٦ منشدين لـ اللواء الإسلامي: مصر قبلة الإنشاد ومنارة الفن الروحي في العالم

صورة ارشيفية
صورة ارشيفية

نهلوا من معين عمالقة الجيل الأول لهذا الفن المصري الأصيل

"المنشدون الجدد" تسلموا الشعلة لمواصلة التألق والريادة بروح العصرالمدرسة المصرية في الابتهال المرجع الأول لكل من يريد أداءً روحانيًا راقيًا

الجيل الحالي سفراء الجمال الإلهي ومدرسة الإلهام  والأصالة في الشرق والغرب

الابتهال علاج للروح ودواء للقلب و الأداء الصادق الخاشع سر تأثيره

 

يحظى الإنشاد الديني بمنزلة روحية عميقة لدى المصريين، فكما تفردت مصر بأعلام تلاوة القرآن الكريم واشتهرت في هذا المجال، فقد تميزت أيضاً بأصوات المبتهلين والمنشدين عبر العصور بفضل الله حتى أصبح من قوالب الأدب الإسلامي المحبب لدينا.

ومن مصر انطلقت مدرسة الإنشاد الديني لتنثر عبقها الساحر إلى ربوع العالم الإسلامي.

فلا تكاد تخلو مناسبة أو أمسية دينية من الإنشاد والتواشيح الدينية التي تزيد عبق وسحر الحدث.

حتى اعتبر جزءا من التراث المصري الأصيل في الدعاء و التقرب والثناء على الله عز وجل شأنه "الحب الإلهي"، ومديح الرسول الكريم.

ففي زمنٍ تتسارع فيه الإيقاعات وتتبدّل فيه الأذواق، يبقى الإنشاد الديني المصري هو اللحن الذي لا يشيخ، والصوت الذي يحفظ للروح توازنها وسط صخب الحياة.

إنه الفن الذي خرج من المآذن والتكايا والزوايا الصوفية، ليملأ القلوب نورًا، والعقول وعيًا، والأوطان طمأنينة.

من عبق القاهرة إلى ربوع الصعيد، ومن رحاب الأزهر إلى مسارح الأوبرا، تواصل مصر دورها الرائد في حمل رسالة الإنشاد كفنٍّ يجمع بين العبادة والجمال، والتربية والوجدان، لتظل المدرسة المصرية قبلة المنشدين في العالم العربي والإسلامي.

وفي هذا الملف الخاص، نسلّط الضوء على نخبة من الأصوات التي حملت راية هذا الفن العريق - أصوات جمعت بين العلم والموهبة، بين الأصالة والتجديد – حيث التقينا ،الدكتور أحمد عادل عبد المولى، الشيخ طه الإسكندراني، الشيخ محمد عبدالرؤوف السوهاجي، المنشدة شيماء النوبي، المنشد أحمد العمري، والمنشدة نعمة فتحي.

ستّ تجارب مختلفة توحدها رسالة واحدة، يحمل أصحابها أصواتهم من ضفاف النيل إلى آفاق العالم، أعادوا للعالم بريق المدرسة المصرية ليؤكدوا أن مصر ما زالت منارة للروح، ومهدًا للفن الديني الأصيل، لتظل مصر قبلة الإنشاد وروح الإبداع الديني في الشرق كله.

أطلقوا عليه "خليفة النقشبندي"

أحمد العمري صوت يلامس الروح.. من القليوبية إلى الأوبرا

ولد أحمد العمري ونشأ في مركز طوخ بمحافظة القليوبية، وكانت البذرة الأولى لموهبته مغروسة في بيئة مُحبة للفن والأصوات العذبة، لم يكن صوته يوحي بامتلاكه موهبة كبيرة في البداية، ولكنه يقر بأن الفضل الأول في اكتشاف وتنمية موهبته يعود لوالدته ولوالده الراحل، الذي كان فنانًا ورسامًا لأغلفة الكتب وشرائط الكاسيت القديمة للمبتهلين والمقرئين قبل أن يظهر عصر الكمبيوتر، ومن خلال هذه الشرائط بدأ يستمع لها جيدا، ويحفظها شيئا فشيئا. حيث كان يرى والده انه سيصبح له شأن عظيم و تنبأ له بمستقبل مشرق.

وبتشجيع من الوالد، بدأ العمري رحلة التعلم والتقليد. وكانت نقطة التحول الحقيقية وعلامة الطريق هي تقليد "تترات" إذاعة القرآن الكريم، حتى أتقنها باحتراف.

الخطوات الأولى

رغم وفاة والده وهو في سن مبكرة، إلا أن الله عوضه بأشخاص ساعدوه ليضع قدمه بين كبار ومشاهير الإنشاد الديني.

