الإسراء والمعراج رحلة النور من الأرض إلى السماء

الإسراء والمعراج رحلة النور من الأرض إلى السماء
الإسراء والمعراج رحلة النور من الأرض إلى السماء

 


﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
(سورة الإسراء: 1)

يمجِّد اللهُ نفسَه ويُعظِّم شأنَه، لقدرته على ما لا يقدر عليه أحدٌ سواه؛ لا إله غيره، ولا ربَّ سواه. فهو الذي أسرى بعبده محمدٍ صلى الله عليه وسلم زمنًا من الليل، بجسده وروحه، يقظةً لا منامًا، من المسجد الحرام بـ«مكة» إلى المسجد الأقصى بـ«بيت المقدس»، الذي بارك الله حوله في الزروع والثمار وغير ذلك، وجعله محلًّا لكثيرٍ من الأنبياء؛ ليشاهد عجائب قدرة الله وأدلة وحدانيته. إن الله سبحانه وتعالى هو السميع لجميع الأصوات، البصير بكل مُبْصَر، فيُعطي كلًّا ما يستحقه في الدنيا والآخرة.

دعاء
اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس. يا أرحم الراحمين، إلى من تكلني؟ إلى عدوٍّ يتجهمني، أو إلى قريبٍ ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليَّ غضبٌ فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تُنزِل بي غضبك، أو يحلَّ عليَّ سخطك. لك العُتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك.

فتوى
الإسراء والمعراج وشهر رجب

هناك من يقول بأن الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج في السابع والعشرين  من رجب ليس يقينيًّا، فهناك اختلاف في تحديد وقت وزمن تلك المعجزة، فما ردكم على ذلك؟

أجابت دار الإفتاء:
مع اختلاف العلماء في تحديد وقت الإسراء، إلا أنهم جعلوا تتابع الأمة على الاحتفال بذكراه في السابع والعشرين من رجب شاهدًا على رجحان هذا القول، ودليلًا على غلبة الظن بصحته؛ قال العلامة الزرقاني في «شرح المواهب اللدنية» عند قول صاحب «المواهب»: (وقيل: كان ليلة السابع والعشرين من رجب): [وعليه عمل الناس، قال بعضهم: وهو الأقوى؛ فإن المسألة إذا كان فيها خلاف للسلف، ولم يقم دليل على الترجيح، واقرن العمل بأحد القولين أو الأقوال، وتُلُقِّيَ بالقبول؛ فإن ذلك مما يُغلِّب على الظن كونه راجحًا؛ ولذا اختاره الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي الحنبلي، الإمام أوحد زمانه في الحديث والحفظ، الزاهد العابد، صاحب «العمدة» و«الكمال» وغير ذلك].

وقال العلامة الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه «خاتم النبيين»: [وقد وجدنا الناس قبلوا ذلك التاريخ، أو تلقوه بالقبول، وما يتلقاه الناس بالقبول ليس لنا أن نرده، بل نقبله، ولكن من غير قطعٍ ومن غير جزمٍ ويقين].

ومن أقوى الأدلة على رجحان ذلك: توارد السلف الصالح على الاحتفال بهذه الليلة الكريمة وإحيائها بشتى أنواع القُرَب والطاعات؛ كما نقله العلامة ابن الحاج المالكي في «المدخل»: [ليلة السابع والعشرين من رجب هي ليلة المعراج التي شرف الله تعالى هذه الأمة بما شرع لهم فيها بفضله العميم وإحسانه الجسيم، وكانت عند السلف يعظمونها إكرامًا لنبيهم صلى الله عليه وآله وسلم، على عادتهم الكريمة من زيادة العبادة فيها، وإطالة القيام في الصلاة، والتضرع، والبكاء، وغير ذلك مما قد عُلِمَ من عوائدهم الجميلة في تعظيم ما عظمه الله تعالى؛ لامتثالهم سنة نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم؛ حيث يقول: «تعرَّضوا لنفحات الله»، وهذه الليلة المباركة من جملة النفحات، وكيف لا، وقد جُعلت فيها الصلوات الخمس بخمسين إلى سبعمائة ضعف، والله يضاعف لمن يشاء، وهذا هو الفضل العظيم من غنيٍّ كريم؛ فكانوا إذا جاءت يقابلونها بما تقدم ذكره؛ شكرًا منهم لمولاهم على ما منحهم وأولاهم. نسأل الله الكريم أن لا يحرمنا ما مَنَّ به عليهم، إنه ولي ذلك، آمين] اهـ بتصرف يسير، هذا مع إنكاره بعض ما يحصل من الناس في تلك الليلة مما هو موضع خلاف، ومما استحسنه غيره من العلماء.

 

 

 

المقدمة
ليلةٌ عظيمةٌ مباركة، تلك الليلة التي حدثت فيها رحلتا الإسراء والمعراج؛ إنها المنحة الإلهية التي اختصَّ الله بها نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم، فكان الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عُرِج به صلى الله عليه وسلم إلى السماوات العُلا، ثم إلى سدرة المنتهى، ليرى من آيات ربه الكبرى. يقول ربنا في كتابه العزيز:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
إنها معجزةٌ خالدة تجاوزت حدود الزمان والمكان، فجاءت تطييبًا لخاطر خاتم الأنبياء والمرسلين بعد ما لاقاه من أذى وتكذيبٍ من المشركين. وقد حملت المعجزة الكبرى مشاهدَ عديدة، وتركت لنا دروسًا وعِبَرًا…… ما أحوجنا أن نتعلَّم منها ونحن نحتفل بذكراها.

 

معجزة كبرى وليست من المستحيلات العقلية

الإسراء والمعراج من المعجزات الكبرى لعظمتها وتفرُّدها، ورغم ذلك جعلها الله فتنةً ممتدةً لاختبار إيمان العباد إلى يوم القيامة؛ فمنهم من أنكرها بالكلية، ومنهم من تكلَّم في كونها مجرد رؤيا منامية، ومن قال إنها بالروح فقط وبقي جسده الشريف على فراشه.

يقول د. إبراهيم شبانة، أستاذ الحديث وعلومه المساعد بجامعة الأزهر: الإسراء والمعراج حق، وقد أُسري بالنبي صلى الله عليه وسلم وعُرِج به في اليقظة إلى السماء، راكبًا على البراق صحبةَ جبريل عليه السلام، فنزل هناك وصلى بالأنبياء إمامًا، وربط البراق بحلقة باب المسجد، ثم عُرِج به من بيت المقدس تلك الليلة إلى السماء الدنيا، فاستفتح له جبريل فُفِح لهما، فرأى هناك آدم أبا البشر، فسلَّم عليه فرحَّب به وردَّ عليه السلام وأقرَّ بنبوته، ثم عُرِج به إلى السماء الثانية، ثم إلى حيث شاء الله من العُلا، وأكرمه الله بما شاء، وأوحى إليه ما أوحى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾؛ والإسراء والمعراج رحلتان قدسيتان من المعجزات الكبرى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهي من الحجج الدالة على صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والتي يجب الاعتقاد بوقوعها.

ورحلة الإسراء والمعراج رحلةٌ إلهية ومعجزةٌ نبوية لا تُقاس بمقاييس البشر المخلوقين وقوانينهم المحدودة بالزمان والمكان، بل تُقاس على قدرة من أراد لها أن تكون، وهو الخالق جل جلاله. فإذا اعتقدنا أن الله قادرٌ مختارٌ لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، سهل علينا الإيمان بأنه لا يمتنع عليه أن يخلق ما شاء على أي كيفية، فحمل النبي صلى الله عليه وسلم على البراق إنما يكون هذا للبدن لا للروح؛ لأنها لا تحتاج في حركتها إلى مركبٍ تركب عليه.

ولا يمتنع عقلًا تصوُّر ذلك، ولو جاز استبعاد صعود البشر لجاز استبعاد نزول الملائكة، وذلك يؤدي إلى إنكار النبوة. ولو كان الإسراء والمعراج منامًا لم تكن معجزة، ولا كان لتكذيب قريش بها معنى، بل ولم يستبعدوه، ولو تم إنكار المعراج لما كان لصلاة المسلمين في اليوم والليلة فائدةٌ أو حاجة، كيف وهي مفروضة بنص القرآن والسنة النبوية!

