لآلي .. الجزء الثامن عشر

د أسامة الأزهري
د أسامة الأزهري

إلى السيدات والسادة قراء اللواء الإسلامي، إلى شعب مصر العظيم، إلى أمتنا العربية والإسلامية، مرحبًا بكم في رحلة جديدة من رحلاتنا المباركة مع كتاب الله، نُبحر فيها بين آياته، ونرتشف من أنواره، وننهل من كنوزه وأسراره، وما أودعه الله تعالى فيه من هداية وحِكم، وموعظة وشفاء. ها نحن اليوم نقف على أعتاب الجزء الثامن عشر من القرآن الكريم، نتفيّأ في ظلاله، ونقطف من جنانه اللآلئ والدرر، نستخرج القيم والمبادئ، ونستنير بما فيه من البصائر والعِبَر.

وإليكم الوقفة الأولى عند آية الماء وتدبير الله الحكيم، قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءًۢ بِقَدَرٍۢ فَأَسْكَنَّـٰهُ فِى ٱلْأَرْضِ ۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍۢ بِهِۦ لَقَـٰدِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨].

تأملوا هذه النعمة الجليلة! ماءٌ ينزل بقدرٍ من السماء، يسكن الأرض في سكينة، فتنشأ به الحياة، وتُعمر به الدنيا. هو تدبير إلهي مُعجز في تفاصيله؛ من تكوين الغلاف الجوي، إلى مسارات الرياح، وتكاثف السحب، فهطول المطر، وسريان الأنهار، ونمو الزروع والثمار، تلكم الدورة العجيبة المتعاقبة، بكل ما فيها من جلال وجمال، وحياة وإحياء.

ثم يقول تعالى في الآية التالية مباشرة: ﴿فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِۦ جَنَّـٰتٍۢ مِّن نَّخِيلٍۢ وَأَعْنَـٰبٍۢ ۖ لَّكُمْ فِيهَا فَوَـٰكِهُۥ كَثِيرَةٌۭ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٩].

يا له من فيض إلهي كريم: جنات، نخيل، أعناب، فواكه كثيرة... رزق حلال، ومشاهد جمالية تُنعش القلب وتُوقظ الإيمان؛ فهي نعم كثيرة مردّها إلى نعمة الماء الجليلة، ومردّ ذلك كله إلى رحمة الله.

أما الوقفة الثانية في هذا الجزء من القرآن الكريم فهي عند شجرة سيناء والأرض المباركة، قال الله تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ وَصِبْغٍۢ لِّلْأٓكِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٠]. توقّفوا هنا قليلاً للتدبر والتفكر والتأمل... لماذا خصّ الله ذكر "طور سيناء"؟ إنها إشارة إلى شرف تلك الأرض البقعة المباركة من الأرض، سيناء، التي باركها الله، وجعل فيها شجرةً مباركة، تنبت بالزيت والدُّهن، غذاءً وشفاءً وصبغًا للآكلين.

مصر، هذه الأرض الطيبة، لم تُذكر في القرآن خمس مرات فقط، بل أشير إليها في عشرات المواضع، وجرت على أرضها أحداث جليلة، في سورٍ عظيمة كالأعراف، وطه، والقصص، والشعراء، والنمل.

ولأهل سيناء أن يعتزّوا بهذا الفضل الرباني، فالأرض مباركة، والزراعة فيها مباركة، والذكر الإلهي لها فخر خالد.

ثم إلى الوقفة الثالثة في هذا الجزء، متمثلة في التضرع في الأزمات؛ إذ قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَـٰهُم بِٱلْعَذَابِ فَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦]

ها هو القرآن يرسم لنا مشهدًا لأقوام ابتُليت وذاقت الشدة، ولكنها لم تلِن لله، ولم تتضرّع، ولم تستكن. وفي زمننا هذا، نرى الأزمات تعصف بالعالم: من فلسطين الجريحة، إلى آثار الجائحة، إلى الحروب والصراعات... فما المخرج؟

هو في أمرين متلازمين:

  1. التوجيه: وعيٌ وفهم، وعلمٌ وتخطيط، وإدارة للأزمات بالحكمة والبصيرة.
  2. التوجه: قلبٌ خاشع، ولسانٌ ضارع، وتوبة صادقة، ودعاء لا ينقطع.

ثم إلى الوقفة الرابعة المتمثلة في حرمة البيوت وأدب الاستئذان، إذ قال الله تعالى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَدْخُلُوا۟ بُيُوتًۭا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا۟ وَتُسَلِّمُوا۟ عَلَىٰٓ أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧]. ذلك بأن البيوت لها حرمة، وقد جاء التعبير القرآني فريدًا: "تستأنسوا"، لا مجرد "تستأذنوا"، أي أن يُشعر الداخلُ أهلَ البيت بالأُنس - لا بالقلق أو الثقل.

ونجد في الهدي النبوي الشريف: لا يُطرق الباب أكثر من ثلاث مرات. لا يُقال "أنا" عند السؤال "من الطارق؟"، بل يُعرّف الإنسان بنفسه. وإذا قيل له "ارجع"، فليرجع دون غضب أو استياء، امتثالًا لأمر الله.

وأما الوقفة الخامسة في هذا الجزء القرآني فهي عند البيان القرآني العظيم أن الله سبحانه وتعالى هو نور السماوات والأرض، قال الله تعالى: ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ﴾ [النور: ٣٥]. هذه الآية هي جوهرة سورة النور، ومحورها، وركيزتها. والنور في الإسلام ليس مجرد ضوء مادي، بل هو علم، هداية، إيمان، طُهر، حضارة، الله نور والنبي ﷺ نور والقرآن نور، فلماذا لا نكون نحن نورًا؟

كما قال أمير الشعراء أحمد شوقي:

بِأَيمانِهِمْ نورانِ ذِكرٌ وَسُنَّةٌ - فَما بالُهُمْ فى حالِكِ الظُلُماتِ

فلنكن نورًا يُضيء الطريق، في بيوتنا، ومدارسنا، ومساجدنا، ومجتمعاتنا.

وختامًا نسأل الله تعالى أن يجعل لنا من كتابه نورًا، ومن هدي نبيّه ﷺ طريقًا، وأن يُنير قلوبنا، ويُصلح أحوالنا، ويجعلنا منارات هداية في زمن كثرت فيه الظلمات.

وإلى لقاء يتجدد. أترككم في أمان الله.

 

 

ترشيحاتنا