أخر الأخبار

«المــلاك» مصـريــاً 

السيد الحراني
السيد الحراني

على خلفية تحقيق صحفي نشر في صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية في عدد تسع صفحات كاملة ويستند إلى آلاف الوثائق السرية التي لم تكشف من قبل وإلى حوارات نادرة مع ضباط مخابرات ومسؤولين إسـ.ـرائيليين شاركوا في العملية وقد امتدت فترة الإعداد نحو أربع سنوات شملت الاستماع إلى تسجيلات صوتية والإطلاع على تحقيقات رسمية أجريت تؤكد أن أشرف مروان ضلل الجانب الإسرائيلي لصالح مصر وجعل من جهاز الموساد أضحوكة وتحرص إسرائيل الرسمية على تضلل الشارع الإسرائيلى بإظهاره فى صورة الخائن لوطنه لترسيخ رسالة في وجدان الجيل الجديد أن جهاز الموساد لم يتعرض لأى خداع أو هزيمة على مر تاريخه.

فـ«أشرف مروان» الرجل الذي ظل اسمه يرفرف بين الحقيقة والأسطورة هو إحدى تلك الشخصيات التي ولدت لتثير الجدل وتبقى حاضرة في ذاكرة التاريخ مهما مر الزمن. 

صهر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وواحد من أبناء جيله الذين تفتحوا في أجواء السياسة وصخبها لكنه لم يكن مجرد قريب لرئيس مصر بل تحول إلى لغز محير في أروقة أجهزة المخابرات وإلى ورقة شديدة الأهمية في واحدة من أعقد المواجهات الاستخباراتية بين القاهرة وتل أبيب.

لأعوام طويلة كانت إسرائيل تتباهى بأنها امتلكت عبر مروان «الملاك» عميلها الأبرز ونسجت حوله روايات حاولت من خلالها إقناع نفسها والعالم بأن رجلاً بمثل مكانته وقرابته من قمة السلطة في مصر لم يكن سوى جاسوس يعمل لحسابها بل إن جهاز الموساد لم يكتفِ بترديد هذه الرواية بل مول إنتاج فيلم سينمائي بعنوان «الملاك» ليحفر الفكرة في وجدان الرأي العام. 

لكن كما يحدث أحياناً في مفارقات التاريخ انقلب السحر على الساحر إذ خرج الفيلم نفسه ليعزز في أذهان كثيرين أن مروان كان جزءاً من خطة مصرية أكبر وأنه لم يخدم إسرائيل بقدر ما ساهم في تضليلها وتهيئة المسرح لانتصار السادس من أكتوبر 1973.

الدولة المصرية كعادتها في التعامل مع الملفات الاستخباراتية آثرت الصمت طويلاً ولم تصدر بيانات تشرح ولم تدخل في سجال إعلامي لأن أسرار الحرب ليست مادة للتصريحات العلنية لكن الصمت أحياناً يكون أبلغ من الكلام خاصة حين يضاف إليه تصريح نادر للرئيس الراحل حسني مبارك الذي وصف مروان بأنه رجل وطني قدم لمصر خدمات عظيمة «وهو إقرار لم يأت اعتباطاً من رجل خبر تفاصيل الدولة وخفاياها» بالإضافة إلى أنه تقدم جنازته العسكرية المهيبة في القاهرة ونجله جمال وكل قيادات الدولة المصرية آنذاك إقرارا بوطنيته، رغم أنني أثناء الإعداد لكتابي عن الدكتور مصطفى الفقي الدبلوماسي وسكرتير مبارك للمعلومات والمتابعة الأسبق الذي حمل اسم «ذكريات د. مصطفى الفقي ـ في الدبلوماسية والسياسية والثقافة ـ صادر عن دار سما للنشر والتوزيع ـ يناير 2024» ذكر أنه شاهد بنفسه أحد القيادات العسكرية في مطار القاهرة ينزع علم مصر مع على نعش قادم من لندن ضم جسد اشرف مروان دلالة على ما يمكن أن يمثله الرجل بالنسبة للبعض في الداخل المصري.

كان أنور السادات منذ اللحظة الأولى لتوليه الحكم يدرك أن مواجهة إسرائيل تحتاج إلى أكثر من شجاعة الجنود وصلابة السلاح وكان يعرف أن عنصر المفاجأة هو مفتاح النصر وأن الطريق إلى المفاجأة يمر عبر تضليل أجهزة العدو وفي هذا السياق كان أشرف مروان ورقة نادرة يمتلك من الصفات ما يجعله مثالياً لهذه المهمة فالقرب من مراكز القرار والقدرة على الحركة في العواصم الأوروبية والقدرة على أن يبدو في أعين الإسرائيليين كنزاً لا يقدر بثمن.

