أخر الأخبار

القيم الاسلامية و«دولة التلاوة»

السيد الحراني
السيد الحراني

كان المساء يهبط ببطء على المدينة حين اختلط ضوء المآذن بضجيج الشاشات وفي الشوارع يمضي الناس عابرين كل يحمل صراعه الصغير مع الحياة بينما يختبئ في صدورهم حنين غامض لطمأنينة لا يعرفون مصدرها وبينما تتسابق البرامج على خطف انتباههم يظهر برنامج واحد كأنه يجيء من زمن آخر.. زمن لم تكن فيه الأصوات تصرخ بل ترتل.. لم تكن الكلمة تلقى للاستهلاك بل تنطق لتشفى.. هناك عند نقطة التقاء الروح والصوت يولد السؤال الأهم الآن «ماذا يريد الإعلام أن يفعل بنا؟ أن يأخذنا إلى العمق أم يكتفي بأن يتركنا نطفو على السطح؟».

في قلب هذا السؤال يسطع برنامج «دولة التلاوة» باعتباره محاولة لإعادة الإنسان إلى ذاته قبل أن يعود إلى الشاشة.. ليس البرنامج حدثاً إعلامياً فحسب بل تجربة روحية لها وزن فلسفي يتجاوز حدود المسابقة الصوتيه الدينية.. فحين يصعد شاب يافع ليقرأ «آية قرآنية» فإن ما يحدث ليس تنافساً على الأصوات ـ كما حاول البعض أن يشبه البرنامج ببرامج مسابقات الأغاني ـ بل تذكير بأن أعظم ما يملكه العربي هو لغته حين تتطهر بالنص القرآني.

البرنامج إعلان هادئ بأن الصوت الإنساني حين يلامس النص الإلهي يتحول إلى فعل حضاري وأن تلاوة القرآن ليست مهارة صوتية فحسب بل انضباط وجمال وتهذيب للروح قبل الحنجرة لأن هنا يصبح الأداء عبادة.. والمنافسة طريقاً للسمو.. والجائزة اعترافاً بقيمة لا تقاس بالمادة وحدها بل بما تحدثه من يقظة في وجدان المجتمع.

هذا العمل الذي رعته «وزارة الأوقاف» ووزيرها الدكتور أسامة الأزهري وأنتجته «الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية» يعيد الاعتبار لفكرة «الثقافة المقدسة».. لفكرة أن الإعلام قادر «إن أراد» أن يبني وجداناً لا مجرد جمهور وهنا يبرز فضل الجهد الإنتاجي الذي جعل من هذه التجربة حدثاً يليق بتاريخ قراء مصر الذين حملوا القرآن من حناجرهم الذهبية إلى العالم بنبرات من ذهب عبر مدرسة صوتية لا تزال هي الأفضل ونبعاً لا ينضب.

«دولة التلاوة» يعيد ترتيب أولويات الذوق العام بطريقة غير صدامية.. إنه لا يهاجم أحداً ولا يرفع شعارات بل يكتفي بإضاءة ما يراد له أن يضيء.. معنى الجمال حين يكون مقدساً.. ومعنى الفن حين يكون مشدوداً إلى السماء لا إلى الضجيج.. وفي هذا الإطار يستحق القائمون عليه تقديراً خاصاً لأنهم اختاروا الطريق الأصعب.. طريق تقديم محتوى يرقي ولا يثير.. يعلم ولا يلهي.. ويضع المشاهد أمام تجربة روحانية نادرة في الإعلام الحديث.

وفي مقابل هذا الجهد الهادئ النظيف يبرز في المشهد ذاته توجه مختلف تجسده عودة برامج ترفيهية تعتمد على السخرية واللعب على حدود الكوميديا الجريئة ذات الاغراض الخبيثة.. يستطيع المشاهد لها أن يضحك بل يحق له ذلك لكن مسؤولية الإعلام أن يعرف أن الضحك مثل أي قوة قد يبني أو يهدم.. أن يرفه دون أن يفسد.. أن يضحك دون أن يجرح.. وأن يعرف أن الطفل الذي يضحك اليوم بلا وعي سيكون شاباً غداً بلا بوصلة.. وهنا أيضاً يصبح الطفل غير قادر على التمييز بين ما يقدم له للتسلية.. وبين ما يفترض أن يكون وعيه.

ومن وجهة نظري أن مسؤولية أي إعلام لا تقاس بما يطلبه الجمهور فقط بل بما يستحقه وما يجب أن يثموا بقيمة الدينية لأن المجتمع الذي يتنفس عمقاً دينياً وثقافياً مثل المجتمع المصري والعربي يحتاج إلى ميزان دقيق بين الترفيه والتنوير.. بين الضحك والوعي.. بين الفن بوصفه صناعة.. والفن بوصفه قيمة.