أمَّا ما يُثار من أن امتداد المسافة من الأرض إلى نهاية السماوات مقدارٌ عظيم يخرج تصوُّره عن العقل، وليست هناك سرعة يتمكن الإنسان بها من قطع هذه المسافات، فهذا أمرٌ مردود بالمشاهدة؛ فالكلمات الآن تقطع مسافاتٍ بعيدة من خلال الاتصال الهاتفي أو عبر الإنترنت وما شابه، ثم إن هذه المعجزة من صنع القوي القادر، حيث لا مجال لقياسٍ عقلي أو أمرٍ تجريبي، وإنما التسليم والإيمان.

قال الإمام المراغي في «تفسيره»: [إن الحركة بهذه السرعة ممكنة في نفسها، فقد جاء في القرآن أن الرياح كانت تسير بسليمان عليه السلام إلى المواضع البعيدة في الأوقات القليلة، فقد قال تعالى في صفة سير سليمان عليه السلام: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾، وجاء فيه أن الذي عنده علمٌ من الكتاب أحضر عرش بلقيس من أقصى اليمن إلى أقصى الشام في مقدار لمح البصر؛ كما قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾].

أخيرًا، الإسراء والمعراج ليست من المستحيلات العقلية، بل هي من قبيل خرق العادة؛ يقول الدكتور محمد محمد أبو شُهبة في كتابه «الإسراء والمعراج»: [إن مخالفة السنن الكونية المعروفة مما لم يقم دليل استحالته ـ وإن كانت مخالفة للعادة ـ داخلة في نطاق الممكنات العقلية، وإذا كان الله سبحانه ربط الأسباب بالمسببات، وأوجد الكائنات بناموس قد يصل علمنا إلى معرفته، فليس من المحال عليه سبحانه أن يضع نواميس خاصة بخوارق العادات يعرفها هو سبحانه، غير أننا لا نعرفها، ولكننا نرى أثرها على يد من اختصه الله بفضلٍ منه ورحمة].

فرحلة الإسراء والمعراج رحلةٌ إلهية ومعجزةٌ نبوية لا تُقاس بمقاييس البشر المخلوقين وقوانينهم المحدودة بالزمان والمكان، بل تُقاس على قدرة من أراد لها أن تكون، وهو الخالق جل جلاله، والله تعالى قادرٌ مختارٌ لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

 

 

سالم عبد النبي

مشاهد الرحلة المباركة
كانت المعجزة تكرمةً للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بعد ما لاقاه من عناء الأذى والتكذيب، وتثبيتًا له، وكشفًا عن مشاهد من عالم الغيب عبر دروسٍ ومشاهد بقيت خالدة في أذهان العالم.

يقول د. عثمان عبد الرحمن، مستشار العلوم الشرعية بالأزهر الشريف، إن الرحلة بدأت بالإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، حيث ربط النبي صلى الله عليه وسلم البراق في المحل المخصص له، ودخل المسجد، ووجد الأنبياء مجتمعين، فصلَّى بهم إمامًا، وكان هذا المشهد إعلانًا واضحًا عن وحدة الرسالات، وعن مكانة النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، الذي جمع الله له الأنبياء جميعًا في رسالته امتدادًا لما سبقها، ومُهيمِنًا عليها.

مضيفًا: ثم عُرِج به صلى الله عليه وسلم إلى السماوات العُلا، فكان كلما صعد إلى سماءٍ استقبله نبيٌّ من أنبياء الله؛ فرأى في السماء الأولى آدمَ عليه السلام، وفي السماء الثانية رأى يحيى وعيسى عليهما السلام، وفي الثالثة يوسف عليه السلام، وفي الرابعة إدريس عليه السلام، وفي الخامسة هارون عليه السلام، وفي السادسة موسى عليه السلام، وفي السماء السابعة إبراهيمَ عليهم الصلاة والسلام جميعًا.

وهذه اللقاءات تحمل معاني الأخوَّة في الدعوة، والصبر على البلاء، وأن طريق الرسالة واحدٌ وإن اختلفت الأزمان. وكان من أعظم المشاهد التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم مشاهدُ الثواب والعقاب؛ فقد رأى أقوامًا تُقْرَض شفاههم بمقارضَ من نار، فسأل: من هؤلاء؟ فقيل له: هؤلاء خطباء الفتنة الذين يقولون ما لا يفعلون. ورأى أقوامًا تُقذف النار في بطونهم، فسأل: من هؤلاء؟ فقيل له: هؤلاء آكلة أموال اليتامى ظلمًا. ورأى نساءً معلَّقاتٍ من أثدائهن، فسأل: من هؤلاء؟ فقيل له: هؤلاء اللواتي لا يَطِعْن أزواجهن. وكانت هذه المشاهد رسائلَ تحذيرٍ شديدة تؤكد أن الأعمال لا تخفى، وأن العدالة الإلهية لا تغفل.

ورأى النبي صلى الله عليه وسلم أقوامًا يزرعون في يومٍ ويحصدون في يوم، فقيل له: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله، تتضاعف لهم الحسنات أضعافًا كثيرة. ورأى أصحاب الصدقة المتمثِّلة بثمارها يانعةً مما عند الله، ما يشابهها أو أضعافًا مضاعفةً من حسناتها. وعند جنة المأوى، حيث تتجلَّى عظمة الخلق وكمال النعمة، في مشهدٍ يَرُدُّ البصر، وفي نهاية الرحلة فُرضت الصلاة؛ فكلَّم الله نبيَّه وفرض عليه خمسين صلاة، ثم خُفِّفت إلى خمس، مع بقاء أجر الخمسين. وكان هذا المشهد أعظم تكريمٍ للأمة، إذ جُعلت الصلاة صلةً مباشرةً بينها وبين ربها، ومِذْكارًا لا يسقط في حالٍ من الأحوال.

والحقيقة أن مشاهد الإسراء والمعراج ليست مجرد قصةٍ تُروى، بل هي منهجٌ إيمانيٌّ يُربِّي ويُثبِّت العقيدة في القلوب، ويوقظ الضمائر، ويربط الأرض بالسماء، ويُذكِّر الإنسان أن هذه الدنيا مهما علت لا تُقارَن ولا تُوازي ما أعدَّه الله من جزاء.

لقد عاد النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الرحلة أكثر يقينًا، وأبلغ رسالةً، وترك لنا نورًا نهتدي به؛ فما أحوجنا اليوم إلى تدبُّر تلك المشاهد، لنحيا بها إيقانًا، وسلوكًا، وإيمانًا.

رسالةٌ متجددة لكل زمان، تعلِّمنا أن الابتلاء لا يعني التخلِّي؛ فقد جاء الإسراء بعد عام الحزن ليُثبِت أن مع العسر يُسرًا. وتؤكد الرحلة أن القيم لا تُقاس بالمقاييس المادية، فالمعراج كان بالروح والجسد دون خضوعٍ لمنطق البشر. وفيها درسٌ في الثبات على الدعوة رغم التكذيب، ويقينٌ بأن من صدق مع الله بلَّغه الله ما لا يبلغه غيره.

محمد لاشين

.

الصلاة... فريضة السماء ورحلة الإيمان

حملت رحلة الإسراء والمعراج تشريعًا إلهيًّا مباشرًا لأعظم أركان الإسلام العملية، وهي الصلاة، التي فُرضت من فوق سبع سماوات؛ لتكون صلةً دائمة بين العبد وربه، وعهدًا متجدِّدًا لا ينقطع.

يقول مصطفى حجازي، إمام وخطيب بمديرية أوقاف المنيا: في تلك الليلة المباركة التي أُسري فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عُرِج به إلى السماوات العُلا حتى بلغ سدرة المنتهى، شاء الله تعالى أن يفرض الصلاة على هذه الأمة في مشهدٍ فريد لم يتكرر مع أي فريضة أخرى؛ حيث فُرضت أولًا خمسين صلاة في اليوم والليلة، وهو ما يعكس مكانتها العظيمة وأهميتها الكبرى في بناء الإنسان المؤمن وربط قلبه بربه.

