إن أثقل الإجابات عن عالم بلا إسلام أنه لم يكن ابداً مجرد ديانة تعبديه أو منظومة من الطقوس بل كان ثورة فكرية وروحية وحضارية غيرت مسار التاريخ الإنساني كله.
قبل ظهور الإسلام كانت البشرية تغرق في ظلمات الجهل والظلم من عبادة الأصنام وتقديس القوة وتحقير الضعيف واستعباد الإنسان لأخيه الإنسان وكانت المرأة مهانة الحقوق والفقير منبوذاً والعلم محصوراً في الخرافة والأسطورة في تلك اللحظة من التاريخ بزغ نور الإسلام برسالة التوحيد والعدالة فأنقذ البشرية من التيه وحرر العقول والقلوب من قيود الجهل والظلم.
لو لم يظهر الإسلام لظل العالم غارقاً في جاهليته الأولى ولما عرف الناس معنى الكرامة الإنسانية ولا قيمة المساواة بين البشر ولا روح التسامح التي حملها قول الله تعالى {إِن أكرمكم عند الله أتقاكم} لقد أسس الإسلام لمجتمع يقوم على العدالة والعلم والرحمة فدعا إلى طلب العلم فريضة وحرم الظلم بكل أشكاله ورفع من شأن المرأة والأيتام والفقراء وأيضاً من رحم هذه القيم نشأت حضارة عظيمة امتدت من الصين شرقاً إلى الأندلس غرباً حملت للعالم نور العلم والمعرفة.
ومن أسمى ما قدمه الإسلام للبشرية أنه قرن علاقة الإنسان بربه مباشرة دون وسطاء تحقيقاً لقوله تعالى في سورة البقرة: {وإِذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إِذا دعان}.
فالله في الإسلام قريب من عباده يسمع دعاءهم ويتقبل توبتهم دون حاجة إلى قسيس أو كاهن أو وسيط وهذه سمة فريدة تميزت بها أمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن سائر الأمم إذ جعل الله باب التوبة مفتوحاً لكل مذنب فقال تعالى في سورة الزمر: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إِنه هو الغفور الرحيم}.
أما في الديانة المسيحية فقد ارتبط طلب المغفرة بالاعتراف للقساوسة وجعلت التوبة تمر عبر وسطاء بين الإنسان وربه بينما في الديانة اليهودية كانت التوبة أعنف صوراً كما وصفها القرآن الكريم حين قال الله تعالى عن بني إسرائيل في سورة البقرة: {فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم}.
فجعلت التوبة عن الذنب في شريعتهم مشروطة بقتل النفس بينما جعلها الإسلام مقرونة بالندم والدعاء والإخلاص رحمة من الله بعباده وهكذا يتجلى الفارق العظيم بين الإسلام وغيره من الديانات فالإسلام دين القرب والرحمة لا دين الخوف والعقاب.
أنجب الإسلام علماء خلدهم التاريخ مثل «ابن سينا» و«الخوارزمي» و«الزهراوي» و«ابن الهيثم» وغيرهم من رواد الفكر والعلم الذين وضعت أبحاثهم أسس الحضارة الحديثة وكانت مؤلفاتهم تدرس في جامعات أوروبا قروناً طويلة ومنها انطلقت نهضتها الفكرية والعلمية.. فلو لم يكن الإسلام لربما تأخرت النهضة الأوروبية أو سلكت طريقاً مختلفاً لأن جذور كثير من علوم الغرب زرعت في تربة الحضارة الإسلامية.
ولم يكن الإسلام دين علم فقط بل دين أخلاق وعدالة وإنسانية فقد ساوى بين الحاكم والمحكوم وأقام مبدأ الشورى والمساءلة ودعا إلى الرفق بالحيوان والرحمة بالمحتاج فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن.. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» وفي ذلك دعوة خالدة إلى بناء عالم تسوده المحبة والتعاون والعدل.
اليوم ومع كل ما وصل إليه العالم من تقدم علمي وتقني لا تزال القيم التي دعا إليها الإسلام هي ما يحتاجه الإنسان ليحيا بسلام.. فالعلم بلا أخلاق خطر.. والقوة بلا عدل فساد.. والحياة بلا إيمان فراغ.. لا يحتمل الإسلام قدم للبشرية ميزاناً دقيقاً بين الروح والمادة.. وبين العقل والقلب.. وبين الفرد والمجتمع.
إن غياب الإسلام عن هذا العالم ليس مجرد غياب دين بل غياب نور يهدي العقول ويطهر القلوب فالإسلام هو الذي أعاد للإنسان إنسانيته وذكره بأنه خليفة في الأرض مسؤول عن عمرانه وعدله لا عن تخريبه واستعباده لذلك فإن العالم بلا إسلام سيكون عالماً بلا عدالة.. بلا رحمة.. بلا روح.
قال الله تعالى {وما أرسلناك إلا رحمة للعالممن} وهذه الرحمة لم تكن حكراً على المسلمين بل شملت الإنسان والحيوان والطبيعة بأكملها.. فوجود الإسلام هو استمرار لرحمة الله في الأرض ونوره الذي لا ينطفئ وإن الإسلام ليس ماضياً نرويه بل حاضراً نحياه ومستقبلاً نحلم به لأن العالم بلا إسلام هو عالم بلا إنسانية.
هكذا يبقى الإسلام لا كدين فحسب بل كفكرة خالدة تسكن وجدان الإنسان تذكره بمعناه ووجهته وتفتح له باب الأمل في لحظات التيه.. فالإسلام هو صوت الفطرة حين تشتاق إلى خالقها.. وهو نداء العقل حين يبحث عن العدل والمعنى.. ولو غاب هذا النور عن الوجود لعاش الإنسان جسداً بلا روح.. وعقلاً بلا ضمير.. وحضارة بلا قلب.
إن العالم بلا إسلام كسماء بلا شمس.. وكقلب بلا نبض.. لأن الإسلام ليس مرحلة من التاريخ بل هو استمرار لرحمة الله في الزمان والمكان.. ودليل الإنسان إلى أن يعيش في توازن بين الأرض والسماء.. وبين المادة والروح.. وبين الحياة والفناء.
فما أكرم أن يختم القول بصدق اليقين: «ما دام في الدنيا من يوحد الله.. فلن تنطفئ أنوار الوجود.. لأن الإسلام هو بقاء النور في وجه الظلام».