ليلتحق العمري بعدها بمدارس كبار المنشدين لتعلم أصول المقامات وأحكام الأداء، فتتلمذ على يد الشيخ سعيد حافظ الذي لازمه ثلاث سنوات حتى وفاته، حيث بدأ بتعلم قصيدة " مولاي إني ببابك" للنقشبندي التي أتقنها بجدارة، ومن هنا بدأ السير على نهج هذا العملاق الروحي، واعتبروه خليفته.

بعد ذلك انضم لفرقة سماع بقيادة الدكتور انتصار عبد الفتاح الذي يعتبر الأب الروحي لعدد كبير من شباب المنشدين و المبتهلين.  

 العمري حاصل على بكالوريوس الزراعة جامعة بنها، واعتبر النشاط الطلابي في الكلية نقطة انطلاق هامة، حيث بدأ يشارك في مسابقات الإنشاد الديني التابعة للجامعة.

لم يكن مشوار العمري سهلاً، بل تطلب اجتهاداً ومثابرة لسنوات طويلة تجاوزت الخمسة عشرةعاماً. وقد أثمر هذا الجهد عن محطات فارقة وضعته على خريطة الإنشاد المصري والعربي.

انطلاقة قوية

 لا ينسى العمري وقفته الأولى على خشبة المسرح حيث تملكه الخوف والرهبة وخبرته البسيطة على  مواجهة الجمهور ففي عام 2014، اشترك في مسابقة "منشد الشارقة" الدولية بالإمارات وحصد المركز السابع بالرغم من عدم إلمامه التام بقواعد هذا الفن، إلا ان ذلك كان دافعا ليحترف فنون الإنشاد والإبتهال.  

 كما توج بالمركز الثاني في مسابقة "إبداع" لوزارة الشباب والرياضة، ليحصد بعدها المركز الأول على مستوى الجمهورية في مسابقة الجامع الأزهر تحت رعاية  الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب. وكانت إحدى أبرز جوائزه حصوله على المركز الأول على مستوى الوطن العربي في مسابقة "الفائزون" التي أقيمت في مصر.

الانضمام للأوبرا

و بعد مسيرة حافلة بالتعلم والجوائز، أصبح العمري عضوًا في فرقة الإنشاد الديني بدار الأوبرا المصرية، ثم أصبح "سوليست" غناء فردي، يقدم التواشيح والابتهالات الدينية بأسلوبه الخاص المتأثر بالنقشبندي.

يرى العمري ان هناك إقبالا شديدا من الشباب ومن جميع الفئات العمرية المختلفة كبيرها وصغيرها وذلك لأن هناك اهتماما كبيرا من الدولة فى الفترة الحالية بهذا الفن ساعدت على انتشاره.

كما أن هناك العديد من الشباب الذين يمتلكون ملكة الإنشاد الديني.

 حقق العمري انتشاراً واسعاً بفضل مقاطع الفيديو التي ينشرها عبر منصات التواصل الاجتماعي، خاصة تلك التي يقلد فيها ابتهالات الشيخ سيد النقشبندي بأداء عذب وحساس.  

شارك المنشد أحمد العمري في عدد من الاحتفالات الرسمية الكبرى، أبرزها احتفالية المولد النبوي الشريف التي تنظمها وزارة الأوقاف، حيث أدى ابتهالاته ومدائحه أمام الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية، في أربع احتفاليات مختلفة، شهادة على مكانته في المشهد الثقافي والديني المصري.

و يسعى العمري، الذي يجمع بين أصالة التراث والوعي بالوقت الحاضر، إلى تجديد فن الإنشاد الديني وتطويره بطريقة معاصرة تناسب الشباب، مؤكداً أن "صفاء الروح أساس فن الإنشاد"، وأن الإنشاد موهبة لا تكتمل إلا بالتعلم والدراسة المتواصلة.

 وبصوته الذي يلامس الوجدان، يظل العمري أيقونة للجيل الجديد الذي يحمل على عاتقه مسئولية الحفاظ على هذا الفن الروحي الأصيل.

طالب باستقلال "النقابة" للحماية من التهميش

عبدالمولى.."فيلسوف الإنشاد الديني" ومُجدّد الفن الأصيل

الأوبرا ليست غريبة عن الإنشاد.. وتعد منبرا راقيا لتقديم الفن الديني بصورة حضارية

د. أحمد عادل عبدالمولى أحد أبرز رموز الإنشاد الديني في مصر المعاصرة، وصوت أكاديمي فني فريد جمع بين عمق البلاغة والنقد الأدبي وجمال الأداء الإنشادي. وُلد في بيئة دينية محبة للقرآن الكريم والإنشاد، وكان للإذاعة المدرسية دور كبير في تشكيل وعيه الفني المبكر، إذ بدأ فيها تلاوة القرآن والإنشاد، لتصبح تلك البدايات بذرة حلم ظل ملازمًا له حتى نضج في رحلته العلمية والفنية.

