«الجيش المصرى خير أجناد الأرض»
بقلم: د. أحمد كريمة أستاذ الشريعة والفقه المقارن
روى إسحاق بن الفرات، عن ابن لهيعة، عن الأسود بن مالك الحِمْيَرى، عن بحير بن ذاخر المعافرى، عن عمرو بن العاص - رضى الله عنه - عن عمر بن الخطاب قال: «إن الله سيفتح عليكم بعدى مصر، فاستوصوا بقبطها خيراً، فإن لكم منهم صهراً وذمّة».
«إذا فتح الله عليكم مصر، فاتخذوا فيها جنداً كثيفاً، فذلك خير أجناد الأرض».. فقال له أبو بكر - رضى الله عنه -: ولِمَ يا رسول الله؟ قال: «لأنهم وأزواجهم فى رباط إلى يوم القيامة».
وفى بعض الروايات: «إذا فتح الله عليكم مصر، فاتخذوا فيها جنداً كثيراً، فذلك الجند خير أجناد الأرض». فقال له أبو بكر - رضى الله عنه -: ولِمَ يا رسول الله؟ قال: «لأنهم وأزواجهم فى رباط إلى يوم القيامة».
التدقيق العلمى لحديث خير أجناد الأرض
ذهب إلى صحة الحديث النبوى فى فضل الجيش المصرى «خير أجناد الأرض» أغلبية أهل العلم من علماء الأزهر الشريف، ودار الإفتاء المصرية، وكثير من المفكرين والفقهاء الدستوريين، وكثير من المفكرين والفلاسفة.
أدلة التدقيق العلمى لصحة حديث خير أجناد الأرض:
ومن هؤلاء العلماء الأجلاء الذين ذهبوا إلى صحة الحديث النبوى بأن الجيش المصرى خير أجناد الأرض: العلّامة المحدث الأستاذ د.أحمد عمر هاشم، أستاذ الحديث فى جامعة الأزهر، ورئيس جامعة الأزهر الأسبق، قائلاً فى حوار تليفزيونى:
الحديث الخاص بجيش مصر «خير أجناد الأرض» حديث حسن صحيح، أجمع على ذلك أهل العلم، وذلك للحديث المروى عن المغيرة - رضى الله عنه - قال: سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول: «إن كذباً علىَّ ليس ككذب على أحد، من كذب علىَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار». أى: أدخل ما ليس من الحديث فيه، أو أخرج ما هو من الحديث، فكان السلف الصالح من علماء الحديث على حذر.
فالإمام أحمد سُئل: كيف أوردتَ فى مسندك الحديث الضعيف؟ فأجاب: خشيت أن تثبت صحته من طرق أخرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. لأن مقاييس الضعف والصحة أحياناً ترجع إلى الراوى نفسه، وأحياناً يكون للرواة عدة طرق، فالحديث له طرق أخرى تقوّيه. ومنها قوله تعالى: «ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ».. وقوله تعالى: «إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ». فالحديث حسن صحيح عند مقاييس علماء الحديث الشريف.
كما ورد فى فتاوى دار الإفتاء المصرية رقم مسلسل 2555 بتاريخ 26/1/2014م:
برجاء التكرم بإفادتنا رسمياً وكتابياً عن مدى صحة هذه الأحاديث الشريفة:
1- عن عمرو بن العاص - رضى الله عنه -: حدثنى عمر - رضى الله عنه - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إذا فتح الله عليكم مصر بعدى، فاتخذوا فيها جندًا كثيفًا؛ فذلك الجند خير أجناد الأرض». فقال له أبو بكر: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: «لأنهم فى رباط إلى يوم القيامة».
2- «إذا فتح الله عليكم مصر، فاستوصوا بأهلها خيرًا فإنه فيها خير جند الله».
3- «إن جند مصر من خير أجناد الأرض، لأنهم وأهلهم فى رباط إلى يوم القيامة».
