د. سهير العلي: هروب من الواقع لإشباع رغبة لا شعورية
د. مها عمر: نزعة نرجسية للوصول إلي أمل زائف
د. علياء رافع: جهل يلجأ إليه أصحاب النفوس الضعيفة
الشيخ أحمد شوقي: سلوك مرفوض يحرمه الإسلام
تحقيق- رانيا كرم الدين:
ما زالت للأبراج وعلم التنجيم شعبية واسعة حول العالم غربا وشرقا، فقد أظهر الكثير من استطلاعات الرأي أن المصريين وغيرهم يؤمنون بصحة علم التنجيم والأبراج. لم تنخفض شعبية هذا المجال كثيرا حتى مع تقدم المجالات العلمية المختلفة، بما فيها علم النفس ودراساته التي تفند وتفسر الأسباب التي تجذب الناس لهذه المجالات.
ويزداد اهتمام الناس بهذه الأمور عند نهاية كل عام، باحثين بشغف عما يخبئه العام الجديد من أحداث. ويظهر ذلك من خلال سعى الكثير من المحطات الفضائيات إلى استضافة الكثير من الشخصيات الشهيرة التي تدعي قدرتها على التنبؤ بالأحداث القادمة.
وهنا السؤال يفرض نفسه هل هذه التنبؤات حلال أم حرام؟ وهل يدخل ما يردده المنجمون في المحظور شرعا؟
تقول د. سهير العلي، مدرس علم النفس بجامعة عين شمس، إن إصرار البعض على معرفة ما يخبئه المستقبل ترجع إلى أنها حاجة نفسية لاشعورية، ومحاولة منهم للاطمئنان على ما يأتي به المستقبل، وللأسف يكون ذلك بمساعدة وسائل الإعلام، بهدف تحقيق نسبة مشاهدات عالية، أو ما يسمى بالتريند وذلك ما تقوم به من خلال استضافتها لمن يدعون الاختصاص بهذا المجال، ونشر توقعاتهم على نطاق واسع، مما يسهم في زيادة اهتمام الناس بمثل هذه الأمور.
مبينة أن الاهتمام بالتنبؤات يعتبر جزءا من سلوك جماعي، حيث يتفاعل الأفراد بقوة مع التوقعات التي تنشرها وسائل الإعلام، ويقومون بتشكيل تصورهم الخاص من خلال تفسير هذه المعلومات.
وتضيف أن تعلق الناس بتنبؤات العام الجديد هو مزيج من الأمل، والهروب مع ميل طبيعي لوضع أهداف كبيرة وفشل متكرر فيها بسبب عدم الواقعية، مما يخلق دورة مستمرة من الأمل والإحباط، وهو ما يفسر لماذا يتابع الملايين هذه الظاهرة سنويا؟.
ظاهرة نفسية
تقول د. مها عمر ''استشاري الصحة النفسية'' أن تنبؤات العام الجديد ظاهرة نفسية معقدة، تجمع بين الأمل والتفاؤل (بشكل غير واقعي ) مع "متلازمة الأمل الزائف" التي تدفع الناس لوضع أهداف كبيرة تفشل بسرعة، وتؤدي إلى الإحباط والشعور بالذنب، خاصة مع ميل الناس للتركيز على "البدايات الجديدة" ونسيان الأخطاء السابقة، مع وجود جانب يتعلق بتصديق الخرافات و"النبوءة التي تحقق ذاتها" حيث تؤثر التوقعات على السلوك لتصبح حقيقة.
وتضيف د. مها أن الانشغال بالتنبؤات يعتبر نوعا من الهروب من الواقع الحالي، والبحث عن استقرار أو تغيير في المستقبل، خاصة إذا كان الواقع الحالي غير مُرض، مؤكدة أن التركيز على التنجيم والأبراج يغذي هذه الظاهرة، ويُحولها إلى تجارة مربحة (بزنس) تتابعه فئات واسعة بحثا عن الإجابات.
ويميل الناس لتذكر الأنباء التي "صدقت" وتجاهل الكثير من التنبؤات الفاشلة، مما يعزز الاعتقاد بقدرة المنجمين.
وتشير استشاري الصحة النفسية، إلي أن هوس البعض يصل إلي محاولة مطالعة التوقعات الفلكية والأبراج من مجرد عادة إلى الإدمان مما تنعكس على حياتهم بالسلب وتؤثر بشدة في اتخاذهم قرارات مصيرية في حياتهم. مبينة أن من ضمن العوامل النفسية التي تدفع الناس للجوء إلى هذا الطريق أنه عند تعرضهم لمشكلة ما، فإنهم قد يلجأون لأشخاص آخرين لاستشارتهم وأخذ مشورتهم التي تعتمد على مجرد التنظير، وفي كثير من الحالات يضطر البعض إلى الاعتماد على رأي متخصصي الأبراج.
قناعات داخلية
وتوضح د. مها أنه بشكل عام، فإن النساء أكثر قابلية للاعتماد على الأبراج، وذلك طبقا لدراسات عدة أُجريت في هذا الشأن، ويرجع ذلك إلى اختلاف مركز التحكم والدعم واتخاذ القرار في المخ عند الجنسين، فعند الرجال يعتمد على قناعات داخلية بالأساس ومن بعدها العوامل الخارجية، أما بالنسبة إلى النساء، فهن يعتمدن على العوامل الداخلية والاستشارات الخارجية في الوقت ذاته، ولذلك نرى أنه غالبا ما نجد أن ''باب الأبراج'' والتوقعات الفلكية في المجلات والصحف يوضع في صفحات المرأة.
