كنت إخوانيًا وأصبحت مصريًا.. طارق البشبيشي يكشف أسرار أخطر تنظيم سري 

طارق البشبيشي، القيادي السابق في جماعة الاخوان والمنشق البارز
طارق البشبيشي، القيادي السابق في جماعة الاخوان والمنشق البارز

«الإخوان» استغلت الدين لتجنيد الشباب بكل الوسائل

الجماعة صنعت عقلية مغلقة أسيرة خطاب المظلومية والكراهية

من بين الشهادات التي تكشف خبايا الجماعات المتطرفة، تظل شهادة "شاهد من أهلها" هي الأصدق والأقوى. فحين يتحدث المنشق عن تجربته، لا يروي مجرد أحداث، بل يفضح منظومة كاملة من الأفكار والممارسات التي صنعت منها جماعة الإخوان الإرهابية أخطر تنظيم سري عرفته مصر والمنطقة العربية على مدار قرن كامل.
طارق البشبيشي، القيادي السابق في جماعة الاخوان والمنشق البارز، قرر أن يكسر جدار الصمت ويكتب مراجعاته الذاتية تحت عنوان: "كنت إخوانيًا... وأصبحت مصريًا". 
شهادته لا تقتصر على نقد فكري أو تجربة شخصية، بل تفتح ملفًا شديد الخطورة: كيف استغلت الجماعة الدين، وجندت الشباب، وصنعت عقلية مغلقة أسيرة خطاب المظلومية والكراهية، مستخدمة كل الوسائل من المساجد إلى الأزهر، ومن الأناشيد الحزينة إلى التنظيم السري المسلح.
هذا السطور التالية يسرد البشبيشي، تجربته الشخصية، لنقف أمام خريطة كاملة لآليات الجماعة التي حولت الدين إلى وسيلة، وجعلت من العضو الإخواني أسيرًا داخل قفص فكري وتنظيمي محكم.