الخلفية العلمية

التحق د. أحمد بقسم اللغة العربية في كلية الآداب جامعة عين شمس، وتخرج الأول على دفعته عام 1999، فحصل على جائزة د. مهدي علام تقديرًا لتفوقه، ثم واصل دراساته العليا حتى نال الماجستير والدكتوراه في الأسلوبية، حيث تناول في أبحاثه قضايا الشعر العربي القديم وتحليل النصوص بأسلوب علمي دقيق.

 كانت أطروحة الماجستير حول شعر العذريين مثل مجنون ليلى وجميل بثينة وكثير عزة، أما رسالة الدكتوراه فدارت حول بناء المفارقة في إبداع ابن زيدون.

لم يقتصر عطاؤه على البحث الأكاديمي، بل نشر عددًا من المؤلفات المتميزة التي تمثل إضافة نوعية في مجال النقد الأدبي والبلاغة، منها: ثقافة النص، أصداء الخطاب، وقراءات بينية في الشعرية العربية والأسلوبية الموسيقية. وقد شكّل حفظه للقرآن الكريم وتجويده أساسًا لوعيه الجمالي وذائقته الصوتية، فكان لتلاوة القرآن أثر في ضبط مخارج الحروف وإدراك موسيقى اللغة العربية، وهو ما انعكس على أدائه الإنشادي الراقي.

رحلة فنية غنية

بعد تخرجه، التحق بالفرقة القومية العربية للموسيقى بدار الأوبرا المصرية، ليبدأ رحلة فنية غنية، جمع فيها بين عشق الكلمة وجمال اللحن، مقدّمًا نموذجًا نادرًا للمثقف الأكاديمي الذي يوظف علمه في خدمة الفن الهادف. ومن خلال مشاركاته على مسارح الأوبرا، استطاع أن يرسّخ لنفسه مكانة متميزة بين أصوات الإنشاد في مصر والعالم العربي.

في أعماله الإنشادية، سعى د. أحمد إلى المزج بين الأصالة والحداثة، مؤكدًا أن الإنشاد ليس غناءً فحسب، بل رسالة روحانية تعبّر عن صفاء القلب وسمو المعنى. وقد لحّن عددًا من القصائد الصوفية لكبار الشعراء مثل ابن الفارض، الحلاج، شوقي، والعقاد، متأثرًا بتجربة موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب في تطوير الموال وتلحين الكلمة العربية بإحساس رفيع، كما أدخل في بعض أعماله إيقاعات موسيقية حديثة دون أن يخرج عن روح التراث، معتبرًا أن التطوير لا يتنافى مع الأصالة، بل يثريها ويمنحها حياة جديدة.

امتداد للتجويد

ويرى د. عبدالمولى أن الإنشاد الديني امتداد طبيعي لتجويد القرآن، فالتجويد هو الأصل الذي يضبط النغم ويهذب الإحساس، ومنه ينطلق المنشد ليعبّر عن معاني الجمال والسكينة. يؤكد أن المقامات الموسيقية ليست غريبة عن تلاوة القرآن، بل هي الإطار النغمي الذي يضبط أداء القارئ والمنشد على السواء، مشيرًا إلى أن "التجويد الصحيح" يعلّم الإنسان الإحساس بالكلمة قبل النغمة.

تولّى د. أحمد منصب وكيل نقابة الإنشاد الديني ومتحدثها الإعلامي في بدايات تأسيسها، وساهم في دعم أهدافها الرامية إلى الحفاظ على التراث الديني والموسيقي، وإن لم تكتمل التجربة مؤسسيًا بسبب بعض المعوقات. ومع ذلك، استمرت رسالتها من خلال مدرسة الإنشاد الديني بقيادة الشيخ محمود التهامي، حيث تهدف إلى تدريب جيل جديد من المنشدين على أصول الأداء والمقامات وضبط الصوت والإحساس.

ويؤكد لنا د. أحمد على ضرورة استقلال نقابة الإنشاد الديني عن نقابة المهن الموسيقية، على غرار نقابة قراء القرآن الكريم، لضمان حماية هذا الفن الراقي من التهميش، ودعمه كمكوّن أساسي من مكونات الثقافة المصرية والعربية.