المطلوب: حكم صحة الأحاديث معتمدة من حضرتكم، ومرفق طيه الطلب المقدم منا.. ولكم جزيل الشكر.
الجواب:
الأحاديث المذكورة فى السؤال صحيحة المعانى عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم، ولا مطعن على مضامينها بوجه من الوجوه؛ لأن الأئمة تلقَّت روايتها بالقبول ولم تردّها، ولأنها واردة فى الفضائل والأخبار، ولاتفاق المحدثين على أن أحاديث الفضائل يُكتفى فيها بأقل شروط القبول فى الرواية، وتكون عندهم مقبولةً حسنة؛ لأنها لا يترتب عليها شيء من الأحكام.
وقد وردت هذه الأحاديث بأكثر ألفاظها فى خطبة عمرو بن العاص - رضى الله عنه - وهى خطبة ثابتة مقبولة صحيحة بشواهدها، رواها أهل مصر وقبلوها، ولم يتسلط عليها بالإنكار أو التضعيف أحد يُنسب إلى العلم فى قديم الزمن أو حديثه. ولا عبرة بمن يردّها أو يطعن فيها هوًى أو جهلاً.
وذهب العلامة الفقيه الأستاذ د.أحمد محمود كريمة، الأستاذ بجامعة الأزهر الشريف، إلى صحة حديث الجيش المصرى خير أجناد الأرض. وقال: حديث حسن صحيح، واستند إلى أحاديث أخرى تثبت صحتها تقوية، فالأحاديث تقوّى بعضها بعضاً.
ومن تلك الأحاديث الواردة فى فضل الجيش المصرى:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم ستقدمون على قوم جعد رؤوسهم، فاستوصوا بهم خيراً، فإنهم قوة لكم وبلاغ إلى عدوكم بإذن الله» يعنى قبط مصر.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تكون فتنة، أسلم الناس فيها، أو قال: خير الناس فيها - الجند الغربى».
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة».
أدلة المنكرين لصحة حديث خير أجناد الأرض
أما المنكرون من جماعة الإخوان وفرَق المتسلفة فقد استدلوا بأدلة لرد الحديث النبوى، وفى هذا الفرع يتصدى الباحث لتلك الأدلة، وهى كالآتى:
1- الضعف الذى لحق بسلسلة الرواة، وهم كالآتى:
أ- عبدالله بن لهيعة سيئ الحفظ، وكان متماسكاً قبل احتراق كتبه، وإسحاق الذى روى الحديث عنه جديداً شيخه.
ب- الأسود بن مالك: هذا رجل لا يُعرف البتة.
ج- بحير بن ذاخر: مجهول العين أيضاً.
إذن الحديث ضعيف عن مجهول عن مجهول، وهذا عند علماء الحديث إسناده ساقط السند باطل.
أما ما يتعلق بالمتن: لو سلّمنا أن البخارى - رحمه الله تعالى - هو الذى روى لنا هذا الحديث، هل هذا يعنى أن جند مصر الآن هم المقصودون بهذا الحديث؟
ويرحم الله يحيى بن معين، وكان يتكلم فى الضعفاء، فقيل له: ألا تخشى ألا يكون هؤلاء خصمك يوم القيامة؟ فقال: لأن يكون هؤلاء خصمى أحبّ إلىّ من أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم خصمى. فلو صح هذا، فليس فيه فضيلة لجيش مصر الآن.
توافر شروط قبول الحديث
الرواة، وهى: أن يكون السند متصلاً، والراوى ضابطاً ذا عدالة، وضابطين خاصين بالمتن - اللفظ النبوى - وهما: كون المتن خالياً من الشذوذ والعلة.
أولاً: بالنظر فى السند:
أ- إسحاق بن الفرات: ثقة.
ب- عبدالله بن لهيعة: نجد أن الإمام أحمد بن حنبل - وهو من أكثر الأئمة غيرة على السنّة النبوية - يذكر عن ابن لهيعة أنه كان محدث مصر. وقال عنه سفيان الثورى: عند ابن لهيعة من الكتاب للحديث، والجماعين للعمل، والرحّالين فيه.