وقال طارق البشبيشي إن أخطر ما أنتجه مؤسس الجماعة حسن البنا لم يكن مجرد الخطب أو الرسائل العاطفية، بل ما عُرف بـ "رسالة التعاليم"، فهي بمثابة الدستور السري الذي حكم الجماعة لعقود، وحدد مساراتها، ورسم هيكلها التنظيمي وصولًا إلى تكوين الجهاز السري المسلح، مشيرا إلى ان  "رسالة التعاليم قسّمت المسلمين إلى فئتين: مسلم إيمانه مخدر، وهو الذي لم ينضم بعد إلى الجماعة، ومسلم إيمانه يقظ، وهو الذي التحق بها. أما داخل التنظيم، فالتقسيم أكثر دقة: محب، منتسب، منتظم، عامل، مجاهد".
المحب هو القادم الجديد الذي يتعرف على أفكار الجماعة، والمنتسب هو الذي التزم وبدأ بالدفع المالي، أما المنتظم فهو في منتصف الطريق بين الالتزام الكامل والاختبار ، والعضو العامل هو العضو الذي يثبت ولاءه ويشارك في التربية والتجنيد، وصولًا إلى المجاهد، وهو من النخبة التي يتم إعدادها للانضمام للجهاز السري وتنفيذ المهام العنيفة.
تجنيد الشباب
وأضاف البشبيشي: وهكذا وضع البنا بذور العنف مبكرًا، حين جعل "المجاهد" هو قمة الهرم، واعتبر أن الهدف النهائي للجماعة لا يكتمل إلا بتكوين تنظيم مسلح قادر على المواجهة. رسالة التعاليم لم تكن مجرد كلمات، بل خطة عملية لبناء كيان موازٍ للدولة.
ويصف البشبيشي مرحلة تجنيده قائلاً: "كانت البداية في المسجد. حلقات دينية بسيطة، ثم دعوات لحضور أنشطة خيرية، وبعدها دورة تصعيدية لتحويلي من محب إلى منتسب". وشملت الدورة دراسة الجزء الثامن والعشرين من القرآن، الذي أطلقوا عليه "جزء المجتمع المسلم". لكن التفسير كان منحرفًا، إذ رُبطت معاني الآيات بمفهوم الولاء والبراء، والعداوة مع المخالفين، حتى لو كانوا مسلمين غير منتمين للجماعة، وإلى جانب القرآن، دُرست كتب مثل "هذا الدين" لسيد قطب و"رسائل حسن البنا" و"الدعوة الإسلامية فريضة شرعية وضرورة بشرية" لعبد الله عزام، مؤكدا أن الهدف لم يكن فهم الدين، بل إعادة صياغة وعي الشاب ليرى أن الإسلام لا يتحقق إلا بوصول الإخوان إلى السلطة.
واستكمل البشبيشي: بعد المسجد، تأتي المرحلة التالية: اللقاءات السرية في البيوت، فهناك يتعلم الشاب مبادئ السمع والطاعة، والسرية المطلقة، والانصهار في كتيبة الجماعة، ويُلقّن أن الجماعة هي "جماعة المسلمين"، ومن يخرج عنها فكأنه خرج من الإسلام ذاته، بهذا الأسلوب الناعم والممنهج، تحولت المساجد من بيوت عبادة إلى بوابات لتجنيد عناصر جديدة، تُنقل بعدها إلى الحلقات المغلقة حيث يكتمل التشكيل الفكري والتنظيمي.
الكذب مشروع
وكشف عن واحدة من أخطر ممارسات الجماعة: إباحة الكذب، ويسرد تفاصيل استدعائه لأول مرة إلى أحد مقار الأمن في صيف 1985، وكيف جمعه مسئوله الإخواني بعدها مع بقية الطلبة على سطح منزل أحد الأعضاء ليستعرض ما جرى.
وقال: "بعد أن رويت تفاصيل الحوار مع الضابط، علّق المسئول قائلاً إن الكذب على العدو مباح شرعًا. واستشهد بقصة أصحاب الأخدود، وأكد أن التنظيم يجيز التضليل والكذب طالما الهدف حماية الجماعة". لم يتوقف الأمر عند الأمن فقط، بل امتد إلى المجتمع، فشعار مثل "لا صحة للصيام بدون الحجاب" كان يُكتب على الجدران في رمضان، وعندما تساءل البشبيشي عن صحته، جاءه الرد: "ليس بالضبط، لكن ليس هناك مانع نقول ذلك حتى ترتدي السيدات الخمار".هكذا، جعلت الجماعة من الكذب وسيلة للتجنيد والتأثير، بل وللنجاة من المواجهة مع الدولة. لم يعد الصدق قيمة دينية، بل مصلحة سياسية يحددها التنظيم.