الموسيقى غير محرمة

أما على الصعيد الأكاديمي، فقد واصل عطاءه العلمي بإصدار دراسات رصينة أبرزها: رسالة الكشاف في علم الأنغام عن مركز التراث العربي بجامعة مصر، كما يشغل منصب نائب رئيس تحرير مجلة جامعة مصر للدراسات الإنسانية. ومن أبحاثه الحديثة لغة الموسيقى وموسيقى اللغة، الذي يتناول فيه فكرة «الضرورة اللحنية» قياسًا على «الضرورة الشعرية»، محللاً العلاقة بين الصوت والمعنى في النص العربي. كما يعمل حاليًا على تحقيق تراثي فريد حول العلاقة بين الموسيقى والفقه الإسلامي، يثبت فيه أن الموسيقى في أصلها ليست محرمة، بل تختلف أحكامها بحسب استخدامها ومقاصدها، وأن الجمال الصوتي جزء من هبة الله للإنسان.

يُعد د. أحمد عادل عبدالمولى نموذجًا للمثقف الذي استطاع أن يوحّد بين الفكر والإبداع، بين منبر الجامعة ومنصة الأوبرا، مقدّماً رؤية متفردة في مزج البلاغة بالموسيقى، والعلم بالوجدان. وبصوته الهادئ وأدائه الصادق، أصبح واحدًا من ستة أسماء بارزة في عالم الإنشاد الديني المصري، يمثلون الجيل الجديد الذي يحمل راية الأصالة بروحٍ عصرية تحفظ للإنشاد مكانته في وجدان الأمة.

صُنفت ضمن أهم 100 امرأة في العالم

شيماء النوبي أول مبتهلة تكسر حاجز النوع في الإنشاد

في عالم ظل حكراً على الرجال لعقود طويلة، برز صوت نسائي فريد ومؤثر ليشق طريقه في فضاء الإنشاد والابتهال الديني. إنها المنشدة والمبتهلة المصرية شيماء النوبي، التي يُنظر إليها على أنها أول مبتهلة دينية في مصر والوطن العربي، لتتحدى بذلك العادات والتقاليد الراسخة، وتثبت أن صوت المرأة يمكن أن يكون منبراً للروحانيات والمديح النبوي. قصة شيماء النوبي هي قصة شغف بدأ بالتقليد الطفولي، مروراً بالاحتراف الأكاديمي، وصولاً إلى العالمية.

تقلد المقرئين

تنحدر شيماء النوبي من أصول صعيدية (الأقصر)، لكنها نشأت في القاهرة، وبدأت قصتها مع الإنشاد منذ طفولتها المبكرة، في سن السادسة تقريباً. كانت النوبي عاشقة لإذاعة القرآن الكريم، التي كانت بالنسبة لها مدرسة فنية وروحية. اعترفت النوبي في حوارات سابقة بأنها كانت تقلد المقرئين والمبتهلين الكبار، وعلى رأسهم الشيخ سيد النقشبندي ونصر الدين طوبار، دون أن تدرك وقتها الفرق الدقيق بين القراءة والابتهال

على الرغم من دراستها الأكاديمية في مجال نظم المعلومات، لم تستطع شيماء أن تبتعد عن نداء موهبتها. فقد وجدت الدعم الأول والمحفز في والدتها، التي شجعتها.

غناء الفلكلور المصري

كانت نقطة التحول الرئيسية في مسيرتها هي تتلمذها على يد كبار مجال الإنشاد الديني وعلم النغم، مثل الشيخ طه الاسكندراني والدكتور احمد مصطفى كامل الذي يعد أشهر علماء القراءات والمقامات لتجمع بين الموهبة الفطرية والاحتراف العلمي.

برعت شيماء النوبي في فنون متنوعة تتجاوز الابتهال الديني المباشر، فشملت غناء الفلكلور المصري والموال القصصي والسيرة الهلالية، مما منحها قوة في الأداء وقدرة على الارتجال، وهما أدوات أساسية لأي مبتهل حقيقي.

كما سعت النوبي لتعميق الجانب العلمي في مسيرتها، حيث تقوم بتحضير درجة الماجستير في الفن الشعبي، بهدف تطوير موسيقاه مع الحفاظ على أصول فن الموال والسير الشعبية ومدرسة الابتهال المصرية.

تتذكر النوبي تعرضها للانتقاد من البعض لكنها أبدت إيماناً راسخاً بفنها، خاصة عندما يُستخدم في مدح الله ورسوله.

وبصمودها، تمكنت النوبي من صناعة اسم لها، وبدأت تقدم عروضها الفنية بمصاحبة فرقتها الموسيقية في حفلات داخل مصر وخارجها، وقدمت عروضاً ناجحة في دول مثل الأردن والجزائر، وحصلت على العديد من الجوائز والتكريمات، واختيرت ضمن أهم 100 امرأة في العالم لعام

 2016.من قبل ال BBC

ورش عمل

لم تقتصر جهود شيماء النوبي على الأداء الفردي، بل امتدت لتشمل الحفاظ على التراث ونقله. فهي رئيسة مجلس إدارة جمعية "ورشة جمع التراث الفني"، التي تُقدم ورش عمل للسيدات لتعلم الإنشاد الديني.

