الأثر المرير لأفكار سيد قطب

الدكتور أسامة الأزهري
الدكتور أسامة الأزهري

الأثر المرير لأفكار سيد قطب

هديًا باستراتيجية وزارة الأوقاف الرباعية المحاور (مواجهة التطرف الديني، ومواجهة التطرف اللاديني، وبناء الإنسان، وصناعة الحضارة)، نمضي بالتوازي في كل ذلك مع التركيز على الفكر الذي يشكّل الوعي سلبيًا أو إيجابيًا؛ ومن هنا نستمر في مناقشة الأثر المرير لأفكار (سيد قطب) التكفيرية كي نقدم رصدًا عميقًا لتطور هذه الأفكار، وانبثاق التنظيمات المسلحة منها على مدى ما يزيد عن نصف قرن، يؤكد التحليل وجود إجماع من أطياف فكرية مختلفة ومثقفين، وأطراف من داخل الجماعات الإسلامية ذاتها، على قراءة مشروع (سيد قطب) كمشروعٍ تكفيريٍّ بامتياز.

ويخلص الرصد أيضا إلى وجود أثر ملموس أمامنا لا يجوز إنكاره بأي حال من الأحوال، وهو أثر يفوق أي محاولة للتهرب، وتكمن الإشكالية في أن (سيد قطب) يكتب كلامًا شديدَ الصراحةِ في تكفير الناس جميعًا.

وقد ذهب (قطب) إلى أن: "كل من على وجه الأرض كفار"، بل اعتبر أن من يرفع الأذان على المآذن "أشد كفرًا من أيام الجاهلية الأولى"، وانتقل (قطب) إلى تكفير الأمة المحمدية على مدى قرون، مصرحًا في كتابيه "معالم في الطريق" و"العدالة الاجتماعية في الإسلام" بأن: "الدين قد انقطع عن الوجود قبل قرون، وأن هذا يعني انقطاع وجود الإسلام ذاته"، وقد بدأت تتولد فكرة "الجاهلية" مباشرة من نظرية التكفير عنده.

 إن حديث (قطب) عن انقطاع الدين عن الوجود وعن أننا نعيش في الجاهلية إنما هو حديث متبلور ومرتب وواضح وقاطع، وليس مجرد تعبير مجازي، فهذا التكفير تم شرحه بصورة عابرة في كتابه "معالم في الطريق" وبصورة أكثر وضوحا في كتابه الآخر "العدالة الاجتماعية في الإسلام"، وتُعتبر فكرة التكفير الفكرة الجذرية التي ولّدت مباشرة بناءً فكريًّا متراكمًا يمثل منهج هذه التيارات، وتشتمل على عدة أفكار، هي: فكرة الجاهلية، وفكرة الولاء والبراء، وفكرة الفرقة الناجية، وفكرة حتمية الصدام، وفكرة التمكين، وفكرة الخلافة العالمية.

وقد بلغت نظرة (سيد قطب) مداها في أنه يرى الأرض قد غرقت في ظلمات الكفر، ودليل هذه النظرة القاتمة أن كلمة "الجاهلية" تكررت في كتابه (في ظلال القرآن) ١٧٤٠ مرة، مقارنة بكلمة "النور" التي تكررت ٢٤٠ مرة، مما حول مشروعه إلى مشروع أطبقت عليه عبارات الكفر والجاهلية.

وعلى مدى ما يزيد على نصف قرن، تخرج نحو أربعين تيارًا في العالم الإسلامي من مدرسة (سيد قطب)؛ الذي يُعد المنجم الفكري الذي تشربت منه هذه التنظيرات على وجه الخصوص، وبصورة خاصة من كتابه (في ظلال القرآن).

ومن هذه التيارات الفكرية في مصر: تنظيم الفنية العسكرية (صالح سرية)، وكان صالح سرية أول من اقتفى خطى قطب بوضوح، وقد جاءت رسالة الإيمان لـ"سرية" لتشمل سبعة مفردات بنصها مأخوذة من (في ظلال القرآن) و(معالم في الطريق)، وهذه الرسالة كفّرت بشكل مطلق كل من ساهم في وضع التشريعات المخالفة للإسلام أو تطبيقها دون اعتراض، ومنهم: الرئيس، ومجلس الوزراء، والقضاة، وأعضاء البرلمان، وكل فرد من أفراد الشعب -رضي بها أو لم ينكرها-، وقد اعترف أحد قيادات التنظيم في المرافعة قائلًا: "نحن هنا اليوم من أجل سيد قطب".