وهكذا تحول إلى أداة بارعة في لعبة التغذية المزدوجة فنقل معلومات صحيحة لبناء الثقة وأخرى مضللة لإرباك الحسابات لتتشكل صورة زائفة في ذهن القيادة الإسرائيلية صورة جعلتها في السادس من أكتوبر في مواجهة الحقيقة عارية.

لقد مر مروان أكثر من مرة على أبواب إسرائيل بمعلومات عن نية مصر شن حرب وفي كل مرة كانت إسرائيل تستنفر قواتها وتستدعي الاحتياط وتتكبد ملايين الدولارات ثم تكتشف أن شيئاً لم يقع وهكذا ترسخ في عقل قادتها أن تحذيرات الرجل ليست سوى إنذارات كاذبة تمامًا مثل قصة الراعي والغنم والذئب وعندما جاء اليوم الموعود وأبلغهم بالموعد الحقيقي تعاملوا معه باللا مبالاة نفسها ففوجئوا بالدبابات المصرية تعبر القناة وجنودها يرفعون العلم فوق خط بارليف وكان الخداع قد اكتمل والمعلومة قد تحولت إلى سلاح أشد أثراً من أي مدفع أو صاروخ.

إسرائيل وجدت نفسها في مأزق نفسي قبل أن يكون عسكرياً فكيف يمكنها أن تعترف بأنها خدعت على هذا النحو؟ وكيف يمكنها أن تبرر لمجتمعها أن موسادها الذي طالما تغنت بسطوته لم يكن سوى ضحية في لعبة أكبر؟ لذلك تمسكت برواية أن مروان كان عميلاً وفياً لها لكنها هي التي قصرت في استثمار كنزه ومع مرور الزمن ومع تراكم الدراسات والشهادات من جنرالات وضباط متقاعدين بدأت الحقيقة تتسلل من بين الشقوق فالرجل لم يكن سوى رأس حربة في خطة الخداع المصرية وأحد أبرز العقول التي ساهمت في منح مصر لحظة المجد في أكتوبر.

رحيل مروان في لندن عام 2007 كان بحد ذاته امتداداً للغموض حين سقط من شرفة منزله في ظروف لم تحسم بين من يقول إنه اغتيال ومن يراه انتحاراً لكن ما لا جدال فيه أن موته جاء على صورة حياته محاطاً بالأسرار ومثيراً للأسئلة وعصياً على التفسير القاطع وكأن القدر أراد أن يتركه في أعين الناس لغزاً لا يفك ورمزاً لصراع ظل محتدماً بين القاهرة وتل أبيب حتى بعد وفاته.

في الذاكرة المصرية يبقى مروان واحداً من تلك الشخصيات التي جسدت معنى أن تكون المعلومة أداة للنصر وأن الحرب ليست مجرد معركة في الميدان بل هي صراع عقول قبل أن تكون صراع دبابات وطائرات. 

لقد أرادت إسرائيل أن تخلد صورته كعميلها الأبرز فإذا به يتحول إلى شاهد على عبقرية مصر في إدارة واحدة من أعظم خطط الخداع الاستراتيجي في القرن العشرين وإلى وجه من وجوه النصر الذي أعاد للأمة العربية كرامتها في السادس من أكتوبر.

 

طقس القاهرة اليوم
?? --°م
جاري التحميل...

أسعار العملات مقابل الجنيه المصري

العملة سعر الصرف
🇺🇸 الدولار الأمريكي (USD) جاري التحميل...
🇪🇺 اليورو الأوروبي (EUR) جاري التحميل...
🇸🇦 الريال السعودي (SAR) جاري التحميل...
🇦🇪 الدرهم الإماراتي (AED) جاري التحميل...
🇰🇼 الدينار الكويتي (KWD) جاري التحميل...
* الأسعار يتم تحديثها تلقائياً عالمياً وموجهة إرشادياً

أسعار الذهب والفضة في مصر اليوم

البيان (جرام) السعر التقريبي
✨ ذهب عيار 24 جاري الحميل...
👑 ذهب عيار 21 (الأكثر طلباً) جاري التحميل...
🔸 ذهب عيار 18 جاري التحميل...
🥈 فضة عيار 925 (خام) جاري التحميل...
* الأسعار عالمية وتُحسب بناءً على الصرف الفوري بدون مصنعية

ترشيحاتنا