وتتجلَّى الحكمة الإلهية في أن الصلاة لم تُفرض على الأرض عبر الوحي المعتاد، وإنما فُرضت في رحلةٍ سماوية؛ لتؤكد أن الصلاة ليست مجرد حركاتٍ ظاهرية، وإنما عبادةٌ روحية سامية تهدف إلى تهذيب النفس وتزكية الروح، وربط الإنسان بخالقه في كل وقتٍ وحين؛ ولهذا كانت الصلاة عبادةً تُؤدَّى على الأرض جسدًا، وتُرفع إلى السماء معنىً وأثرًا.

ويروي النبي صلى الله عليه وسلم كيف التقى بالأنبياء في السماوات، وكيف نصحه سيدنا موسى عليه السلام بالعودة إلى ربه لطلب التخفيف عن الأمة، إدراكًا منه لطبيعة البشر وضعفهم؛ فظل النبي يعود بين ربه وسيدنا موسى حتى خُفِّفت الصلوات إلى خمس صلوات فقط، مع بقاء الأجر كاملًا كأنها خمسون صلاة في اليوم والليلة، وهو ما يُجسِّد رحمة الله الواسعة بعباده، ولطفه بهذه الأمة.

ويحمل هذا الموقف دلالاتٍ عظيمة تؤكد أن الشريعة قائمة على التيسير، وأن الله لا يُكلِّف نفسًا إلا وُسعها، كما يكشف عن المنزلة العظيمة للنبي صلى الله عليه وسلم عند ربه، واستجابة الله لطلبه مراتٍ عديدة رحمةً بالأمة وتخفيفًا عنها.

كما تؤكد فرضية الصلاة في هذه الليلة المباركة أنها عمود الدين، وأول ما يُحاسَب عليه العبد يوم القيامة، وأنها الفارق الحقيقي بين الإيمان والكفر؛ فهي عبادة تجمع بين العقيدة والسلوك، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وتغرس قيم الانضباط والطهارة والالتزام في حياة المسلم.

ومن أعظم دلالات فرض الصلاة في الإسراء والمعراج أنها جاءت في وقتٍ كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم يواجه أشدَّ صور الأذى والتكذيب قبل الهجرة، وكأنها رسالةٌ ربانية واضحة بأن الصبر واللجوء إلى الله هما طريق الثبات والنصر؛ فكانت الصلاة زادًا روحيًّا للنبي وأصحابه، وملاذًا إيمانيًّا في أوقات الشدة والابتلاء.

وتبقى الصلاة التي فُرضت في السماء وخُفِّفت رحمةً بالأمة عنوانًا صادقًا لعلاقة المسلم بربه، وميزانًا حقيقيًّا لصدق الإيمان؛ فهي ليست عبئًا ثقيلًا، وإنما نعمةٌ عظيمة ومنحةٌ ربانية تُجدِّد الإيمان في القلوب خمس مرات كل يوم، وتُذكِّر الإنسان بغاية وجوده ومقصده في هذه الحياة.

وفي ختام الحديث، فإننا أحوج ما نكون اليوم إلى إحياء مكانة الصلاة في قلوبنا وحياتنا، وأن نُعلِّم أبناءنا أنها ليست عادةً تُؤدَّى، بل عبادةٌ تُعاش، وأن المحافظة عليها هي الطريق إلى صلاح الفرد والمجتمع؛ فمن أقام الصلاة أقام دينه، ومن ضيَّعها فقد ضيَّع أعظم ما في الإسلام، لتظل الصلاة رسالةً سماوية بدأت من السماء، واستقرَّت نورًا وهدايةً في حياة المؤمنين على الأرض.

حمادة سليم

الأقصى... أمانة في رقاب المسلمين أجمعين

في ذكرى الإسراء والمعراج، لا تعود القدس إلى الواجهة كرمزٍ ديني فحسب، بل كقضية تختبر وعي الأمة وقدرتها على صون مقدساتها. فالمسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين، لم يفقد مكانته يومًا في العقيدة، لكنه يواجه محاولاتٍ متواصلة لفرض واقعٍ جديد، في ظل صمتٍ دولي وتراجعٍ في الحضور الإسلامي الفاعل، رغم أن القدس تحتل مكانةً راسخة في العقيدة الإسلامية؛ فهي الأرض التي باركها الله، والمسجد الذي ارتبط بحدثٍ إلهي فريد، حيث لم يكن اختيار المسجد الأقصى محطةً لرحلة الإسراء أمرًا عارضًا، بل تأكيدًا على مركزيته في الرسالة الإسلامية. فالقدس ليست مجرد مكان، بل رمزٌ لوحدة الإيمان، وامتدادٌ طبيعي للمسجد الحرام.

يقول الدكتور عبد الفتاح العواري، العميد الأسبق لكلية أصول الدين بالقاهرة وعضو مجمع البحوث الإسلامية، إن القدس ليست مدينةً كسائر المدن، بل هي موضع قداسةٍ راسخة في عقيدة المسلمين؛ فيها كان الإسراء، ومنها كان المعراج، وفيها التقى النبي محمد ﷺ بالأنبياء إمامًا لهم، في مشهدٍ يختصر وحدة الرسالات السماوية. حيث قال الله سبحانه وتعالى:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (الإسراء: 1).
والآية الكريمة لا تذكر المكان عرضًا، بل تؤكد بركته وقداسته وارتباطه المباشر بالعقيدة.

والمسجد الأقصى هو أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، والصلاة فيه مضاعفة الأجر. وهو ليس فقط البناء ذي القبة أو المصلى القبلي، بل كل ما دار عليه سور المسجد، بمساحته المباركة التي تمتد حوله.

وبيتُ المقدس هو البقعة المباركة التي انتهت إليها الرحلة الأرضية في ليلة الإسراء والمعراج، ثم عُرِج منها بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى السماء، فصلى إمامًا بجميع الأنبياء؛ ليتسلَّم القيادة الروحية عليهم، ليكون إعلانًا أنه الأمين على التوحيد. وكان من الممكن أن يُعرِج الله بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام، وإنما أراد الله سبحانه وتعالى أن يربط بين جميع الأنبياء والمرسلين، وهذا يدل على أن القدس أمانةٌ في عنق كل مسلم، وعليه ألَّا يتهاون في هذه الأمانة؛ لأنها تمثل جزءًا من عقيدته. ولو تركها دون أن يُحرِّرها من رجس اليهود، سيسأل الله سبحانه وتعالى كل مسلم عنها يوم القيامة، مما يجعل القدس والمسجد الأقصى أمانةً في عنق كل مسلم؛ فإذا فرَّط في الأمانة فقد خان الله ورسوله، ويجب عليه أن يعمل على تخليص المسجد الأقصى من هذه الشرذمة قتلة الأنبياء وخائني العهود. وسيظل المسجد الأقصى أمانةً لا تسقط بالتقادم، ولا تُمحى بالنسيان.

ورغم هذه المكانة، يعيش المسجد الأقصى اليوم تحت وطأة انتهاكاتٍ متكررة: اقتحامات، وتضييق على المصلين، ومحاولات فرض واقعٍ جديد، واستهدافٍ ممنهج لهويته الإسلامية. هذه الانتهاكات لا تمس حجارة المكان فحسب، بل تمس كرامة الأمة ووجدانها الديني، وكلها مشاهد أصبحت تتكرر في ظل صمتٍ دولي، وعجزٍ عربي، وإسلامي، واضح.

ولنعلم أن ذكرى الإسراء والمعراج ليست مناسبةً للوعظ المجرَّد أو الاحتفال الشكلي، بل فرصة لإعادة ترتيب الأولويات؛ فهي دعوة للانتقال من التفاعل العاطفي المؤقت إلى الالتزام الدائم. فالقدس لا تحتاج فقط إلى دموعٍ تُذرف، بل إلى وعيٍ يُبنى، وموقفٍ يُتَّخذ. وكما كانت الرحلة انتقالًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ومن الأرض إلى السماء، فإن الذكرى مطالَبة بأن تكون انتقالًا من الغفلة إلى المسؤولية، ومن التفرج إلى المشاركة الوجدانية والعملية. وحين يُقال إن «القدس والأقصى في رقاب المسلمين أجمعين»، فليس ذلك شعارًا عاطفيًّا، بل تكليفٌ شرعي وأخلاقي، والعهد بها باقٍ ما بقيت الصلاة تُرفع من المآذن.