وأضاف البشبيشي أن مفهوم "الأخوة في الله" عند الجماعة لا يشمل المسلمين جميعًا، بل يقتصر على الأعضاء، ففي المراحل الأولى للتجنيد، يُسمع العضو الجديد آيات وأحاديث عن الأخوة الإسلامية، لكن سرعان ما يُقال له إن هذه الأخوة لا تنطبق إلا على الإخوانيين، وبذلك، تُزرع في عقل العضو فكرة أنه في جماعة مختارة، وأن من هم خارجها ناقصو الإيمان. الأخوة تصبح رابطة تنظيمية لا دينية، والولاء للجماعة يحل محل الولاء للأمة أو للوطن، وهذا الحصر جعل الجماعة خلايا مغلقة، تعمل ككيانات منفصلة عن المجتمع، ترى نفسها "الطائفة المنصورة"، وتنظر إلى الآخرين باعتبارهم في حالة نقص أو ضلال.
صناعة المحنة
وأكد البشبيشي أن خطاب المظلومية هو السلاح الأهم الذي استخدمته الجماعة منذ تأسيسها. فكل فشل سياسي يتحول إلى "ابتلاء"، وكل هزيمة تُقدَّم للأعضاء على أنها "محنة" يجب الصبر عليها، مشيرا إلى أن اعتصام رابعة العدوية عام 2013 كان المثال الأوضح على هذه السياسة،  فقد كانت القيادات تعلم أن عودة الإخوان للحكم مستحيلة بعد خروج الملايين ضدهم، لكنها دفعت الأعضاء إلى المواجهة مع الدولة، ليس لتحقيق أهداف سياسية، بل لصناعة دماء جديدة تُستغل كوقود لشحن التنظيم بالكراهية والرغبة في الانتقام، وهذا الاستخدام الدموي للمظلومية ليس جديدًا، بل هو امتداد لسياسة حسن البنا وسيد قطب، حيث تُقدَّم الجماعة دومًا كضحية، حتى وإن كانت هي المعتدية.
ويرى البشبيشي أن استغلال الجماعة لم يقتصر على الداخل، بل امتد إلى الخارج عبر الأزهر، لافتا إلى أن التنظيم كان يستقطب الطلبة الوافدين من دول مختلفة، يسكنهم في شقق تابعة للجماعة، ويعرّفهم بأفكارها، وعند عودتهم لبلادهم، يستلمهم التنظيم الدولي ليواصلوا العمل كخلايا نشطة.
التجربة الشخصية
ويروي البشبيشي كيف تغيّرت حياته بالكامل بعد انضمامه للجماعة، فيقول: "أحببت ما يحبه الإخوان وكرهت ما يكرهونه ، ضعفت علاقتي بعائلتي، وأصبح ولائي للتنظيم، هجرت الفن الذي نشأت عليه، واستبدلته بأناشيد حزينة وخطب تحرض على الدولة وتبث شعور المحنة والانتماء للجماعة".
وهذا التحول يعكس كيف تصنع الجماعة عقلية جديدة للعضو، تجرده من هويته السابقة، وتعيد تشكيله وفق قوالبها، ويصبح الإخواني شخصًا آخر، يرى نفسه بلا وطن إلا الجماعة، ويعيش في عالم موازٍ قائم على الأناشيد الحزينة والقصص العاطفية عن "الابتلاء".، لكن لحظة الإفاقة جاءت لاحقًا، حين اكتشف أن كل ذلك لم يكن إلا وهمًا صنعته قيادة تستغله لتحقيق مصالحها.
ويشبّه البشبيشي تجربة الانتماء للجماعة بالإدمان. ويقول: "العضو الإخواني يسير داخل الجماعة كالخروف داخل القطيع، ويعلم أن ما يراه ويسمعه أوهام، لكنه يطلب المزيد منها كالمدمن الذي يبحث عن الجرعة".
ويرى أن شفاء هؤلاء شبه مستحيل، لأن التنظيم صنع منهم كائنات فقدت الإرادة، وأصبح الكذب والخداع جزءًا من كيانهم، والحل في رأيه ليس إضاعة الوقت في محاولات فردية، بل نشر الوعي المجتمعي حتى لا يقع المزيد من الشباب في شباك هذا الإدمان القاتل، فالجماعة، كما يصفها، ليست مجرد تنظيم سياسي، بل منظومة تستغل الدين والأخلاق لإخضاع أعضائها، وتُبقيهم أسرى داخل دوامة من الأوهام والمظلومية.
زيف الجماعة
شهادة طارق البشبيشي لا تترك مجالًا للشك، فالجماعة التي ادّعت أنها "جماعة المسلمين" ليست سوى تنظيم سري، يوظف الدين لتحقيق أهداف سياسية، ويزرع الكراهية والانقسام، ويحتكر الأخوة والولاء.
من "رسالة التعاليم" إلى اعتصام رابعة، ومن المساجد إلى الأزهر، ومن التجنيد السري إلى العنف العلني، يكشف البشبيشي أن الإخوان أسرت عقول أعضائها بخطاب المظلومية واحتكار الدين، إنها شهادة من داخل البيت الإخواني، تؤكد أن المواجهة مع هذا الفكر يجب أن تكون بالوعي والفهم وكشف الزيف،  فكما قال البشبيشي: "ما يجب عمله الآن هو نشر الوعي في المجتمع حتى لا يقع المزيد من أبنائنا في حبائل هذا الإدمان القاتل".

 

ترشيحاتنا