا المنهج الفكر هو الذي يوصل إلى فكرة الجاهلية، ونؤكد في النهاية أن مواجهة التطرف لا تبدأ بإسقاط التنظيمات، بل بتفكيك الفكرة التي صنعتها، وتصحيح القراءة التي حوّلت الدين من هداية إلى أداة للإقصاء والتفريق.
وإلى لقاء قادم بإذن الله



