د. محمد حمدان: رؤية شاملة لبناء إنسان يندمج في سوق العمل
د. أحمد عيسى: تحديث شامل شامل يحفز على التفكير والابتكار
في وقت تتزايد فيه التحديات المعاصرة، من تغييرات علمية وتكنولوجية، أصبحت المناهج التقليدية التي يتلقاها الطلاب داخل المؤسسات التعليمية سواء التعليم العام أو الأزهري ، الأمر الذي يضعنا أما تحدي من خلال الحاجة إلي مناهج تتطلع إلى المستقبل، وتكون قادرة على إعداد الطلاب لمواجهة هذه التحديات.
ومن المؤكد أن عملية تطوير المناهج سوف يؤدي إلى تقليل القدرة التنافسية الاقتصادية، وعدم مواجهة المشكلات الملحة مثل تغيير المناخ، وغيرها من التحديات، ولن يكون ذلك إلا من خلال دمج التكنولوجيا الحديثة بالذكاء الاصطناعى داخل العملية التعليمية.
جريدة وموقع «اللواء الإسلامى» طرحت هذه القضية المهمة على خبراء تطوير المناهج للوقوف علي التحديات وسبل علاجها.
ويقول الدكتور محمد حسين حمدان، أستاذ المناهج وطرق التدريس بجامعة جنوب الوادى، إن تطوير المناهج بشكل عام ليس مجرد تغيير فى الكتب بل هو رؤية شاملة لبناء إنسان متعلم واعٍ متصل بتراثه منفتح على معطيات عصره وهذا ما نحتاجه خصوصاً مع التطورات السريعة والتغيرات والتحولات المجتمعية التى نشهدها حالياً.
ويضيف أن هذا التطوير أصبح ضرورة لا رفاهية لأنه السبيل لبناء جيل قادر على مواكبة متغيرات العصر دون أن يفقد هويته، معللا ذلك بأن المناهج الحديثة تبتعد عن الحشو والتلقين وتفتح المجال أمام التفكير النقدى والإبداعى وتوظيف التكنولوجيا فى خدمة التعليم.
ويوضح "حمدان"، أن التطوير فى التعليم الأزهرى يحتاج إلي تحقيق التوازن بين العلوم الشرعية والإنسانية التقنية، لكي ينشأ الطالب مرتبطاً بقيمه ودينه، وفى الوقت نفسه مؤهلاً للاندماج فى سوق العمل والمشاركة الفاعلة فى نهضة المجتمع.
قلب التنمية
ويؤكد، أستاذ المناهج أن خطط تطوير التعليم فى مصر تنطلق من رؤية مصر 2030 التى تضع التعليم فى قلب التنمية المستدامة باعتباره أساس بناء الإنسان المصرى، مشيراً إلى أن التعليم العام يحتاج إلي مناهج متطورة تقوم على الفهم والحوارات، فضلا عن ربط التعليم الفنى بسوق العمل وتدريب المعلمين وتوسيع استخدام التكنولوجيا والتحول الرقمى.
ولفت إلى أن الأزهري في المقابل يحتاج إلي خطة استراتيجية تسعى لتطوير المناهج بما يواكب مستجدات العصر ويحافظ على الهوية الإسلامية وإعداد الكوادر التعليمية وتأهيلهم وتفعيل الذكاء الاصطناعى والتحول الرقمى "مع تعزيز رسالة الوسطية ومواجهة التطرف"، بذلك يصبح التعليم بشقيه فى التعليم العام والأزهري ركيزة أساسية لتحقيق أهداف رؤية الجمهورية الجديدة 2030 لإعداد جيل واعٍ مبدع ومؤهل لمتطلبات المستقبل.
منظومة متكاملة
وتابع الدكتور حمدان أن مصر تمتلك اليوم منظومة متكاملة لتطوير التعليم، تخضع لإشراف وزارة التربية والتعليم، والتعليم الفنى، بالتعاون مع مؤسسات الدولة والجهات الشريكة، مبينا أن هذه المنظومة تستهدف تطوير المناهج وفق معايير عالمية قائمة على الفهم والحوارات، وتحديث نظم التقييم والامتحانات مع إنشاء مراكز متخصصة لإعداد بنوك الأسئلة وتدريب المعلمين على طرق التدريس الحديثة.