وتنوه أنه نظرا للظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي يعاني منها الكثيرون، فإنهم يسعون إلى محاولة الإشباع النفسي لديهم، ولذلك يلجأون إلى طرق أبواب التوقعات الفلكية، باعتبار أنها توحي لهم بمعرفة الكثير من الأمور عن صفاتهم أو عن الآخرين وتمنحهم تصورا عن معرفتهم بعض المعلومات عما تأتي به الأيام في قادم حياتهم. مشيرة إلي أن التوقعات بالنسبة إلى الأشخاص المبالغين في مطالعتها تقدم لهم تبريرات للفشل في حالة إخفاقه في قرار ما، كما تشبع النزعة النرجسية عند البعض في حال وجود أمر أو حظ إيجابي، فيتعامل على أنه مخصص له دون غيره، فهناك شخصيات يكون لديها قدر أكبر من قبول الإيحاء بشكل عام، فتقتنع بما يقال من دون اعتبار للفروق الفردية بين الأشخاص".
دوافع نفسية
من جانبها تقول د. علياء رافع، أستاذ علم الاجتماع ببنات عين شمس، إن النظر إلى تنبؤات العام الجديد كظاهرة اجتماعية تعكس آمال ومخاوف المجتمعات، وتأثير السياق الثقافي والاجتماعي، حيث كيف تؤثر هذه التنبؤات سواء كانت فلكية، أو اقتصادية، أو اجتماعية على سلوك الأفراد وتفاعلهم، مع التركيز على دوافع للبحث عن اليقين في عالم متغير، والتوقعات المرتبطة بالتقدم والتحديات، لذلك يلجأ أصحابها إلي استخدام أدوات التنبؤ الاجتماعي لفهم الاتجاهات المستقبلية للمجتمعات، مبينة أن الناس يربطون هذه التوقعات بالتحولات الكبرى مثل تغير المناخ.
وتضيف د. علياء أن تأثر شريحة اجتماعية معينة بهذه التوقعات يسهم بشكل كبير، في تشكيل تصورات الناس عن المستقبل ودورهم فيه، حتى لو كانت هذه التوقعات غير مستندة إلى أدلة قوية. مؤكدة أن هذه التوقعات عندما تصبح سائدة يتفاعل معها الناس كحقيقة موضوعية، مما يؤثر على سلوكهم وقراراتهم.
حرام شرعا
بينما يؤكد الشيخ أحمد شوقى، أمين لجنة الفتوى، أنه لا يجوز الاعتماد على ما يسمى بعلم التنجيم في أمور الحياة وما تخبئه الأيام، لأن ذلك يدخل في علم الله سبحانه وتعالى، ويعد تصديقا لكاهن أو عراف.
كما أن الشرع الحنيف نهي عن إتيان مثل هؤلاء.
ويؤكد أمين لجنة الفتوى ضرورة التفرقة بين أمرين: التنبؤ بوقوع أحداث سياسية أو اقتصادية نتيجة قراءة الواقع وتحليله عن طريق خبراء متخصصين، وهذا لا حرج فيه من الناحية الشرعية، فهي اجتهادات تقوم على الربط بين الأحداث، وتوقع ما يمكن وقوعه نتيجة ذلك، أما الأمر الثاني يتمثل في الجزم بوقوع أحداث في المستقبل ونشوب حرب أوزواج شخصيات عامة أو غير ذلك من التنبؤات، أو انتصار فريق معين والفوز ببطولة، فهذا ضرب من التنجيم المحظور شرعاً، لأنه ادعاء بعلم الغيب، وهذا ما لا يجوز.
ويضيف أنه للأسف يقع كثير من البسطاء، بل وبعض المثقفين، فريسة لهذه الأوهام التي تهدر فيها أموال، وتنتشر بسببها خرافات،
ويبين أن ما يحدث للإنسان في المستقبل أو معرفة ما حدث له في الماضي ولم يطلع عليه أحد، لا يعلمه إلا الله عز وجل، وأن ادعاء علم الغيب، وخداع الإنسان بمعرفة بعض أسراره وخصوصياته، أو التنبؤ بما سيحدث له في المستقبل، سلوك يخرج بفاعله وكل من يؤمن به عن دائرة الإيمان، لأن الإسلام لا يعرف «الكهانة» ويدين سلوك كل من يدعي معرفة الغيب، ولذلك يحذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاستعانة بالكهان، والتردد على من يدعون علم الغيب، فقال عليه الصلاة والسلام «لا تأتوا الكهان»، وروت لنا السيدة عائشة رضي الله عنها في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم أن ناساً سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكهان فقال «ليس بشيء» فقالوا: يا رسول الله، إنهم يحدثوننا أحياناً بشيء فيكون حقاً، فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام «تلك الكلمة من الحق، يخطفها الجني، فيقرها في أذن وليه، فيخلطون معها مئة كذبة»، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم «ليسوا بشيء» أي ليس قولهم بشيء يعتمد عليه».
وهنا يحمل المهتمين بالأبراج التي تصدق هذه المزاعم قدرا من المسئولية، ويبين «إذا كان الإسلام قد حمل الدجال مسئولية نشر دجله ومزاعمه الكاذبة بين الناس، فهو يحمل أيضا من يقبل على هؤلاء ويصدقهم، حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم «ليس منا من تطير، أو تطير له، أو تكهن، أو تكهن له، أو سحر، أو سحر له، ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم».