ج- الأسود بن مالك: ذكره الإمام البخارى فى "التاريخ الكبير" محدّثاً عن بحير بن زاخر المعافرى، وإذا ذكره البخارى أنه محدّث، فهل يُعقل بعد هذا أن يقال عنه مجهول؟
د- بحير بن ذاخر المعافرى: وثّقه ابن حبان فى «الثقات».
فلم يُعثر يقيناً على من اتهم أحد الرواة بالكذب أو التدليس أو القدح فى عدالته؛ لأن الأصل فى الإنسان البراءة. لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُمرت أن أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر».
ويبقى اتصال السند أو انقطاعه: فلم يُعثر على من ذكر انقطاعاً فى السند، بل وجدنا مراجع التخريج أو السير التى ذكرت الحديث ذكرت اتصال سنده، ولم يذكر أحد المتن دون اتصال سنده.
إذن العلل التى تنزل من قدر الحديث فى السند منتفية، فيكون الحديث صحيح الإسناد من العلل.
ثانياً: بالنظر فى ضوابط المتن
ضابطا المتن هما خلوّه من الشذوذ والعلة؛ أى ألا يخالف نصاً أوثق منه أو حقيقة ثابتة بيقين.
وبالنظر فى متن الحديث نجد أنه لا يخالف نصوصاً أوثق منه من قرآن أو سنّة، ولا يخالف حقيقة تاريخية ثابتة أو حقيقة علمية ثابتة، بل أثبته الواقع؛ فالحقائق التاريخية الثابتة قوَّته ورفعته إلى درجة الحسن والصحة.
ويعلم هذا أهل الاختصاص العلمى فى هذا الفن، على أهمية المتن فى الحكم على صحة الحديث أو ضعفه؛ لأن إهمال المتن لون من الخيانة العلمية. ومن البديهيات عند الحنفية أن ظاهر القرآن مقدم على حديث الآحاد، فإذا خالف حديث الآحاد حقيقة ثابتة، قُدّمت الحقيقة وأُوِّل الحديث.
فما بالنا بحديث أيَّدته الحقائق التاريخية الثابتة؟ ألا يعلو به إلى درجة الصحة؟!
وقال ابن الصلاح عن أهمية المتن: «إن صحة الإسناد أو حسنه لا تقتضى صحة الحديث أو حسنه».
غير أن المعتمد: أنه إذا قيل "حديث صحيح الإسناد" ولم تُذكر له علة، فالأصل أنه صحيح.
المعقول
إن السواد الأعظم من العلماء المتخصصين تلقَّوا هذا الحديث بالقبول والاطمئنان، ولا تجتمع الأمة على باطل. لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أمتى لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم».
قواعد الحديث الشريف
ذكر النووى قواعد لقبول الحديث، فقال: إن كانت أسانيد الأحاديث مفرداتها ضعيفة فمجموعها يقوّى بعضها بعضاً، فيصير الحديث حسناً ويُحتج به.
وسبقه البيهقى فقال: إن لم يجد القاضى فى الكتاب أو السنة، سأل المسلمين، فإن وجد من يحفظ عن النبى صلى الله عليه وسلم أخذ به، وإن لم يجد، دعا العلماء واستشارهم، فإذا اجتمعوا على رأى قضى به.
الترجيح
بعد عرض الأدلة:
فالحديث صحيح لموافقته الاجتهاد الجماعى من علماء الأزهر، ودار الإفتاء المصرية، وعدد كبير من المفكرين والفقهاء الدستوريين والفلاسفة المعتدلين.
فيصير هذا اجتهاداً جماعياً بصحة الحديث الشريف، وبطلان دعاوى المتطفلين على العلم من إخوان وسلفية كارهين للوطن حاقدين على جيشه الباسل.



