منذ أيام قليلة وقّعت وزارة الأوقاف ونقابة المهن التمثيلية بروتوكول تعاون مشترك، يهدف إلى دعم إنتاج دراما هادفة تتماشى مع تعاليم الشريعة الإسلامية وتعكس القيم المجتمعية الأصيلة، ويأتي هذا التعاون في إطار سعي الجانبين لتقديم محتوى فني راقٍ يسهم في بناء الوعي المجتمعي ومحاربة الصور النمطية السلبية، وهى تعتبر خطوة هامة تهدف إلى تعزيز القيم الأخلاقية وتصحيح المفاهيم المغلوطة في الأعمال الفنية
في التحقيق التالى نناقش أهداف البروتوكول ونظرة علماء الدين والنقاد وكيف يمكن أن يكون له تأثير على الذوق الفنى...
يرى الدكتور سيف رجب قزامل، عضو المنظمة العالمية لخريجي الأزهر، أن توقيع بروتوكول التعاون بين وزارة الأوقاف ونقابة المهن التمثيلية، أمر جيد مؤكدًا أن الدراما تُعد وسيلة مؤثرة في توصيل المعلومة وتشكيل الوعي الثقافي والديني والاجتماعي لدى الجمهور، مشددًا على ضرورة توظيفها لخدمة القيم الأصيلة وعدم تعارضها مع مبادئ الشريعة الإسلامية، مشيرا إلى أن هذا التعاون يمكن أن يكون مثمرًا إذا أحسن استثماره في تصحيح المفاهيم المغلوطة المنتشرة في بعض الأعمال الفنية، والتي تسيء أحيانًا إلى بعض الرموز الدينية أو الوظائف المرتبطة بها، كإظهار شخصية "المأذون" بشكل ساخر وغير لائق، رغم أن الزواج في الإسلام يُعد ميثاقًا غليظًا، ومن ثم فإن احترام المأذون كرمز لهذا العقد أمر واجب.
ويشير د. قزامل إلى أن هناك كثيرًا من مظاهر التدين والمتدينين تُجسد في الدراما بشكل غير دقيق، حيث يُصوَّر المتدين في بعض الأحيان على أنه شخص غارق في الخرافات أو يؤمن بالسحر، أو يلهث وراء تعدد الزوجات، وهي صور مشوهة لا تعكس حقيقة المتدين الملتزم، وتؤثر سلبًا على نظرة المجتمع له، مؤكدا أن الدراما الهادفة التي تتناول القيم المجتمعية والتسامح والاحترام تُعد من أنفع الوسائل لبناء الإنسان وتكوين وعي مجتمعي رشيد، مشددًا على أهمية تحري الدقة في تقديم الأعمال ذات الطابع الديني أو التاريخي، وعدم التضحية بالحقيقة من أجل الحبكة الدرامية، لما في ذلك من إساءة كبيرة وتشويه للوعي العام.
ويستشهد د. قزامل ببعض النماذج الفنية الإيجابية التي تركت أثرًا طيبًا في نفوس المشاهدين، مثل مسلسل "إمام الدعاة" الذي جسّد حياة الشيخ محمد متولي الشعراوي، رحمه الله، وحقق نجاحًا واسعًا، وكذلك الأعمال التي قدمها الفنان يحيى الفخراني مثل "قصص الإنسان في القرآن" و"قصص النساء والحيوان"، والتي لاقت استحسانًا كبيرًا، ويقول مختتما: "نأمل أن يتكاتف الجميع، من مؤسسات دينية وفنية، لإنتاج أعمال تعزز من القيم الإيجابية وتدعم ثقافة التعايش والاحترام، فالفن إذا أحسن استخدامه، كان أداة قوية لبناء الوعي، وإذا أُسيء استخدامه، تحول إلى وسيلة هدم خطيرة".
الرموز الدينية
يؤكد الدكتور أشرف زكي أن البروتوكول الموقع بين وزارة الأوقاف ونقابة المهن التمثيلية يأتي ضمن سلسلة من البروتوكولات التي وقعتها النقابة مع عدد من الوزارات والهيئات، وذلك بهدف تعزيز التكامل بين المؤسسات الوطنية، وخدمة قضايا المجتمع من خلال الفنون والثقافة، وفي هذا السياق، نُولي اهتمامًا خاصًا للتعاون مع وزارة الأوقاف، التي تُعد أحد الأعمدة الأساسية في تشكيل الوعي العام وصون القيم الدينية والوطنية، فالوزارة تضطلع بدور كبير في ترسيخ مبادئ الوسطية والاعتدال، وفي مواجهة الفكر المتطرف الذي يروج له بعض دعاة التشدد، مما يجعل من هذا التعاون خطوة استراتيجية في سبيل بناء مجتمع أكثر وعيًا وتماسكًا.