تطمح النوبي إلى تحقيق انتشار فن الابتهال حول العالم، والتعريف بـ "المدرسة المصرية" كأصل لهذا الفن. كما تعمل على مشروع بحثي يهدف لتوضيح الفروق الدقيقة بين الابتهال والإنشاد والتواشيح والغناء، لحماية هذا الفن من الاندثار.

روح العصر

وتسعى شيماء النوبي إلى دمج الموسيقى الغربية مع الفلكلور المصري، لتقديم الإنشاد والتواشيح بأسلوب معاصر يجذب الجيل الجديد، مع الحفاظ على الأصول الروحية والفنية للعمل. وتعتبر أن الابتهال، كونه فناً مصرياً أصيلاً لا يوجد مثله في العالم الإسلامي، يستحق جهداً أكبر من المؤسسات الفنية للحفاظ على تاريخه ومبتهليه.

ورث المجال عن والده و حفظ التراث الصوفي بقلب محب وروح شفافة

الإسكندراني يسعى لعودة العصر الذهبي للمبتهلين

طه الإسكندراني ليس مجرد منشد، بل هو جزء من تاريخ حي السيدة زينب العريق، وابن شيخ المبتهلين المعروف إبراهيم الإسكندراني. نشأته كانت مختلفة تمامًا، فقد وُلد وفي أذنه وذاكرته أصداء الإنشاد والمديح الصوفي.

في حضرة السيدة زينب

منذ كان طفلًا لم يتجاوز الخامسة، عاش طه الإسكندراني وسط عالم فريد من الروحانيات والفن الشعبي. نشأته كانت في قلب حي السيدة زينب بالقاهرة، حيث كان يرى ويسمع كبار المداحين والمنشدين في كل مكان.

كان شارع "السد" بالنسبة له أشبه بمسرح مفتوح لا يتوقف، يضم فرق الإنشاد والمداحين الكبار مثل محمد طه والريس متقال، بالإضافة إلى فنون شعبية أخرى مثل التحطيب. كل يوم، كانت هذه المشاهد تغذي روحه وعقله.

لم يقتصر الأمر على الشارع فقط، ففي شقتهم الصغيرة، كان هناك "عالم روحاني" آخر. كان والده، الشيخ إبراهيم الإسكندراني، شيخ المبتهلين، يُجري (تدريبات) مع فرقته الخاصة "البطانة". كان طه الصغير يتابع هذه التدريبات يوميًا ويحفظ ما يُقال، فـ "نضجت أذنه ولسانه قبل جسده."

ولهذا، يدين طه الإسكندراني بالفضل لوالده في تعليمه هذا الفن الروحي العظيم. هذا المناخ الفريد ساعد في تكوين شخصية طه، وجعله يسلك طريق الإنشاد موهبة ودراسة.

تراث يحتاج للحماية

لم يكتفِ طه بالتعلم من والده، بل سار على طريق الدراسة الأكاديمية، حيث تخرج في معهد الموسيقى العربية. هذه الدراسة الأكاديمية ساعدته في فهم المقامات الموسيقية التي تعلم أساسياتها من والده.

في فترة الثمانينيات، بدأ التوشيح الديني (وهو نوع من الابتهالات الجماعية) يختفي تدريجيًا. وقتها، قرر والده الشيخ إبراهيم أن يحافظ على هذا التراث. بدأ الشيخ يحفّظ طه وإخوته الخمسة الموشحات ليستعين بهم في المناسبات التي يحييها ليصبح طه و إخوته بطانة لوالدهم.  

بعد وفاة والده، جاءت نصيحة هامة من الشيخ محمد الطوخي لطه: "والدك كنز وموسوعة، وعليك أنت وإخوتك الاهتمام بتحفيظ شباب المبتهلين ما تعلمتموه منه."

تأثرًا بهذه النصيحة، قرر طه الإسكندراني أن يحافظ على هذا الإرث. وفي عام ٢٠٠١، أسس فرقته الخاصة للإنشاد التي أطلق عليها اسم "روحانيات."

رسالة.. والعودة للعصر الذهبي

بالنسبة لطه الإسكندراني، الإنشاد الديني هو "غذاء للروح ودواء للقلوب". يرى أن الأسلوب الجذاب هو أسرع طريقة لتوصيل رسالة إيجابية للناس. ولهذا، فهو يختار الأناشيد التي تحمل معاني راقية، لتكون بديلًا شرعيًا للأغاني التي تُفقد المجتمع هويته.

