ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي على سرعة انتشار الفضائح في المجتمع أيا كان نوعها، مما ساعد أيضا على كشف الجرائم الخفية التي نجدها تظهر فجأة وتطفو على سطح المجتمع حتى تتدخل جهات العدالة للتحقيق فيها لمعرفة صحتها من زيفها.. ولكن قبل صدور الحكم فيها ومعرفة صحتها من عدمه ليس من حق أحد الجزم بها مطلقا.. بل تعتبر إشاعات تتصدر الترند لجلب المشاهدات ومنها: شائعة تورط فنانات وشخصيات بارزة أولهم الفنانة وفاء عامر بالتورط في تجارة الأعضاء البشرية ومحاولة الهروب من مطار القاهرة.. وهذه الاتهامات والفضائح أثارت جدلا واسعا واعتبرها البعض اشاعة للفاحشة في المجتمع واثارة للشكوك.. وفي هذا التحقيق نستعرض رأي علماء الاجتماع وعلم النفس والدين حول هذه القضايا والفضائح.
يقول د. أحمد الشافعي أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة حلوان أن وسائل التواصل الاجتماعي؛ حسنها حسن، وسيئها سيئ. فكل وسيلة تواصل تحمل في طياتها إما اخبارا ملفقة تثير مخاطرأو تفيد الناس بأخبار نافعة. ووسائل الاعلام التقليدية كالاذاعة والتلفاز والصحف يقوم على شؤونها متخصصون، وهناك وسائل تواصل لا تتحرى الدقة في نقل المعلومات والأخبار، فتنقل أخبارا زائفة ومن ثم ينتشر بين الناس عدم اليقين، وهو خطر على سلامة المجتمع وتماسك بنيانه، فالتشهير ونشر الفضائح والتعرض لأعراض الناس لا يثير القلق فقط بل يثير روح الانتقام والخوف على سمعة الفرد وأسرته فيجعله مشتت الذهن ولايستطيع التفكير الصحيح والقيام بدوره في المجتمع وقد يقود في نهاية المطاف إلى الاضطرابات النفسية بل والانتحار، ومن هما يظهر الجانب المظلم لوسائل التواصل الاجتماعي
نشر الاكاذيب
ويوضح د سمير سعد خطاب رئيس قسم البحوث النفسية والاجتماعية جامعة قناة السويس أن مصر أصبحت هي الترند اليومي السلبي لمنصات السوشيال ميديا العربية، وبعض المنصات تركز علي السلبيات فقط، مما يسهم في تقديم صورة خاطئة عن المجتمع المصري داخلياً وخارجياً، ومنصات مثل تيك توك ويوتيوب تساعد في إطلاق هذه الترندات، ليأتي دور الإعلام التقليدي في تسليط الضوء عليها ومناقشتها، مما يزيد من انتشارها حتى لو كانت مخالفة للعرف والاخلاقيات كلما كان المضمون سطحيا أو منتهكا للخصوصية كلما كان أكثر انتشار وأكثر وصولا إلى «التريند» وهذا يؤدي الى زعزعة الحالة النفسية للمواطنين، ويمكن مواجهة هذا الخطر بالتوعية المدرسية والمجتمعية لتعزيز مناعة الأفراد والمجتمع ضد الأكاذيب والشائعات، التي تعتمد على استغلال الخوف الجماعي، حيث تُدير محتوى يستهدف تقسيم المجتمع إلى مجموعات متناحرة.
ويرى د. خطاب الشائعات المتكررة تؤدى إلى تعزيز القبول النفسى لها، حتى دون وجود أدلة، مما يؤثر سلبًا على صحة الأفراد النفسية، او تصدر شائعات تتعلق بالأمن القومى المصري، والقوات المسلحة، والأمور السيادية، وتنشر الأكاذيب على نطاق واسع، من خلال معلومات مفبركة ومضللة، خطورتها تكمن فى تأثيرها على نمط العلاقات الاجتماعية بين الناس والشعور بالسخط، وزعزعة الاستقرار وتشويه الإنجازات وبث الروح الإنهزامية، كما انهم يبحثون عن شهرة زائفة بفضيحة أخلاقية أو مهنية اوكونهم من المرضي النفسيين والمضطربين المدفوعين من خلال جماعات يمارسون سلوكيات ويستخدمون الفاظا تخدش الحياء العام كل ذلك بهدف الشهرة والفلوس فنجد علي التيك توك والفيس بوك صور مقززة للتدني الأخلاقي في الحوار واللبس والعهر .