داليا أمين

 

الشعراوي والإسراء والمعراج

 

يأخذنا الشيخ محمد متولي الشعراوي في كتابه (الإسراء والمعراج) إلى رحلةٍ إيمانية وفكرية لفهم واحدةٍ من أعظم معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، وهي حادثة الإسراء والمعراج، التي جمعت بين البعد الغيبي والرسالة الروحية العميقة. يبدأ الشعراوي ببيان أن الإسراء والمعراج ليسا مجرد حدثين تاريخيين، بل هما رسالة كبرى تُظهر مكانة النبي صلى الله عليه وسلم عند ربه، كما تكشف عن حكمة ربانية تتجاوز حدود الزمان والمكان.

 

أول محورٍ يتوقف عنده الشعراوي هو معنى المعجزة نفسها؛ فالمعجزة عنده ليست خرقًا للعادات من دون هدف، بل هي دليل على قدرة الله المطلقة، وعلى صدق الرسول الذي يُجري الله المعجزة على يديه. ولذلك يرى أن رحلة الإسراء والمعراج كانت معجزةً متكاملة أراد الله بها تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما لاقى من أذى وحزن، خصوصًا بعد وفاة السيدة خديجة وعمه أبي طالب. هنا يوضح الشعراوي أن المعجزة جاءت في وقتٍ احتاج فيه النبي إلى عنايةٍ خاصة، ليعلم أن الله معه، وأن رسالته مستمرة رغم كل مقاومة أهل مكة.

 

ثم ينتقل الشيخ إلى خصوصية الإسراء قبل المعراج، فيشرح أن الانتقال من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى لم يكن مجرد تنقُّلٍ جغرافي، بل كان إعلانًا لوحدة الرسالات السماوية، وتأكيدا أن الإسلام امتداد لرسالة الأنبياء جميعًا. ويرى الشعراوي أن اختيار المسجد الأقصى كان رمزًا لمكانة هذه الأرض المباركة، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما صلى بالأنبياء هناك كان ذلك إيذانًا بأن الرسالة الخاتمة قد ورثت رسالات السماء كلها.

 

وفي حديثه عن المعراج، يسلط الشعراوي الضوء على عمق اللقاء بين الأرض والسماء، بين العالم المحدود والعالم اللامحدود. يشرح كيف صعد النبي صلى الله عليه وسلم من سماءٍ إلى سماء، وكيف استُقبِل فيها من الأنبياء الذين رحبوا به، وكل استقبالٍ منهم كان يحمل إشارة تربوية ومعنى رمزيًّا. ويُبرز الشيخ أن المعراج لم يكن رحلة جسدٍ فقط، بل رحلة روحٍ وجسدٍ معًا، وأن قدرة الله لا تُقاس بمقاييس البشر.

 

ويتوقف الشعراوي طويلًا عند فرض الصلاة، معتبرًا أنها الهدية الأعظم من رحلة المعراج، والرباط الذي يصل العبد بالله خمس مراتٍ في اليوم. يوضح أن الصلاة لم تُفرض على الأرض كغيرها من العبادات، بل فُرضت في السماء، مما يدل على مكانتها الخاصة. ويصف الصلاة بأنها «معراج المؤمن»، لأنها ترتقي بروحه وتعيد إليه التوازن الداخلي، وتربطه بخالقه رغم مشاغل الدنيا.

 

كما يناقش الشيخ ما أثاره البعض من تساؤلات حول كيفية وقوع الإسراء والمعراج، وهل كانت بالروح فقط أم بالروح والجسد معًا، ويؤكد أن المعجزة تمت بروح النبي وجسده، لأن الله على كل شيءٍ قدير، ولأن الكفار ما كانوا ليعترضوا لو كانت رؤيا منامية. ويستخدم الشعراوي منهجه المعروف في تقديم أدلة عقلية سهلة الفهم تزيل اللبس وتشرح الحكمة.

 

ويختم الشيخ كتابه بإشاراتٍ تربوية وروحية مهمة؛ فالإسراء والمعراج رسالة لكل مسلم بأن بعد الضيق فرجًا، وبعد الشدة لطفًا، وأن تمسُّك الإنسان بالله يجعله قادرًا على مواجهة الحياة بصبرٍ وثبات. كما يؤكد أن ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم من آياتٍ كبرى إنما هو دعوة لنا لنرى آيات الله في الكون، وفي أنفسنا، وفي كل تفاصيل الحياة.

 

أحمد هاشم

 

 

بالروح والجسد... وأبو بكر أول المصدِّقين

 

الإسراء والمعراج معجزةٌ ثابتة بنص القرآن الكريم وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فأحداث السيرة النبوية التي عاصرت هذا الحدث العظيم تؤكد ثبوت هذه المعجزة الكبرى. ففي القرآن الكريم قال الله تعالى في سورة الإسراء:

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.

 

يقول د. علي عثمان شحاته، عميد كلية الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر: هذا الجزء من الآية يخص رحلة الإسراء من مكة إلى بيت المقدس، فكلمة «سبحان» تعني أن الله تنزَّه وتعظَّم لتأكيد حدوث هذا الحدث الكبير، وكلمة «بعبده» أكد العلماء أنها تعني حدوث المعجزة بالروح والجسد معًا، وليس بالروح فقط كما يظن المشككون، والذي قام بهذا الفعل ليس من البشر، بل هو الله سبحانه وتعالى القادر على كل شيء، وإذا أراد أمرًا أن يقول له كن فيكون.

 

ودليلٌ آخر على وقوع معجزة الإسراء والمعراج بالروح والجسد معًا: فلو أنها كانت بالروح فقط لكان النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم إنه رأى رؤيةً في المنام، وحينها كانوا سيصدقونه؛ لأننا جميعًا نرى أحيانًا أشياء غريبة وخيالية في الرؤى المنامية.

 

وبعد حالة الدهشة التي أصابت كثيرًا من أهل مكة، سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يُثبت لهم دلائل الإسراء به إلى بيت المقدس، فقال لهم إنه شاهد ناقةً ضلت طريقها من قافلةٍ من قوافل قريش كانت تجوب الصحراء في رحلة الشتاء والصيف وتحمل الزاد والمؤن، وكانت قد اقتربت من مكة، كما شرح لهم بالتحديد المكان الذي ضلت فيه. وبعد عودة هذه القافلة سألوا أهلها: هل ضلَّ منكم ناقة؟ فأجابوا: نعم، وهذا أكد مصداقية سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم.

 

وسألوه أيضًا أن يصف لهم بيت المقدس، ولأن رسولنا الكريم لم يخطر بباله أن يُسأل هذا السؤال وقت أن كان يصلي مع الصالحين ببيت المقدس، فكما تقول الروايات، جَلَّى الله تعالى له البيت ليصفه وكأنه يراه، فوصف لهم العواميد والسواري والأركان كأنه يراها الآن رأي العين.

 

فذهب أهل مكة إلى الصديق سيدنا أبي بكر، أرادوا إحداث وقيعةٍ بينهما، فقالوا له: صاحبك أخبرنا بأنه ذهب إلى بيت المقدس، وزعم أنه عُرِج به إلى السماوات العُلا ثم عاد في جزءٍ من الليل، ونحن نضرب إليها أكباد الإبل أشهرًا. فسألهم أبو بكر: هل قال ذلك النبي؟ فقالوا له: نعم. فقال لهم: إن كان قال فقد صدق؛ فأنا أصدقه في أبعد من ذلك، أصدقه أن هناك وحيًا من السماء يتنزل عليه ليخبرنا بكلمات الله وآياته البيِّنات، فهذا أغرب عندي مما تعتقدونه غريبًا في رحلة الإسراء والمعراج. ولذلك سُمِّي أبو بكر الصدِّيق.