وأوضح أن الأزهر الشريف، في المقابل يعمل عبر قطاعاته التعليمية، على تنفيذ خطة استراتيجية خاصة به تركز أكثر على تطوير المناهج الشرعية، والعربية، وإدماج التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعى، فى العملية التعليمية بما يحقق التوازن بين الأصالة والمعاصرة، مؤكداً أن تطوير التعليم داخل الأزهر الشريف لا يقتصر علي تحديث المناهج فقط بل يمتد ليشمل التوسع فى إنشاء معاهد جديدة مثل معاهد Stem الأزهرية التى تجمع بين العلوم الشرعية والعلوم التطبيقية وتفعيل الأنشطة الثقافية والرياضية.
والتي منها مثل تنظيم مسابقات القرآن الكريم، والأنشطة المسرحية، والفنية، وذلك لبناء شخصية متوازنة، كما يعمل الأزهر على إدماج التكنولوجيا من خلال المنصة الرقيمة التعليمية وإتاحة الكتب والمناهج إلكترونياً إلى جانب برامج الدمج لذوى الهمم التى بدأت فى عدد من المعاهد النموذجية، وفى مجال رعاية الموهوبين، أطلق الأزهر أول مركز لرعاية المبتكريم داخل قطاع المعاهد، كما عزز التعاون الدولى عبر اتفاقيات مع جامعات ومؤسسات تعليمية فى دول مثل إندونيسيا وبريطانيا لنقل الخبرات العالمية مع الحفاظ على رسالته الأصيلة فى ترسيخ الوسطية والاعتدال.
مواكبة العصر.
ويشير أستاذ المناهج إلي الفروق بين تطوير التعليم الأزهرى، والعام، من حيث الهدف والمحتوى، وإن كانا يلتقيان فى السعى إلى مواكبة العصر ورفع جودة المخرجات التعليمية، ففى التعليم الأزهرى يرتكز التطوير على الجمع بين العلوم الشرعية، واللغة العربية، من جهة والعلوم الحديثة من جهة أخرى، مع التركيز على ترسيخ قيم الوسطية ومواجهة الفكر المتطرف.
أما فى التعليم العام فيتمحور التطوير حول تحديث المناهج الدراسية لتقوم على الفهم والمهارات الحياتية بدلاً من الحفظ وربط التعليم الفنى والتقنى بسوق التعليم وتعزيز التفكير النقدى والإبداعى لدى الطلاب، وبهذا يكمل المساران بعضهما البعض، فالأزهر يحافظ على الهوية الدينية والثقافية، بينما التعليم العام يوسع آفاق العلوم الحديثة والتطبيقية وكلاهما معاً يشكلان ركيزة لرؤية مصر 2030.
وتابع الدكتور حمدان أن تطوير المناهج اليوم لم يعد مجرد تحديث للمحتوى بل أصبح عملية استراتيجية تستجيب لتحديات عالم سريع التغيير، فالمناهج الحديثة فى مصر سواء فى التعليم الأزهرى أو العام تسعى إلى دمج مهارات الذكاء الاصطناعى والبرمجة والتفكير الرقمى منذ مراحل مبكرة مع التركيز على تنمية مهارات التحليل والإبداع بدلاً من التلقين.
وفضلا عن الحاجة إلي إدخال موضوعات جديدة تعزز قيم المواطنة والانتماء والتسامح وقبول الآخر، لتنشئة جيل واع بحقوقه، وواجبته، قادر على مواجهة خطاب العنف والتطرف، مبينا أن كل ذلك في حاجة أيضا إلي تطوير طرق التدريس لتقوم على المشروعات والعمل الجماعى، والتعليم القائم على حل المشكلات، بما يجعل الطالب فاعلاً لا متلقياً وجاهزاً لمتطلبات سوق العمل المحلى والعالمى، فضلا عن ربط المناهج بمنهج الحياة وتطورها وفلسفة المجتمع.