بين «دولة التلاوة» التي تصعد الوجدان وبرامج الترفيه التافهة الذي قد تسحبه نحو السطح يقف المجتمع أمام معركة صامتة لا تخاض بـ«السلاح» بل بـ«الذوق».. معركة بين ما يرفع وما يهبط.. بين ما يشحن الروح وما يستنزفها.. وما يعمق هذه المفارقة أن الأول يحمل قيم الأمة في جوهرها «العلم، الجمال، الوقار، التراث» أما الثاني فيحمل صدى زمن تسلل إليه استسهال ثقافي يعيد تشكيل الوعي ببطء حتى لا يدرك الناس أنهم يبتعدون قليلاً قليلاً عن جذورهم الأولى.

وهكذا يظهر «دولة التلاوة» كأنه دعوة للعودة إلى الذات ليس عودة دينية فقط بل عودة جمالية ومعرفية.. إنه تذكير بأن الإنسان حين يسمو بصوته يسمو بعقله وروحه وأخلاقه.. وأن القيم لا تحتاج إلى ضجيج كي تعيش بل تحتاج إلى منصة تنصت وتقدر.. وفي هذا كله تبدو الشركة المتحدة وقد أحسنت اختيار معركتها الإعلامية.. معركة البناء لا الاستهلاك.. معركة الذوق الرفيع ضد الابتذال.. ومعركة المستقبل ضد اللحظة العابرة.

لقد وضعنا «دولة التلاوة» في قلب مفترق طرق.. إما إعلام يرفع الإنسان.. وإما إعلام يكتفي بتسليته.. لأن بين «دولة التلاوة» الذي يعيد حضور القرآن في الحياة اليومية وبين برامج ترفيهية لا تخلو أحياناً من خفة مبالغ فيها.. تتجلى ملامح صراع ثقافي صامت بين قيمتين.. قيمة الارتفاع.. وقيمة الانحدار.. قيمة البناء وقيمة الاستهلاك.. وفي النهاية ليس المطلوب خنق الضحك ولا تحريم الترفيه.. بل إعادة ترتيب الأولويات.. أن يكون الفن مبهجاً لكن مسؤولاً وأن يكون الضحك بريئاً لا جارحاً.. وأن يكون الإعلام مرآة لمجتمع يريد لأبنائه أن يكبروا بوعي لا بسطحية.

وفي النهاية يبدو المشهد الإعلامي أشبه بمرآة نحملها ونحن لا نعرف أننا نحدق في أنفسنا من خلالها.. وجه يرى النور في صوت قارئٍ شاب يرتل القرآن الكريم.. ووجه عروسة خشبيه تحركها أرواح خبيثة وينفق عليها من يملئهم الغل والحقد من أجل الاضحاك التافه على خشبة مسرح.. وكلاهما يدعي أنه يمثل روح العصر لكن الحقيقة أعمق من الضحك وأطول من حلقة برنامج فالحقيقة أن المجتمعات تصنع بما تختار أن تصغي إليه وأن ما نغرسه اليوم في الوعي الصغير سيكبر غداً في صورة قيم وأخلاق وسلوك ورؤية للعالم.

ربما لا نملك السيطرة على كل ما يعرض على الشاشات لكننا نملك أن نختار الطريق الذي يمنح الإنسان معنى لا مجرد لحظة.. وأن نمنح أرواحنا فسحة من السمو في عالم يزداد ازدحاماً بما يكتم أنفاسها.. ولعل برنامج «دولة التلاوة» بصوته الواثق الهادئ يذكرنا بأن الارتقاء مازال له دور وممكناً.. وأن الزمن لم يغلق بابه أمام الجمال.. وأن الروح مهما أنهكت وابتزلت بترفيه صطحي مازالت قادرة على أن تصحو حين يطرق بابها بصوت من القرآن.

 

طقس القاهرة اليوم
?? --°م
جاري التحميل...

أسعار العملات مقابل الجنيه المصري

العملة سعر الصرف
🇺🇸 الدولار الأمريكي (USD) جاري التحميل...
🇪🇺 اليورو الأوروبي (EUR) جاري التحميل...
🇸🇦 الريال السعودي (SAR) جاري التحميل...
🇦🇪 الدرهم الإماراتي (AED) جاري التحميل...
🇰🇼 الدينار الكويتي (KWD) جاري التحميل...
* الأسعار يتم تحديثها تلقائياً عالمياً وموجهة إرشادياً

أسعار الذهب والفضة في مصر اليوم

البيان (جرام) السعر التقريبي
✨ ذهب عيار 24 جاري الحميل...
👑 ذهب عيار 21 (الأكثر طلباً) جاري التحميل...
🔸 ذهب عيار 18 جاري التحميل...
🥈 فضة عيار 925 (خام) جاري التحميل...
* الأسعار عالمية وتُحسب بناءً على الصرف الفوري بدون مصنعية

ترشيحاتنا