 

محمد عادل

الإسراء والمعراج
رحلة النور من الأرض إلى السماء


﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
(سورة الإسراء: 1)

يمجِّد اللهُ نفسَه ويُعظِّم شأنَه، لقدرته على ما لا يقدر عليه أحدٌ سواه؛ لا إله غيره، ولا ربَّ سواه. فهو الذي أسرى بعبده محمدٍ صلى الله عليه وسلم زمنًا من الليل، بجسده وروحه، يقظةً لا منامًا، من المسجد الحرام بـ«مكة» إلى المسجد الأقصى بـ«بيت المقدس»، الذي بارك الله حوله في الزروع والثمار وغير ذلك، وجعله محلًّا لكثيرٍ من الأنبياء؛ ليشاهد عجائب قدرة الله وأدلة وحدانيته. إن الله سبحانه وتعالى هو السميع لجميع الأصوات، البصير بكل مُبْصَر، فيُعطي كلًّا ما يستحقه في الدنيا والآخرة.

دعاء
اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس. يا أرحم الراحمين، إلى من تكلني؟ إلى عدوٍّ يتجهمني، أو إلى قريبٍ ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليَّ غضبٌ فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تُنزِل بي غضبك، أو يحلَّ عليَّ سخطك. لك العُتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك.

فتوى
الإسراء والمعراج وشهر رجب

هناك من يقول بأن الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج في السابع والعشرين  من رجب ليس يقينيًّا، فهناك اختلاف في تحديد وقت وزمن تلك المعجزة، فما ردكم على ذلك؟

أجابت دار الإفتاء:
مع اختلاف العلماء في تحديد وقت الإسراء، إلا أنهم جعلوا تتابع الأمة على الاحتفال بذكراه في السابع والعشرين من رجب شاهدًا على رجحان هذا القول، ودليلًا على غلبة الظن بصحته؛ قال العلامة الزرقاني في «شرح المواهب اللدنية» عند قول صاحب «المواهب»: (وقيل: كان ليلة السابع والعشرين من رجب): [وعليه عمل الناس، قال بعضهم: وهو الأقوى؛ فإن المسألة إذا كان فيها خلاف للسلف، ولم يقم دليل على الترجيح، واقرن العمل بأحد القولين أو الأقوال، وتُلُقِّيَ بالقبول؛ فإن ذلك مما يُغلِّب على الظن كونه راجحًا؛ ولذا اختاره الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي الحنبلي، الإمام أوحد زمانه في الحديث والحفظ، الزاهد العابد، صاحب «العمدة» و«الكمال» وغير ذلك].

وقال العلامة الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه «خاتم النبيين»: [وقد وجدنا الناس قبلوا ذلك التاريخ، أو تلقوه بالقبول، وما يتلقاه الناس بالقبول ليس لنا أن نرده، بل نقبله، ولكن من غير قطعٍ ومن غير جزمٍ ويقين].

ومن أقوى الأدلة على رجحان ذلك: توارد السلف الصالح على الاحتفال بهذه الليلة الكريمة وإحيائها بشتى أنواع القُرَب والطاعات؛ كما نقله العلامة ابن الحاج المالكي في «المدخل»: [ليلة السابع والعشرين من رجب هي ليلة المعراج التي شرف الله تعالى هذه الأمة بما شرع لهم فيها بفضله العميم وإحسانه الجسيم، وكانت عند السلف يعظمونها إكرامًا لنبيهم صلى الله عليه وآله وسلم، على عادتهم الكريمة من زيادة العبادة فيها، وإطالة القيام في الصلاة، والتضرع، والبكاء، وغير ذلك مما قد عُلِمَ من عوائدهم الجميلة في تعظيم ما عظمه الله تعالى؛ لامتثالهم سنة نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم؛ حيث يقول: «تعرَّضوا لنفحات الله»، وهذه الليلة المباركة من جملة النفحات، وكيف لا، وقد جُعلت فيها الصلوات الخمس بخمسين إلى سبعمائة ضعف، والله يضاعف لمن يشاء، وهذا هو الفضل العظيم من غنيٍّ كريم؛ فكانوا إذا جاءت يقابلونها بما تقدم ذكره؛ شكرًا منهم لمولاهم على ما منحهم وأولاهم. نسأل الله الكريم أن لا يحرمنا ما مَنَّ به عليهم، إنه ولي ذلك، آمين] اهـ بتصرف يسير، هذا مع إنكاره بعض ما يحصل من الناس في تلك الليلة مما هو موضع خلاف، ومما استحسنه غيره من العلماء.

 

 

المقدمة
ليلةٌ عظيمةٌ مباركة، تلك الليلة التي حدثت فيها رحلتا الإسراء والمعراج؛ إنها المنحة الإلهية التي اختصَّ الله بها نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم، فكان الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عُرِج به صلى الله عليه وسلم إلى السماوات العُلا، ثم إلى سدرة المنتهى، ليرى من آيات ربه الكبرى. يقول ربنا في كتابه العزيز:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
إنها معجزةٌ خالدة تجاوزت حدود الزمان والمكان، فجاءت تطييبًا لخاطر خاتم الأنبياء والمرسلين بعد ما لاقاه من أذى وتكذيبٍ من المشركين. وقد حملت المعجزة الكبرى مشاهدَ عديدة، وتركت لنا دروسًا وعِبَرًا…… ما أحوجنا أن نتعلَّم منها ونحن نحتفل بذكراها.

 

معجزة كبرى وليست من المستحيلات العقلية

الإسراء والمعراج من المعجزات الكبرى لعظمتها وتفرُّدها، ورغم ذلك جعلها الله فتنةً ممتدةً لاختبار إيمان العباد إلى يوم القيامة؛ فمنهم من أنكرها بالكلية، ومنهم من تكلَّم في كونها مجرد رؤيا منامية، ومن قال إنها بالروح فقط وبقي جسده الشريف على فراشه.

يقول د. إبراهيم شبانة، أستاذ الحديث وعلومه المساعد بجامعة الأزهر: الإسراء والمعراج حق، وقد أُسري بالنبي صلى الله عليه وسلم وعُرِج به في اليقظة إلى السماء، راكبًا على البراق صحبةَ جبريل عليه السلام، فنزل هناك وصلى بالأنبياء إمامًا، وربط البراق بحلقة باب المسجد، ثم عُرِج به من بيت المقدس تلك الليلة إلى السماء الدنيا، فاستفتح له جبريل فُفِح لهما، فرأى هناك آدم أبا البشر، فسلَّم عليه فرحَّب به وردَّ عليه السلام وأقرَّ بنبوته، ثم عُرِج به إلى السماء الثانية، ثم إلى حيث شاء الله من العُلا، وأكرمه الله بما شاء، وأوحى إليه ما أوحى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾؛ والإسراء والمعراج رحلتان قدسيتان من المعجزات الكبرى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهي من الحجج الدالة على صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والتي يجب الاعتقاد بوقوعها.

ورحلة الإسراء والمعراج رحلةٌ إلهية ومعجزةٌ نبوية لا تُقاس بمقاييس البشر المخلوقين وقوانينهم المحدودة بالزمان والمكان، بل تُقاس على قدرة من أراد لها أن تكون، وهو الخالق جل جلاله. فإذا اعتقدنا أن الله قادرٌ مختارٌ لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، سهل علينا الإيمان بأنه لا يمتنع عليه أن يخلق ما شاء على أي كيفية، فحمل النبي صلى الله عليه وسلم على البراق إنما يكون هذا للبدن لا للروح؛ لأنها لا تحتاج في حركتها إلى مركبٍ تركب عليه.

ولا يمتنع عقلًا تصوُّر ذلك، ولو جاز استبعاد صعود البشر لجاز استبعاد نزول الملائكة، وذلك يؤدي إلى إنكار النبوة. ولو كان الإسراء والمعراج منامًا لم تكن معجزة، ولا كان لتكذيب قريش بها معنى، بل ولم يستبعدوه، ولو تم إنكار المعراج لما كان لصلاة المسلمين في اليوم والليلة فائدةٌ أو حاجة، كيف وهي مفروضة بنص القرآن والسنة النبوية!

