بلال شعيب: ممارسات مرفوضة تهدر مدخرات الأفراد
أحمد بدوي: جرائم تستوجب تغليظ العقوبة
وليد حجاج: الحكومة اتخذت إجراءات رادعة لمكافحتها
د. سامية خضر: سلوك دخيل يرفضه المجتمع
د. محمد عوضين: كسب غير مشروع نهى عنه الدين
شهد المجتمع المصري في الآونة الأخيرة انتشار العديد من الممارسات الخاطئة والمرفوضة التي تتعارض مع قيم الشريعة الإسلامية، ومن بين هذه الظواهر إقبال قطاع عريض من الشباب على مواقع المراهنات المنتشرة على الإنترنت بشكل لافت، حيث تُقدَّم على أنها فرصة لتحقيق مكاسب مالية سريعة وسهلة، دون أي جهد أو عمل حقيقي. ورغم إغراءات هذه المواقع ووعودها الكاذبة بالثراء، فإنها تتعارض مع العديد من القيم الشرعية والقانونية، وتشكل تهديدًا حقيقيًا للمجتمع المصري.
وتُعدّ المراهنات، بمختلف أشكالها، من المحظورات في الشريعة الإسلامية والقانون المصري، حيث يُنظر إليها كمقامرة تُدمّر النسيج الاجتماعي والاقتصادي.
في التحقيق التالي، نكشف المخاطر المترتبة على هذه الظاهرة، وتأثيراتها المدمرة على الأفراد والمجتمع، وسبل مواجهتها.
الاقتصاد في خطر
يؤكد بلال شعيب، الخبير الاقتصادي، أن التعامل مع مواقع المراهنات يشكل خطورة كبيرة على الأفراد والمجتمع والاقتصاد القومي، بسبب إهدار مدخرات الأفراد وثرواتهم، وتعرضهم للإفلاس.
ويوضح أن المراهنات نشاط غير منتج، حيث تُفقد الدولة قوى إنتاجية يمكن استغلالها في الاستثمار وتحسين الاقتصاد القومي، كما تؤدي إلى نزيف وخسائر دولارية، خاصة إذا كان التعامل بها بالعملة الصعبة، فضلًا عن تأثيرها السلبي على الإنتاج ورغبة الأفراد في العمل، مما يؤدي إلى فقدان قوى عاملة وناتج محلي إجمالي.
وحذر شعيب من هذه الممارسات المرفوضة التي يسعى أصحابها إلى تحقيق مكاسب سريعة دون بذل أي مجهود، مؤكدًا أن هذه الممارسات وهم كبير ونشاط ليس له أسس علمية.
وأوضح أن المراهنات نشاط غير مشروع، وتُعاقب الأجهزة الرقابية المتعاملين فيه بمصادرة الأموال والحبس، كما أنه لا يتم تحصيل الضرائب عن الأموال المستخدمة فيه، لأن القانون المصري يوجب تحصيل الضرائب عن الأنشطة الاقتصادية المشروعة فقط.
وأكد أن المتعاملين مع مواقع المراهنات يُعتبرون مخربين للاقتصاد القومي، ولابد من القضاء على نشاطهم، لافتًا إلى أن تعداد مصر يبلغ 107 ملايين نسمة، 60% منهم من الشباب، ولو أن 10% منهم تعاملوا مع هذه المواقع، فسنخسر حوالي 3 ملايين من الأيدي العاملة.
ودعا شعيب إلى ضرورة الحذر من هذه الممارسات، والحد من انتشار هذه الظاهرة، وتحذير الأفراد من التعامل معها، مؤكدًا أن المصريين لديهم فرصة ذهبية للمشاركة في تغيير حجم الاقتصاد القومي بعدما وقع الرئيس عبد الفتاح السيسي على قانون العمل الجديد، وهو خطوة مهمة لحماية حقوق الجميع وتعزيز الاقتصاد القومي.
تغليظ العقوبة
فيما يؤكد النائب أحمد بدوي، رئيس لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب المنحل، عزم مجلس النواب القادم استكمال مناقشة تعديلات قانون تقنية المعلومات، المعروف إعلاميًا بجرائم الإنترنت، بهدف تشديد العقوبة على بعض الجرائم التي لم يشملها القانون، وعلى رأسها جرائم المراهنات والابتزاز الإلكتروني.
ويشير النائب بدوي إلى أن جرائم المراهنات قد زادت بشكل كبير، بعد أن رصدت منصات المراهنات الإلكترونية ارتفاع جرائم النصب الإلكتروني، في الوقت الذي يدّعي فيه أصحاب هذه المنصات أن عملهم قانوني.
ويوضح أن حجم المبالغ التي تم سرقتها بالنصب من جيوب المصريين من خلال هذه المنصات بلغ حوالي مليار جنيه مصري، وفقًا للمحاضر التي تم تحريرها في هذا الشأن، فضلًا عن العديد من الأشخاص الذين لم يتقدموا ببلاغات، مما يزيد من حجم المشكلة.
ويؤكد أن مجلس النواب القادم سوف يناقش مشروع قانون يشدد العقوبة على جرائم المراهنات والابتزاز الإلكتروني، بهدف حماية المجتمع والمواطنين، خاصة في ظل التطور التكنولوجي الذي له إيجابياته وسلبياته.