تطوير شامل
ومن جانبه يؤكد الدكتور أحمد عيسى، أستاذ المناهج وطرق التدريس بجامعة القاهرة، أن المناهج الدراسية تحتاج إلي تطويرها كل فترة زمنية لتكون ملائمة للعصر الحاضر، رافضا فكرة التطوير الجزئى التي تعتمد علي حذف بعض الدروس، كتغيير أجزاء بسيطة بالمناهج والاكتفاء بذلك، مؤكدًا أن التطوير المقصود لابد أن يكون شاملاً.
وهو ما اتجهت إلي وزارة التربية والتعليم في الآونة الأخيرة وحرصها الشديد على تطوير المناهج بما يواكب مستجدات العصر، رافضة فكرة المناهج القديمة التي كانت تعتمد علي حفظ كم كبير من المعلومات كإعداد للمعلم أو للطالب، أما الآن فأصبح التطوير يستهدف الانتقال من مرحلة حفظ الكتاب من الجلدة للجلدة، إلي الاعتماد أولاً على التفكير والابتكار وتشغيل العقل أكثر.
ويوضح الدكتورعيسى، أن تطوير المناهج يحتاج إلي معايير معينة، تقوم عليها مؤسسات الدولة مثل الهيئة العامة والقومية لضمان جودة التعليم، التي تضع معايير معينة للمنهج، إلى جانب خبراء جودة التعليم، فضلا عن خبراء وزارة التربية والتعليم، موضحًا أن مهام لجنة تطوير المناهج، تستهدف مراجعة المناهج وتقييمها لتحديثها لتلبية احتياجات سوق العمل.
بما يلبي متطلبات المجتمع مع ضمان انسجام المحتوى وتطوير طرق التدريس والتقييم وربط مخرجات التعليم بأهداف البرنامج، إلى جانب متابعة التطورات العالمية وتقديم التقارير حول الأداء والتطور، مشيرًا إلى أن من مهام هذه اللجان أيضًا عقد لقاءات دورية مع منسقى المقررات الدراسية لمناقشة كل محتوى، والوقوف علي مقترحات التطوير والاستفادة من خبرات أعضاء هيئة التدريس ومنسقى المقررات لتطوير المناهج، إلى جانب رفع التقارير إلى الجهات المعنية مثل مجلس القسم ولجنة ضمان الجودة لعرضها وتوثيقها.
تحديات المطورين
ويضيف الدكتور عيسي، تطوير المناهج قد بدأ بالفعل مع بداية 2025، وقد تم البدء بالفعل تطوير مناهج التعليم العام، حيث شمل التطوير كتب الصف الثانى الإعدادى، ومن قبله كتب المراحل الإبتدائية، كما تم توسيع المناهج فى بعض الصفوف الابتدائية والإعدادية وزيادة عدد الحصص فى مناهج التربية الدينية وإضافتها للمجموع الكلى، فضلا عن استحداث نظام البكالوريا بالثانوية العامة.
وعن التحديات التى تواجه مطورى المناهج الدراسية، يؤكد أستاذ المناهج، وطرق التدريس، أن أبرز هذه التحديات تتلخص في احتياج مطورى المناهج أن يكون لديهم الإيمان الكامل بأنها مهمة وطنية قومية لأن الثروة الحقيقية فى مصر هى أبنائنا، فضلا عن حُسن اختيار المطورين بعناية مع إشراك المعلمين، إضافة إلي الحرص علي العناية بعوامل التحفيز والمكافآت سواء مادية أو معنوية وتقديرية، بما يمكن من الاستعانة ببعض الخبراء الذين لهم كفاءات تعليمية بالخارج.
ويطالب الدكتور عيسي بضرورة إشراك المعلم في عملية تطوير البرامج التعليمية باعتباره حجر الزاوية فى العملية التعليمية فهو الأساس فى التعامل المباشر مع الطالب المتلقى للتعليم.