أمَّا ما يُثار من أن امتداد المسافة من الأرض إلى نهاية السماوات مقدارٌ عظيم يخرج تصوُّره عن العقل، وليست هناك سرعة يتمكن الإنسان بها من قطع هذه المسافات، فهذا أمرٌ مردود بالمشاهدة؛ فالكلمات الآن تقطع مسافاتٍ بعيدة من خلال الاتصال الهاتفي أو عبر الإنترنت وما شابه، ثم إن هذه المعجزة من صنع القوي القادر، حيث لا مجال لقياسٍ عقلي أو أمرٍ تجريبي، وإنما التسليم والإيمان.

قال الإمام المراغي في «تفسيره»: [إن الحركة بهذه السرعة ممكنة في نفسها، فقد جاء في القرآن أن الرياح كانت تسير بسليمان عليه السلام إلى المواضع البعيدة في الأوقات القليلة، فقد قال تعالى في صفة سير سليمان عليه السلام: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾، وجاء فيه أن الذي عنده علمٌ من الكتاب أحضر عرش بلقيس من أقصى اليمن إلى أقصى الشام في مقدار لمح البصر؛ كما قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾].

أخيرًا، الإسراء والمعراج ليست من المستحيلات العقلية، بل هي من قبيل خرق العادة؛ يقول الدكتور محمد محمد أبو شُهبة في كتابه «الإسراء والمعراج»: [إن مخالفة السنن الكونية المعروفة مما لم يقم دليل استحالته ـ وإن كانت مخالفة للعادة ـ داخلة في نطاق الممكنات العقلية، وإذا كان الله سبحانه ربط الأسباب بالمسببات، وأوجد الكائنات بناموس قد يصل علمنا إلى معرفته، فليس من المحال عليه سبحانه أن يضع نواميس خاصة بخوارق العادات يعرفها هو سبحانه، غير أننا لا نعرفها، ولكننا نرى أثرها على يد من اختصه الله بفضلٍ منه ورحمة].

فرحلة الإسراء والمعراج رحلةٌ إلهية ومعجزةٌ نبوية لا تُقاس بمقاييس البشر المخلوقين وقوانينهم المحدودة بالزمان والمكان، بل تُقاس على قدرة من أراد لها أن تكون، وهو الخالق جل جلاله، والله تعالى قادرٌ مختارٌ لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

سالم عبد النبي

مشاهد الرحلة المباركة
كانت المعجزة تكرمةً للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بعد ما لاقاه من عناء الأذى والتكذيب، وتثبيتًا له، وكشفًا عن مشاهد من عالم الغيب عبر دروسٍ ومشاهد بقيت خالدة في أذهان العالم.

يقول د. عثمان عبد الرحمن، مستشار العلوم الشرعية بالأزهر الشريف، إن الرحلة بدأت بالإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، حيث ربط النبي صلى الله عليه وسلم البراق في المحل المخصص له، ودخل المسجد، ووجد الأنبياء مجتمعين، فصلَّى بهم إمامًا، وكان هذا المشهد إعلانًا واضحًا عن وحدة الرسالات، وعن مكانة النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، الذي جمع الله له الأنبياء جميعًا في رسالته امتدادًا لما سبقها، ومُهيمِنًا عليها.

مضيفًا: ثم عُرِج به صلى الله عليه وسلم إلى السماوات العُلا، فكان كلما صعد إلى سماءٍ استقبله نبيٌّ من أنبياء الله؛ فرأى في السماء الأولى آدمَ عليه السلام، وفي السماء الثانية رأى يحيى وعيسى عليهما السلام، وفي الثالثة يوسف عليه السلام، وفي الرابعة إدريس عليه السلام، وفي الخامسة هارون عليه السلام، وفي السادسة موسى عليه السلام، وفي السماء السابعة إبراهيمَ عليهم الصلاة والسلام جميعًا.

وهذه اللقاءات تحمل معاني الأخوَّة في الدعوة، والصبر على البلاء، وأن طريق الرسالة واحدٌ وإن اختلفت الأزمان. وكان من أعظم المشاهد التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم مشاهدُ الثواب والعقاب؛ فقد رأى أقوامًا تُقْرَض شفاههم بمقارضَ من نار، فسأل: من هؤلاء؟ فقيل له: هؤلاء خطباء الفتنة الذين يقولون ما لا يفعلون. ورأى أقوامًا تُقذف النار في بطونهم، فسأل: من هؤلاء؟ فقيل له: هؤلاء آكلة أموال اليتامى ظلمًا. ورأى نساءً معلَّقاتٍ من أثدائهن، فسأل: من هؤلاء؟ فقيل له: هؤلاء اللواتي لا يَطِعْن أزواجهن. وكانت هذه المشاهد رسائلَ تحذيرٍ شديدة تؤكد أن الأعمال لا تخفى، وأن العدالة الإلهية لا تغفل.

ورأى النبي صلى الله عليه وسلم أقوامًا يزرعون في يومٍ ويحصدون في يوم، فقيل له: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله، تتضاعف لهم الحسنات أضعافًا كثيرة. ورأى أصحاب الصدقة المتمثِّلة بثمارها يانعةً مما عند الله، ما يشابهها أو أضعافًا مضاعفةً من حسناتها. وعند جنة المأوى، حيث تتجلَّى عظمة الخلق وكمال النعمة، في مشهدٍ يَرُدُّ البصر، وفي نهاية الرحلة فُرضت الصلاة؛ فكلَّم الله نبيَّه وفرض عليه خمسين صلاة، ثم خُفِّفت إلى خمس، مع بقاء أجر الخمسين. وكان هذا المشهد أعظم تكريمٍ للأمة، إذ جُعلت الصلاة صلةً مباشرةً بينها وبين ربها، ومِذْكارًا لا يسقط في حالٍ من الأحوال.

والحقيقة أن مشاهد الإسراء والمعراج ليست مجرد قصةٍ تُروى، بل هي منهجٌ إيمانيٌّ يُربِّي ويُثبِّت العقيدة في القلوب، ويوقظ الضمائر، ويربط الأرض بالسماء، ويُذكِّر الإنسان أن هذه الدنيا مهما علت لا تُقارَن ولا تُوازي ما أعدَّه الله من جزاء.

لقد عاد النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الرحلة أكثر يقينًا، وأبلغ رسالةً، وترك لنا نورًا نهتدي به؛ فما أحوجنا اليوم إلى تدبُّر تلك المشاهد، لنحيا بها إيقانًا، وسلوكًا، وإيمانًا.

رسالةٌ متجددة لكل زمان، تعلِّمنا أن الابتلاء لا يعني التخلِّي؛ فقد جاء الإسراء بعد عام الحزن ليُثبِت أن مع العسر يُسرًا. وتؤكد الرحلة أن القيم لا تُقاس بالمقاييس المادية، فالمعراج كان بالروح والجسد دون خضوعٍ لمنطق البشر. وفيها درسٌ في الثبات على الدعوة رغم التكذيب، ويقينٌ بأن من صدق مع الله بلَّغه الله ما لا يبلغه غيره.

محمد لاشين

.

الصلاة... فريضة السماء ورحلة الإيمان

حملت رحلة الإسراء والمعراج تشريعًا إلهيًّا مباشرًا لأعظم أركان الإسلام العملية، وهي الصلاة، التي فُرضت من فوق سبع سماوات؛ لتكون صلةً دائمة بين العبد وربه، وعهدًا متجدِّدًا لا ينقطع.

يقول مصطفى حجازي، إمام وخطيب بمديرية أوقاف المنيا: في تلك الليلة المباركة التي أُسري فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عُرِج به إلى السماوات العُلا حتى بلغ سدرة المنتهى، شاء الله تعالى أن يفرض الصلاة على هذه الأمة في مشهدٍ فريد لم يتكرر مع أي فريضة أخرى؛ حيث فُرضت أولًا خمسين صلاة في اليوم والليلة، وهو ما يعكس مكانتها العظيمة وأهميتها الكبرى في بناء الإنسان المؤمن وربط قلبه بربه.