خطر على البيانات
وفي السياق نفسه، يكشف وليد حجاج، خبير أمن المعلومات، عن مخاطر استخدام مواقع المراهنات، مؤكدًا أن استخدامها يشكل خطرًا كبيرًا على بيانات المستخدمين، خاصة المواقع غير المرخصة أو غير الخاضعة للرقابة، التي تطلب معلومات شخصية وحساسة، مثل رقم البطاقة والعنوان والبيانات البنكية، مما يعرضها للسرقة أو البيع.
ويوضح أن بعض الأشخاص يستخدمون مواقع المراهنات لغسل الأموال الناتجة عن أنشطة غير قانونية، مثل تجارة المخدرات أو النصب، من خلال إيداع الأموال في الموقع، ثم سحبها مرة أخرى على أنها "أرباح" نظيفة.
ويشير إلى أن القانون يعاقب أي شخص يشغل أو يستخدم مواقع مراهنات، حيث يمكن أن تصل العقوبة إلى الحبس لمدة عامين وغرامة تصل إلى مليون جنيه، مبينًا أن الحكومة اتخذت إجراءات رادعة لمكافحة المراهنات، مثل حظر التطبيقات والمواقع من قبل جهاز تنظيم الاتصالات، الذي بدأ بالفعل في منع التطبيقات والمواقع التي تقدم خدمة المراهنات، فضلًا عن حملات التوعية من قبل وزارة الداخلية والإعلام لتوعية الشباب بمخاطرها، إضافة إلى زيادة الرقابة على الإنترنت لضبط المواقع الجديدة قبل انتشارها، والتعاون الدولي للقبض على الأشخاص الذين يشغلون المواقع من خارج مصر.
ويضيف أن تقارير حديثة أشارت إلى مشاركة أكثر من 5 ملايين مصري في المراهنات عبر الإنترنت، مما يؤثر سلبًا على الاقتصاد، ويُحدث خسائر مالية يخسر فيها العديد من الأشخاص أموالهم، فضلًا عن حدوث مشاكل نفسية واجتماعية خطيرة قد تؤدي إلى الاكتئاب والانتحار، وزيادة الجريمة بلجوء البعض إلى السرقة أو النصب لتغطية خسائرهم، وتهريب الأموال خارج البلاد، مما يضعف الاقتصاد.
وأكد أن مواقع المراهنات ليست لعبة، بل خطر كبير على الأموال والبيانات والمستقبل، الأمر الذي يستلزم التوعية بمخاطرها والابتعاد عنها.
رفض مجتمعي
ومن جانبها، توضح د. سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع، أن تعامل بعض الأشخاص مع مواقع المراهنات قد يظل محدود التأثير، وأن هذه الظاهرة قد تظهر وتختفي بمرور الوقت، إلا أن الشباب هم الأكثر تعاملًا مع هذه المواقع، نظرًا لأنهم يمثلون الفئة الأكبر في الهرم السكاني.
وعن أسباب رفض المجتمع للمراهنات، تؤكد أن هذه الممارسات تُعتبر سلوكًا دخيلًا على العادات والتقاليد المصرية، كما أن الجانب الديني لا يشجع على المقامرة، وتُعدّ من الأنشطة المحرمة شرعًا.
وتؤكد على أهمية دور الأسرة في تقويم سلوك الأبناء والحد من انتشار هذه الظاهرة، وعدم ترك الأبناء في أوقات فراغهم، وحثهم على ممارسة الرياضة أو أي هواية تشغل أوقاتهم.
وتشير إلى أن المراهنات قد تؤدي إلى مشاكل متنوعة، منها مشاكل مالية، ومشاكل في العمل، وتوتر في العلاقات، ومشاكل في الصحة النفسية، وقد تكون آثارها مدمرة إذ تؤدي إلى خراب مالي، وتفكك العلاقات، وزيادة التوتر والقلق.
وشددت على ضرورة الحد من انتشار هذه الظاهرة، من خلال التمسك بالعادات والتقاليد والقيم الدينية، والتحلي بالوعي والمسؤولية تجاه هذه الظاهرة، والعمل على تجنب المخاطر المرتبطة بها.
ضد الشرع
أكد الدكتور محمد نجيب عوضين، أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة القاهرة، أن المراهنة تُعدّ مخالفة للشرع والقانون، لأنها في جوهرها نوع من المقامرة، مشيرًا إلى أن مبادئ المعاملات في الشريعة الإسلامية تقوم على ضوابط تضمن الكسب الحلال وتحقيق الرزق الطيب، كما يشدد الإسلام على أهمية معرفة تفاصيل المعاملة وضمان خلوها من الغش أو الخداع.
وبيّن الدكتور عوضين أن الإسلام حرّم المقامرة لما فيها من غش وخداع واستغلال، مستشهدًا بقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ". كما أوضح أن الإسلام حدّد شروط المعاملات الصحيحة بأن يكون الكسب متفقًا عليه وواضحًا، ويجب أن يكون في مقابل عمل أو جهد بذله الإنسان، وليس بناءً على توقعات أو احتمالات، محذرًا من الكسب الناتج عن التوقع والحصول على مقابل دون عمل، لأن ذلك يُعدّ من الفواحش.
وأكد أستاذ الشريعة الإسلامية أن المراهنات محرّمة شرعًا، كما أنها تُلحق الضرر بالاقتصاد والمجتمع، حيث تُشجع على الكسل والغش، وتُثني الأفراد عن السعي والعمل لتحقيق المكاسب من مصادرها السليمة، لافتًا إلى أن الدين والقانون ينهَيان عن المراهنة والمقامرة لما فيها من فساد للبلاد والعباد.