في مدرسته الخاصة لتعليم الإنشاد، يُركز طه على أهمية التراث، قائلًا لطلابه: "من فات قديمه تاه". مؤكداً أن المنشد يجب أن يبدأ بتعلم ما قدمه الكبار الراحلون، ثم ينطلق للإبداع وتقديم الجديد.

ويقول طه الإسكندراني إنه يتمنى الآن عودة العصر الذهبي للمبتهلين، الذي كان في أوج ازدهاره على يد عمالقة مثل الشيخ علي محمود، وسيد النقشبندي، ونصر الدين طوبار.

 يكشف طه الإسكندراني عن محاولة سابقة لإنشاء كيان للمنشدين. ففي الثمانينيات، أسس والده والشيخ محمد الطوخي جمعية "أولي الألباب" لتدريب وتعليم فن الإنشاد مجانًا، لكنها لم تستمر طويلاً بسبب قلة وعي المنشدين بأهميتها.

سعى الشيخ طه الاسكندراني وعدد كبير من المنشدين والمبتهلين لإنشاء نقابة لهم في العام ٢٠١٣، إلا ان هذا الحلم تعثر، لاعتراض نقابة المهن الموسيقية كونها تضم شعبة لهم لكنه لم يفقد الأمل.  

وفي عام ٢٠١٤ أسس الشيخ طه الإسكندراني ومعه الشيخ محمود ياسين التهامي مدرسة للإنشاد وأصبح مدرسًا بها.

يتمنى الشيخ طه الإسكندراني إقامة مهرجانات دولية  تحت رعاية وزارة الثقافة على غرار مهرجان "سماع  لفنون الإنشاد الديني" لمؤسسه الدكتور إنتصار عبد الفتاح كون هذه المناسبات تعبر عن قوة مصر الناعمة

حيث يُقام في مصر، لاستضافة فنانين من جميع أنحاء العالم، كنوع من الدعاية السياحية وإحياءً لحضارة مصر مهد الفن والحضارات.

يحصد المركز الأول في التجويد والإنشاد.. السوهاجي:

الحفاظ على الهوية يتطلب دراسة المقامات والتدريب المستمر والإخلاص

بدأ الشيخ محمد عبدالرؤوف السوهاجي رحلته مع الابتهال منذ نعومة أظفاره، حين ردد بصوته الصغير ما سمعه من المبتهل الراحل الشيخ عبدالتواب البساتيني في احتفال بمدينة أخميم، ليقع في حب هذا الفن الروحاني الذي لامس قلبه منذ أول وهلة. ومنذ تلك اللحظة، صار يستمع إلى الإذاعة المدرسية وينسخ الابتهالات بخط يده من تسجيلات الكاسيت، ليحفظها ويؤديها في طابور المعهد الابتدائي، ومنها إلى حفلات المدرسة ثم إلى مسرح قصر الثقافة، الذي كان نقطة التحول في مشواره الفني.

رحلة علمية وروحية

السوهاجي لم يكتفِ بصوته العذب، بل دعم موهبته بالعلم، فحصل على ليسانس أصول الدين والدعوة الإسلامية من جامعة الأزهر الشريف عام 2012، وعلى شهادة عالية القراءات عام 2008، كما نال إجازة في القرآن الكريم متصلة السند بقراءة الإمام عاصم براويتي شعبة وحفص، ليجمع بين العلم الشرعي والإتقان الصوتي.

ويعمل حاليًا مبتهلًا بالإذاعة والتليفزيون، وعضوًا بعدة جهات دينية مرموقة منها لجنة الابتهال الديني بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية ونقابة محفظي وقراء القرآن الكريم، ويتولى إدارة أعمال النقابة بمحافظة سوهاج، فضلًا عن كونه عضو مجلس إدارة نقابة العاملين بالإنشاد الديني والمبتهلين.

جوائز وتكريمات

تميز السوهاجي بحضور قوي في المسابقات الدينية، فحصد المركز الأول في تجويد القرآن الكريم بمسابقة وزارة الأوقاف وقرأ القرآن أمام الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك في احتفال ليلة القدر عام 2005، كما فاز بالمركز الأول في الإنشاد الديني من وزارة الشباب عام 2007، وجائزة أفضل أداء في الإنشاد الديني من دار الأوبرا المصرية في العام نفسه، والمركز الأول من جامعة الأزهر عام 2012، والمركز الأول مكرر في مسابقة المزمار الذهبي  2010

وقد سجل بصوته القرآن الكريم مرتلًا وأذيع على عدد من القنوات الفضائية.