وتتجلَّى الحكمة الإلهية في أن الصلاة لم تُفرض على الأرض عبر الوحي المعتاد، وإنما فُرضت في رحلةٍ سماوية؛ لتؤكد أن الصلاة ليست مجرد حركاتٍ ظاهرية، وإنما عبادةٌ روحية سامية تهدف إلى تهذيب النفس وتزكية الروح، وربط الإنسان بخالقه في كل وقتٍ وحين؛ ولهذا كانت الصلاة عبادةً تُؤدَّى على الأرض جسدًا، وتُرفع إلى السماء معنىً وأثرًا.

ويروي النبي صلى الله عليه وسلم كيف التقى بالأنبياء في السماوات، وكيف نصحه سيدنا موسى عليه السلام بالعودة إلى ربه لطلب التخفيف عن الأمة، إدراكًا منه لطبيعة البشر وضعفهم؛ فظل النبي يعود بين ربه وسيدنا موسى حتى خُفِّفت الصلوات إلى خمس صلوات فقط، مع بقاء الأجر كاملًا كأنها خمسون صلاة في اليوم والليلة، وهو ما يُجسِّد رحمة الله الواسعة بعباده، ولطفه بهذه الأمة.

ويحمل هذا الموقف دلالاتٍ عظيمة تؤكد أن الشريعة قائمة على التيسير، وأن الله لا يُكلِّف نفسًا إلا وُسعها، كما يكشف عن المنزلة العظيمة للنبي صلى الله عليه وسلم عند ربه، واستجابة الله لطلبه مراتٍ عديدة رحمةً بالأمة وتخفيفًا عنها.

كما تؤكد فرضية الصلاة في هذه الليلة المباركة أنها عمود الدين، وأول ما يُحاسَب عليه العبد يوم القيامة، وأنها الفارق الحقيقي بين الإيمان والكفر؛ فهي عبادة تجمع بين العقيدة والسلوك، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وتغرس قيم الانضباط والطهارة والالتزام في حياة المسلم.

ومن أعظم دلالات فرض الصلاة في الإسراء والمعراج أنها جاءت في وقتٍ كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم يواجه أشدَّ صور الأذى والتكذيب قبل الهجرة، وكأنها رسالةٌ ربانية واضحة بأن الصبر واللجوء إلى الله هما طريق الثبات والنصر؛ فكانت الصلاة زادًا روحيًّا للنبي وأصحابه، وملاذًا إيمانيًّا في أوقات الشدة والابتلاء.

وتبقى الصلاة التي فُرضت في السماء وخُفِّفت رحمةً بالأمة عنوانًا صادقًا لعلاقة المسلم بربه، وميزانًا حقيقيًّا لصدق الإيمان؛ فهي ليست عبئًا ثقيلًا، وإنما نعمةٌ عظيمة ومنحةٌ ربانية تُجدِّد الإيمان في القلوب خمس مرات كل يوم، وتُذكِّر الإنسان بغاية وجوده ومقصده في هذه الحياة.

وفي ختام الحديث، فإننا أحوج ما نكون اليوم إلى إحياء مكانة الصلاة في قلوبنا وحياتنا، وأن نُعلِّم أبناءنا أنها ليست عادةً تُؤدَّى، بل عبادةٌ تُعاش، وأن المحافظة عليها هي الطريق إلى صلاح الفرد والمجتمع؛ فمن أقام الصلاة أقام دينه، ومن ضيَّعها فقد ضيَّع أعظم ما في الإسلام، لتظل الصلاة رسالةً سماوية بدأت من السماء، واستقرَّت نورًا وهدايةً في حياة المؤمنين على الأرض.

حمادة سليم

الأقصى... أمانة في رقاب المسلمين أجمعين

في ذكرى الإسراء والمعراج، لا تعود القدس إلى الواجهة كرمزٍ ديني فحسب، بل كقضية تختبر وعي الأمة وقدرتها على صون مقدساتها. فالمسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين، لم يفقد مكانته يومًا في العقيدة، لكنه يواجه محاولاتٍ متواصلة لفرض واقعٍ جديد، في ظل صمتٍ دولي وتراجعٍ في الحضور الإسلامي الفاعل، رغم أن القدس تحتل مكانةً راسخة في العقيدة الإسلامية؛ فهي الأرض التي باركها الله، والمسجد الذي ارتبط بحدثٍ إلهي فريد، حيث لم يكن اختيار المسجد الأقصى محطةً لرحلة الإسراء أمرًا عارضًا، بل تأكيدًا على مركزيته في الرسالة الإسلامية. فالقدس ليست مجرد مكان، بل رمزٌ لوحدة الإيمان، وامتدادٌ طبيعي للمسجد الحرام.

يقول الدكتور عبد الفتاح العواري، العميد الأسبق لكلية أصول الدين بالقاهرة وعضو مجمع البحوث الإسلامية، إن القدس ليست مدينةً كسائر المدن، بل هي موضع قداسةٍ راسخة في عقيدة المسلمين؛ فيها كان الإسراء، ومنها كان المعراج، وفيها التقى النبي محمد ﷺ بالأنبياء إمامًا لهم، في مشهدٍ يختصر وحدة الرسالات السماوية. حيث قال الله سبحانه وتعالى:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (الإسراء: 1).
والآية الكريمة لا تذكر المكان عرضًا، بل تؤكد بركته وقداسته وارتباطه المباشر بالعقيدة.

والمسجد الأقصى هو أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، والصلاة فيه مضاعفة الأجر. وهو ليس فقط البناء ذي القبة أو المصلى القبلي، بل كل ما دار عليه سور المسجد، بمساحته المباركة التي تمتد حوله.

وبيتُ المقدس هو البقعة المباركة التي انتهت إليها الرحلة الأرضية في ليلة الإسراء والمعراج، ثم عُرِج منها بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى السماء، فصلى إمامًا بجميع الأنبياء؛ ليتسلَّم القيادة الروحية عليهم، ليكون إعلانًا أنه الأمين على التوحيد. وكان من الممكن أن يُعرِج الله بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام، وإنما أراد الله سبحانه وتعالى أن يربط بين جميع الأنبياء والمرسلين، وهذا يدل على أن القدس أمانةٌ في عنق كل مسلم، وعليه ألَّا يتهاون في هذه الأمانة؛ لأنها تمثل جزءًا من عقيدته. ولو تركها دون أن يُحرِّرها من رجس اليهود، سيسأل الله سبحانه وتعالى كل مسلم عنها يوم القيامة، مما يجعل القدس والمسجد الأقصى أمانةً في عنق كل مسلم؛ فإذا فرَّط في الأمانة فقد خان الله ورسوله، ويجب عليه أن يعمل على تخليص المسجد الأقصى من هذه الشرذمة قتلة الأنبياء وخائني العهود. وسيظل المسجد الأقصى أمانةً لا تسقط بالتقادم، ولا تُمحى بالنسيان.

ورغم هذه المكانة، يعيش المسجد الأقصى اليوم تحت وطأة انتهاكاتٍ متكررة: اقتحامات، وتضييق على المصلين، ومحاولات فرض واقعٍ جديد، واستهدافٍ ممنهج لهويته الإسلامية. هذه الانتهاكات لا تمس حجارة المكان فحسب، بل تمس كرامة الأمة ووجدانها الديني، وكلها مشاهد أصبحت تتكرر في ظل صمتٍ دولي، وعجزٍ عربي، وإسلامي، واضح.

ولنعلم أن ذكرى الإسراء والمعراج ليست مناسبةً للوعظ المجرَّد أو الاحتفال الشكلي، بل فرصة لإعادة ترتيب الأولويات؛ فهي دعوة للانتقال من التفاعل العاطفي المؤقت إلى الالتزام الدائم. فالقدس لا تحتاج فقط إلى دموعٍ تُذرف، بل إلى وعيٍ يُبنى، وموقفٍ يُتَّخذ. وكما كانت الرحلة انتقالًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ومن الأرض إلى السماء، فإن الذكرى مطالَبة بأن تكون انتقالًا من الغفلة إلى المسؤولية، ومن التفرج إلى المشاركة الوجدانية والعملية. وحين يُقال إن «القدس والأقصى في رقاب المسلمين أجمعين»، فليس ذلك شعارًا عاطفيًّا، بل تكليفٌ شرعي وأخلاقي، والعهد بها باقٍ ما بقيت الصلاة تُرفع من المآذن.

