يأخذ مؤلف هذا الكتاب أحمد خميس بصلة " مدير مركز الإمام ابن الجزري لضبط وتصحيح الإجازات القرآنية " قارئه في رحلة علمية رصينة عبر حياة الإمام ورش بن سعيد المصري رحمه الله، أحد كبار أعلام القراءات في الإسلام، وصاحب الرواية التي استقرّ بها السماع القرآني في آفاق واسعة من ديار المسلمين، حتى غدت عنوانًا للإتقان والخشوع عبر العصور. وهي رحلة لا تكتفي بسرد الوقائع، بل تسعى إلى إعادة بناء الصورة الكاملة لإمامٍ شغل مكانة مركزية في تاريخ التلقي القرآني، دون أن تنال سيرته ما تستحقه من تحرير وتدقيق.
ينطلق المؤلف من إدراكٍ واعٍ بأن تراجم الأئمة الكبار ليست ميدانًا سهلًا، وأن الطريق إلى ضبط أخبارهم محفوف بتداخل الروايات، واختلاط الأسماء والأنساب والكنى، لاسيما إذا تعلّق الأمر بشخصيةٍ كالإمام ورش، الذي شاع ذكره في كتب القراءات، غير أن ملامحه تفرّقت بين الأسطر، حتى غابت صورته المتكاملة عن القارئ المعاصر. ومن هنا جاء هذا العمل محاولة علمية جادّة لجمع خيوط تلك السيرة من مظانّها، وتحقيق نسب الإمام وكنيته وموطنه، اعتمادًا على الروايات الموثوقة، مع تحرير ما وقع فيها من اضطراب أو تداخل.
وقد تتبّع الكتاب ذكر الإمام ورش في مصادر القراءات والتراجم تتبّعًا دقيقًا، كاشفًا عن أمانة الناقلين في الجملة، مع التنبيه إلى ما شاب بعض الروايات من خلط بين المتشابهات، أو نقلٍ جرى على وجه التلقّي دون تمحيص كافٍ في الاسم أو النسبة أو اللقب. فجاء هذا المصنَّف تحريرًا علميًا متأنّيًا، يوازن بين التحقيق التاريخي الصارم والسرد الأدبي الهادئ، ويعيد رسم المشهد الذي عاش فيه الإمام ورش، في مصر التي احتضنت علمه، وتحولت على يديه إلى محراب واسع للإقراء والتعليم.
ويقدّم الكتاب مادة علمية ثرية، تضم معلومات تُنشر لأول مرة عن حياة الإمام ورش وملامحه الشخصية والعلمية، مع تنقيح اسمه ولقبه ونسبته، وبيان سبب تسميته بـ«ورش»، والكشف عن صفاته الخَلقية والخُلقية كما وصفه معاصروه ومن رووا عنه، لتتجلى للقارئ صورة حيّة لإمامٍ جمع بين الوقار، ودقة الأداء، وسمت أهل القرآن.
كما يتناول الكتاب مسار انتشار رواية ورش داخل مصر وخارجها، موضحًا العوامل العلمية والبيئية التي أسهمت في ترسيخها، ودور العلماء والرحلات العلمية في انتقالها من مصر إلى بلاد المغرب والأندلس، حتى غدت إحدى أكثر الروايات حضورًا في تاريخ التلقي القرآني، واستقرّت عبر القرون بوصفها مدرسة قائمة بذاتها في الأداء والإتقان.
ولا يقف المؤلف عند ترجمة الإمام وحده، بل يمهّد لها برسم ملامح الإقراء في مصر بعد الفتح الإسلامي، وكيف غدت أرض الكنانة مركزًا من مراكز العلم والقراءات، وملتقى للروايات والأسانيد، وموئلًا للحفاظ والمقرئين، بما مهّد لظهور المدرسة القرآنية المصرية التي كان الإمام ورش أحد أبرز أعلامها.
إن الحديث عن الإمام ورش في هذا الكتاب يتجاوز كونه ترجمة لرجل واحد، ليكون حديثًا عن جيلٍ كامل من العلماء الذين جعلوا القرآن محور حياتهم ورسالتهم، وعن مصر التي حفظت لهذا العلم مكانته، وأسهمت في صياغة تاريخه. ويظل الإمام ورش، بما جمعه من علم الرواية، ودقة الأداء، وصدق العبادة، نموذجًا فريدًا استحق أن تُنقّى سيرته، وتُبرز مكانته، ويُردّ إليه حقّه بين أعلام الإقراء في مصر والعالم الإسلامي.