المحافل الدولية

شارك السوهاجي ممثلًا لمصر في جائزة قطر لتلاوة القرآن الكريم، ومسابقة عطر الكلام بالسعودية، ومنشد الشارقة بالإمارات، كما أحيا ليالي المولد النبوي الشريف بدولة الجزائر ضمن القافلة المحمدية، وشارك الختمة القرآنية المصوّرة للتليفزيون التركي. في الليلة المحمدية بالإذاعة المصرية عام 2015

ويحكي أنه حين أدى الابتهال في الجزائر قبيل صلاة الفجر، امتلأت المساجد بالمصلين من كل صوب، فصار الابتهال المصري حديث الناس في تلك الليالي، مؤكدًا أن "الإبتهال المصري تعرفه الدنيا كلها".

غذاء الروح

يؤمن الشيخ السوهاجي أن الابتهال علاج للروح ودواء للقلب، مؤكدًا أن الأداء الصادق الخاشع هو سرّ تأثيره في النفوس، إذ يقول:

الإبتهال حالة من الخشوع والتضرع إلى الله، باب من أبواب اللجوء إليه مثل الدعاء والصلاة، فإذا خَلَت من الصراخ والتصنّع كانت غذاءً للوجدان.

ويضيف أن المدرسة المصرية في الابتهال - التي رسّخها عمالقة مثل الشيخ سيد النقشبندي والشيخ نصر الدين طوبار - هي المرجع الأول لكل من يريد أداءً روحانيًا راقيًا.

و يرى السوهاجي أن الجيل الجديد من المبتهلين قادر على الحفاظ على الهوية المصرية، شرط أن يقتدوا بالرواد في اختيار الكلمات الراقية والأداء الخاشع ودراسة المقامات الصوتية. لكنه يشير إلى تحديات كبيرة تواجههم، أبرزها غياب الإنتاج الديني بعد اندثار سوق الكاسيت، مؤكدًا أن معظم المبتهلين ينتجون أعمالهم على نفقتهم الخاصة.

ويؤكد أن الحفاظ على الهوية يتطلب دراسة المقامات، والتدريب المستمر، والإخلاص في الأداء دون صراخ أو مبالغات.

نقابة الإنشاد

بصفته عضو مجلس إدارة نقابة العاملين بالإنشاد الديني والمبتهلين، يشير الشيخ السوهاجي إلى الدور الكبير للنقابة برئاسة الشيخ محمود التهامي في تخريج عشرات الدفعات من مدرسة الإنشاد الديني، التي تعلّم طلابها التواشيح والموشحات على أيدي كبار الأساتذة مثل الشيخ طه الإسكندراني والمنشد مصطفى النجدي وطه حسين.

ويقول إن النقابة تعمل على نشر ثقافة المقامات وتطوير الأداء الصوتي بما يواكب العصر دون الإخلال بروح الفن الأصيل.

ويؤكد السوهاجي أن المبتهل ليس مجرد "مغنٍ ديني"، بل صاحب رسالة إصلاحية وروحية في المجتمع، موضحًا أن الابتهال يحمل مضامين دعوية ووطنية وإنسانية، فقد يتضمن الدعاء، أو النصح، أو توحيد الصف، أو الدعوة للسلام ونبذ التطرف.

ويذكر أنه أدى ابتهالًا وطنياً بعنوان "يارب سلم مصر دوماً وارعها" في رمضان 2013 من مسجد الإمام الحسين، داعياً فيه لمصر بالأمن والسلام.

ويختتم السوهاجي حديثه بتأكيد أن الابتهال المصري وصل بالفعل إلى العالمية، لكنه يحتاج إلى دعم إعلامي ومؤسسي، مشيراً إلى أن الإذاعة المصرية ما زالت "الجامعة الكبرى التي علّمتنا كل جميل"، داعيًا إلى تخصيص مساحة أكبر للابتهال الديني في القنوات والمنصات الرقمية.

مؤسسة فرقة "الحور".. نعمة فتحي:

رسالتي نشر الوعي الديني وتقديم نموذج للفن النسائي الملتزم

لم تكن الطفلة الصغيرة نعمة فتحي تعلم أن زياراتها المتكررة للموالد الشعبية ستفتح أمامها طريقًا طويلًا نحو عالم المديح والروحانيات، لكنها منذ اللحظة الأولى التي سمعت فيها أصوات المنشدين تعلو بالحب في حضرة النبي ﷺ، أيقنت أن طريقها سيبدأ من هناك، من بين حلقات الذكر والمداحين الذين شدّوا وجدانها إلى عالم النور.