وتطرق د. ذكى إلى لقائه مع الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، ويقول: "ناقشنا بشكل موسّع سبل تفعيل هذا التعاون، لا سيما في مجال استعادة حضور الدراما الدينية والتاريخية على الشاشات، بعد غياب طال أمده، وقد اتفقنا على أهمية عودة هذه الأعمال لما لها من قدرة على التأثير الإيجابي في وجدان الجمهور، وتعزيز القيم الروحية والوطنية" موضحا أن الفن، بكل أشكاله، قادر على إحداث تغيير حقيقي في وعي الشعوب، والمساهمة في معالجة العديد من الظواهر السلبية التي تؤرق المجتمع. ويقول: "في هذه الأيام نستعد لتحضير مسلسل يتناول السيرة العطرة للسيدة نفيسة بعد أن انتهى الكاتب الكبير محمد السيد عيد من كتابة السيناريو الخاص به والسيدة نفسية هى أحد الرموز الدينية البارزة في تاريخنا الإسلامي".
ويرى نقيب المهن التمثيلية أن التعاون بين الفن والمؤسسات الدينية والثقافية هو السبيل الأمثل لبناء مجتمع واع، يحترم تراثه وينفتح على مستقبله بثقة وعقلانية، مشيرا إلى أن العمل بجميع المسارات الرقابية المعتادة، سواء من قبل جهاز الرقابة على المصنفات الفنية أو من خلال مشيخة الأزهر الشريف، وذلك لضمان خروجه بصورة دقيقة تحترم الجوانب الدينية والتاريخية.
حرية الإبداع
أما الناقد الفني محمد عبدالخالق فيدعوا إلى قراءة هادئة وموضوعية لهذا البروتوكول، ذلك لأن هذا الاتفاق أثار بعض القلق بين عدد من المبدعين، الذين يخشون أن يؤدي هذا التعاون إلى فرض مزيد من القيود التي قد تعيق حرية الإبداع، أو تُحجِّم من مساحة التعبير الفني، مشيرًا إلى أن هناك مسارين يمكن أن يسلكهما هذا التعاون. أولهما، أن يركز على ضبط المشهد الفني والدرامي بما يتوافق مع القيم الأخلاقية والعادات المجتمعية في مصر، وهو دور كانت تقوم به الرقابة على المصنفات الفنية سابقًا، لكن في هذه الحالة، لا يُنظر إليه باعتباره قيدًا على المبدع، بل باعتباره نوعًا من التوجيه الذي يُحمّله مسؤولية فنية وأخلاقية تجاه المجتمع. فحتى مع تناول قضايا حساسة، يمكن للفنان أن يُعبر عنها بأسلوب يحترم ثقافة المجتمع دون أن يُفرّغ العمل من مضمونه الفني أو رسالته الإنسانية.
ويرى عبدالخالق أن المسار الثاني، هو أكثر إيجابية ويتمثل في التعاون لتقديم أعمال درامية دينية تسلط الضوء على التاريخ الإسلامي، والسيرة النبوية، والصحابة، وهي موضوعات طالما تناولها الفن العربي والمصري باهتمام، لكنها في السنوات الأخيرة باتت نادرة، وهنا يأتي دور وزارة الأوقاف في توفير الدعم المعرفي والتوثيقي، لضمان دقة المحتوى الديني والتاريخي، لا سيما في ظل غياب كتّاب متخصصين من طراز عبد الحميد جودة السحار وأمينة الصاوي.
ويخلص عبد الخالق إلى أن هذا التعاون، إذا أُحسن توظيفه، يمكن أن يسهم في إثراء الدراما الدينية وتعزيز القيم الاجتماعية، دون أن يُقيّد حرية الإبداع أو يُشوّه الفن، بل يفتح آفاقًا جديدة لتقديم أعمال ذات قيمة فكرية وروحية وجمالية عالية.