داليا أمين

 

 

الشعراوي والإسراء والمعراج

 

يأخذنا الشيخ محمد متولي الشعراوي في كتابه (الإسراء والمعراج) إلى رحلةٍ إيمانية وفكرية لفهم واحدةٍ من أعظم معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، وهي حادثة الإسراء والمعراج، التي جمعت بين البعد الغيبي والرسالة الروحية العميقة. يبدأ الشعراوي ببيان أن الإسراء والمعراج ليسا مجرد حدثين تاريخيين، بل هما رسالة كبرى تُظهر مكانة النبي صلى الله عليه وسلم عند ربه، كما تكشف عن حكمة ربانية تتجاوز حدود الزمان والمكان.

 

أول محورٍ يتوقف عنده الشعراوي هو معنى المعجزة نفسها؛ فالمعجزة عنده ليست خرقًا للعادات من دون هدف، بل هي دليل على قدرة الله المطلقة، وعلى صدق الرسول الذي يُجري الله المعجزة على يديه. ولذلك يرى أن رحلة الإسراء والمعراج كانت معجزةً متكاملة أراد الله بها تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما لاقى من أذى وحزن، خصوصًا بعد وفاة السيدة خديجة وعمه أبي طالب. هنا يوضح الشعراوي أن المعجزة جاءت في وقتٍ احتاج فيه النبي إلى عنايةٍ خاصة، ليعلم أن الله معه، وأن رسالته مستمرة رغم كل مقاومة أهل مكة.

 

ثم ينتقل الشيخ إلى خصوصية الإسراء قبل المعراج، فيشرح أن الانتقال من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى لم يكن مجرد تنقُّلٍ جغرافي، بل كان إعلانًا لوحدة الرسالات السماوية، وتأكيدا أن الإسلام امتداد لرسالة الأنبياء جميعًا. ويرى الشعراوي أن اختيار المسجد الأقصى كان رمزًا لمكانة هذه الأرض المباركة، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما صلى بالأنبياء هناك كان ذلك إيذانًا بأن الرسالة الخاتمة قد ورثت رسالات السماء كلها.

 

وفي حديثه عن المعراج، يسلط الشعراوي الضوء على عمق اللقاء بين الأرض والسماء، بين العالم المحدود والعالم اللامحدود. يشرح كيف صعد النبي صلى الله عليه وسلم من سماءٍ إلى سماء، وكيف استُقبِل فيها من الأنبياء الذين رحبوا به، وكل استقبالٍ منهم كان يحمل إشارة تربوية ومعنى رمزيًّا. ويُبرز الشيخ أن المعراج لم يكن رحلة جسدٍ فقط، بل رحلة روحٍ وجسدٍ معًا، وأن قدرة الله لا تُقاس بمقاييس البشر.

 

ويتوقف الشعراوي طويلًا عند فرض الصلاة، معتبرًا أنها الهدية الأعظم من رحلة المعراج، والرباط الذي يصل العبد بالله خمس مراتٍ في اليوم. يوضح أن الصلاة لم تُفرض على الأرض كغيرها من العبادات، بل فُرضت في السماء، مما يدل على مكانتها الخاصة. ويصف الصلاة بأنها «معراج المؤمن»، لأنها ترتقي بروحه وتعيد إليه التوازن الداخلي، وتربطه بخالقه رغم مشاغل الدنيا.

 

كما يناقش الشيخ ما أثاره البعض من تساؤلات حول كيفية وقوع الإسراء والمعراج، وهل كانت بالروح فقط أم بالروح والجسد معًا، ويؤكد أن المعجزة تمت بروح النبي وجسده، لأن الله على كل شيءٍ قدير، ولأن الكفار ما كانوا ليعترضوا لو كانت رؤيا منامية. ويستخدم الشعراوي منهجه المعروف في تقديم أدلة عقلية سهلة الفهم تزيل اللبس وتشرح الحكمة.

 

ويختم الشيخ كتابه بإشاراتٍ تربوية وروحية مهمة؛ فالإسراء والمعراج رسالة لكل مسلم بأن بعد الضيق فرجًا، وبعد الشدة لطفًا، وأن تمسُّك الإنسان بالله يجعله قادرًا على مواجهة الحياة بصبرٍ وثبات. كما يؤكد أن ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم من آياتٍ كبرى إنما هو دعوة لنا لنرى آيات الله في الكون، وفي أنفسنا، وفي كل تفاصيل الحياة.

 

أحمد هاشم

 

 

بالروح والجسد... وأبو بكر أول المصدِّقين

 

الإسراء والمعراج معجزةٌ ثابتة بنص القرآن الكريم وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فأحداث السيرة النبوية التي عاصرت هذا الحدث العظيم تؤكد ثبوت هذه المعجزة الكبرى. ففي القرآن الكريم قال الله تعالى في سورة الإسراء:

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.

 

يقول د. علي عثمان شحاته، عميد كلية الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر: هذا الجزء من الآية يخص رحلة الإسراء من مكة إلى بيت المقدس، فكلمة «سبحان» تعني أن الله تنزَّه وتعظَّم لتأكيد حدوث هذا الحدث الكبير، وكلمة «بعبده» أكد العلماء أنها تعني حدوث المعجزة بالروح والجسد معًا، وليس بالروح فقط كما يظن المشككون، والذي قام بهذا الفعل ليس من البشر، بل هو الله سبحانه وتعالى القادر على كل شيء، وإذا أراد أمرًا أن يقول له كن فيكون.

 

ودليلٌ آخر على وقوع معجزة الإسراء والمعراج بالروح والجسد معًا: فلو أنها كانت بالروح فقط لكان النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم إنه رأى رؤيةً في المنام، وحينها كانوا سيصدقونه؛ لأننا جميعًا نرى أحيانًا أشياء غريبة وخيالية في الرؤى المنامية.

 

وبعد حالة الدهشة التي أصابت كثيرًا من أهل مكة، سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يُثبت لهم دلائل الإسراء به إلى بيت المقدس، فقال لهم إنه شاهد ناقةً ضلت طريقها من قافلةٍ من قوافل قريش كانت تجوب الصحراء في رحلة الشتاء والصيف وتحمل الزاد والمؤن، وكانت قد اقتربت من مكة، كما شرح لهم بالتحديد المكان الذي ضلت فيه. وبعد عودة هذه القافلة سألوا أهلها: هل ضلَّ منكم ناقة؟ فأجابوا: نعم، وهذا أكد مصداقية سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم.

 

وسألوه أيضًا أن يصف لهم بيت المقدس، ولأن رسولنا الكريم لم يخطر بباله أن يُسأل هذا السؤال وقت أن كان يصلي مع الصالحين ببيت المقدس، فكما تقول الروايات، جَلَّى الله تعالى له البيت ليصفه وكأنه يراه، فوصف لهم العواميد والسواري والأركان كأنه يراها الآن رأي العين.

 

فذهب أهل مكة إلى الصديق سيدنا أبي بكر، أرادوا إحداث وقيعةٍ بينهما، فقالوا له: صاحبك أخبرنا بأنه ذهب إلى بيت المقدس، وزعم أنه عُرِج به إلى السماوات العُلا ثم عاد في جزءٍ من الليل، ونحن نضرب إليها أكباد الإبل أشهرًا. فسألهم أبو بكر: هل قال ذلك النبي؟ فقالوا له: نعم. فقال لهم: إن كان قال فقد صدق؛ فأنا أصدقه في أبعد من ذلك، أصدقه أن هناك وحيًا من السماء يتنزل عليه ليخبرنا بكلمات الله وآياته البيِّنات، فهذا أغرب عندي مما تعتقدونه غريبًا في رحلة الإسراء والمعراج. ولذلك سُمِّي أبو بكر الصدِّيق.

 

 

 

ترشيحاتنا