ومن الجماعات التي تأثرت به جماعة التكفير والهجرة (شكري مصطفى)، وتأثر شكري مصطفى -أحد المقبوض عليهم في تنظيم ٦٥ـ بـ(معالم في الطريق)، واستطاع تحويل مخططات "قطب" في التنظيم إلى حقيقة بتأسيس جماعته.

وكذلك تنظيم الجهاد (محمد عبد السلام فرج)، وقد أسس فرج كتابه "الفريضة الغائبة"، الذي كان الأساس الفكري للتنظيم على تبني فكرة الحاكمية والتكفير التي تؤدي إلى الجاهلية، وحمل هذا الكتاب الفتوى الأولى التي أدت إلى اغتيال الرئيس أنور السادات.

والجماعة الإسلامية (عمر عبد الرحمن)، واشتهر عمر عبد الرحمن بحافظته الخارقة، وكان يحفظ (ظلال القرآن) ويمليه على تلاميذه، وقد اعتمد على فكرة التكفير المطلق، مقتبسًا عبارة قطب بأن هذا التكفير "لا يقبل تأويلًا ولا مماحكة".

ومن التيارات الفكرية العالمية التي تأثرت بأفكار(سيد قطب) التكفيرية، تنظيم القاعدة (أيمن الظواهري)؛ فقد أكد الظواهري في كتابه (فرسان تحت راية النبي صلى الله عليه وسلم) أن دعوة (سيد قطب) كانت "نواة الحركة الجهادية المعاصرة" و"شرارة البدء في إشعال الثورة الإسلامية"، وأشار إلى فضل (قطب) الكبير في المجال العقائدي "التوحيد والحاكمية"، والمجال العملي "في توجيه الضربات ضد النظام القائم باعتباره معاديًا للإسلام"، وتنظيم داعش (أبو محمد العدناني) وقد اعترف (تركي البنعلي) -تلميذ (أبو محمد العدناني)- الرجل الثاني والمنظّر الحقيقي لداعش، بأن العدناني ظل على مدى عشرين عامًا عاكفًا على قراءة ظلال القرآن لسيد قطب، حتى أنه كان يكتبه بخطه، وهذا يربط داعش مباشرة بالفكر القطبي، والسلفية الجهادية (أبو محمد المقدسي)، وقد أشار أبو محمد المقدسي إلى أنهم كانوا يدرسون كتب قطب، وأن كل كلام (ظلال القرآن) كان "يمشي على الأرض" في مراحل توجيهه، وبوكو حرام (محمد يوسف)، فقد صرح مؤسس هذا التنظيم بأن دستورهم الفكري هو كتب ظلال القرآن.

إن هذه التيارات تتسم بالحماس الأهوج، والاندفاع الطائش، وافتقاد أدوات فهم الشريعة ومقاصدها (حفظ النفس، حفظ المال، حفظ الأمن، حفظ العرض)، ويعود هذا الاندفاع إلى أن طريق العلم شاق وصعب؛ لذا يجد الشباب في إلقاء الخطب وتهييج المشاعر سهولة أكثر من العكوف على الدراسة العلمية العميقة.

وهذه التيارات أيضا تخضع لقانون الانشطار؛ حيثما اشتعلت لا بد أن يزايد بعضهم على بعض ويدّعي أنه أقرب إلى الله من الآخر، وهذا الشغف يدفع كل فصيل إلى تكفير الفصيل الآخر، حتى لو كان منبثقا من نفس الفكرة؛ ظنًّا منهم أن الآخر "ضَعُف في تطبيق فكرة التكفير"، فهذه الظاهرة الانشطارية مستمرة، حتى إن فرقًا داخل داعش مثل فرقة (التركي البنعلي)، وفرقة (الحازمية) يكفر بعضهم الآخر، بل ويمتنعون عن الصلاة خلف بعضهم البعض في السجون بسبب خلاف جذور التكفير.

فلم يكن سيد قطب نهاية المطاف، بل كان بذرة لتنظيمات جهادية وتكفيرية، وقد نفذت هذه التنظيمات مخططاته وأحيت أفكاره، فكانت كتبه جسورًا عبر من خلالها إلى عقول هؤلاء فقتلوا وفجروا وسفكوا الدماء باسم الدين، وهذا المشروع القطبي هو المولد الأكبر لمنظومة التيارات الحاملة للسلاح، التي استلهمت الفكرة وطورتها وأعادت تكرارها على مدار نصف قرن ويزيد.

 

ترشيحاتنا