العشق الحقيقي

تقول المنشدة نعمة فتحي: "كنت أعشق الذهاب إلى الموالد مع أهلي، خاصة مولد السيدة زينب والسيدة نفيسة. كانت تلك الأجواء بالنسبة لي حياة كاملة، أشعر فيها بالسكينة والبهجة في آنٍ واحد، ورغم أن دراستي الأكاديمية كانت في مجال إدارة الأعمال، فإن عشقي الحقيقي كان ولا يزال في مدح النبي وآل البيت الكرام.

بدأت نعمة شغفها بالإنشاد وهي في السادسة عشرة من عمرها، فانتظمت في حضور حفلات كبار المنشدين، وعلى رأسهم الشيخ محمود التهامي، الذي أتاحت لها التجربة معه فرصة كبيرة لاكتساب الخبرة وفهم أسرار الأداء الروحي في الإنشاد. ومع الوقت أصبحت مسئولة عن تنظيم حفلاته، ثم التحقت بمدرسة الإنشاد الديني، حيث تلقت تدريبها على يد كبار الأساتذة مثل طه الإسكندراني ومصطفى النجدي، حتى صارت واحدة من أبرز الأصوات النسائية الصاعدة في مجال المديح النبوي.

أول فرقة نسائية

ولأن حلمها لم يكن فرديًا، بل كان رؤية أوسع لتمكين الفتيات في هذا الفن الراقي، أسست نعمة فتحي فرقة "الحور" للإنشاد الديني عام 2014، وهي أول فرقة إنشاد ديني نسائية في مصر، ورابع فرقة نسائية في العالم الإسلامي.

وتضم الفرقة مجموعة من الفتيات الموهوبات اللاتي يجمعن بين الدراسة الأكاديمية وحب المديح، وقدمت عروضاً متميزة في دار الأوبرا المصرية ومكتبة الإسكندرية وعدد من المسارح والفعاليات الدينية الكبرى.

وفي لقاءاتها الإعلامية، تؤكد المنشدة نعمة فتحي أن رسالتها تتجاوز الغناء إلى نشر الوعي الديني والروحاني، لتقديم نموذج محترم للفن النسائي الملتزم. تقول:

"الإنشاد بالنسبة لي ليس  أداء صوتيا، بل هو تربية للقلب، ورسالة تدعو إلى الصفاء، وتُذكّر الناس بسيرة الحبيب ﷺ وبقيم الرحمة والجمال في ديننا.

الأجواء الرمضانية

أما عن ذكرياتها الرمضانية، فتقول المنشدة نعمة فتحي بابتسامة يغمرها الحنين:

"الإنشاد في رمضان له طعم مختلف، كنت أشارك في حفلات كبرى مع مدرسة الإنشاد بالمساجد، كما كنت أنشد للسيدات بعد صلاة التراويح في حلقات تمتد حتى السحور. كنت أرى في وجوههن الشوق للمحبة والأنس بذكر النبي، وكان ذلك أكبر حافز لي للاستمرار في هذا الطريق".

ورغم انشغالها الفني، لم تغفل نعمة عن العمل الخيري، إذ تحرص منذ صغرها على إعداد شنط رمضان ومساعدة الأسر البسيطة بجهدها الخاص، معتبرة أن المديح الحقيقي هو في العمل الطيب، لا في الصوت الجميل فقط.

اليوم، وبعد تسع سنوات على تأسيس فرقة الحور، تواصل نعمة فتحي قيادتها بروح الأم والأخت والمعلمة، لتؤكد أن صوت المرأة في المديح ليس فتنة، بل طاقة نور تعبّر عن حب النبي ﷺ في أنقى صوره.

رؤية مستقبلية

تؤمن المنشدة نعمة فتحي بأن مستقبل الإنشاد الديني النسائي في مصر واعد، وأن هناك جيلاً جديدًا من الفتيات الموهوبات يمتلكن الحس الفني والوعي الديني الذي يؤهلهن لتقديم فن راقٍ يعبر عن روح الإسلام وجماله.

وتختتم حديثها بالقول: "أحلم بأن تصل رسالتنا إلى كل بيت، وأن يُنظر إلى صوت المرأة المنشدة باحترام وتقدير، لأنه صوت محبة وسلام. كما أعمل على تدريب فتيات صغيرات على فنون الأداء والإنشاد داخل مدرسة الإنشاد الديني، وأستعد خلال الفترة القادمة لإطلاق مشروع فني جديد يحمل اسم صلوات في حب النبي، يجمع بين الأصالة والتجديد في الأداء الموسيقي والروحي."

وبين صوتٍ يفيض بالسكينة ووجهٍ يشرق بالإيمان، تمضي نعمة فتحي في طريقها بثبات، لتُثبت أن الإنشاد ليس حكراً على الرجال، بل رسالة إنسانية تُؤدى بروحٍ مؤمنة وقلبٍ محب

 

ترشيحاتنا