ويشير د. خطاب إلى أنه يجب أن يكون للدولة دور في مواجهة هذا الفجور والقبح لماذا لا نحظر التيك توك ونغلق ما يهدد الامن والسلام المجتمعي.. فأين المراقبة على المحتوى؟، كما يجب تقوية المناعة النفسية للأفراد، من خلال حملات التوعية وبرامج الدعم النفسي، كما يتطلب استراتيجية متكاملة تجمع بين الوعى الفردى والدعم المجتمعى ونشر برامج توعية تُركز على أهمية تحليل المعلومات تصديقها أو مشاركتها، وتعليم مهارات التمييز بين الأخبار الحقيقيقية والمزيفة
أسرار الزوجية
ويقول د. منصور مندور كبير ائمة الاوقاف سابقا: أن كثيرٌ من النّاسِ لا يدركونَ خطورةَ ما يفعلونه على منصات التواصل الاجتماعي من الناحية الشرعية والأخلاقية والنفسية حيث يُخرجون تفاصيل بيوتهم إلى العلن؛ وينشرونها في المجالس، أو يفشونها للغرباء، خاصة إذا كان الأمر متعلقا بالأسرة؛ التى هي اساس المجتمع، والبيت له خصوصياته التى يجب سترها، فالأصل في الشريعة أن كل ما كان في دائرة الخصوصية، وكان ستره مطلوبًا شرعًا أو عرفًا، فإن كشفه بغير إذن أو مصلحة راجحة يُعد حراماً شرعًا، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ"، وتشمل الأمانة هنا ما يُؤتمن عليه المرء من أسرار بيته، وعن عبد الله بن عمر "رضي الله عنه" أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَن سَتَرَ مُسلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيامَةِ"، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "إِذِا حَدَّثَ الرَّجُلُ الحَدِيثَ ثُمَّ التَفَتَ فَهِي أَمَانةٌ" أن الالتفات علامة على خصوصية الحديث، فكل ما قيل في جلسة خاصة أمانة تسأل عنها يوم القيامة.
ويؤكد د. مندور أن من أقدس الأسرار التي لا يجوز إفشاؤها لأحدٍ أو على أي وسيلة إعلامية أسرار العلاقة الحميمية بين الزوجين، فمن نشرها أو أذاعها فقد ارتكب إثما عظيما ويعد ناشرُها من أسوأ الناس منزلة يوم الدين؛ فعن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ مِن أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَومَ القِيَامَةِ، الرَّجُلَ يُفْضِي إلى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا"، وينطبق هذا الحديث على الزوجة التي تتحدث عن علاقتها بزوجها حتى وإن كان وصفا أو تلميحا، أو كلاما عابرا يفتح باب الظنون، ويقول الله تعالى أيضًا في كتابه: "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ"، والمعاشرة بالمعروف تشمل حفظ أسرار الحياة الزوجية، وهو من أعظم أوجه المعروف، ولا يجوز إفشاء المشكلات والخلافات الزوجية بين الناس، ووجوب حلها بين الزوجين او حكما من اهلهما، والله عز وجل قال: "وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا"
ويشير د. مندور إلى أن الأصل في الأسرار الكتمان، إلا أن الشريعة الإسلامية جاءت بالميزان العادل، فأباحت في حالات استثنائية إفشاء بعض الأسرار إن ترتب على كتمانها ضرر محقق، وذلك بشروط وضوابط كأن يكون الظلم واقعا على أحد الطرفين أو احتاج الزوجان إلى الحديث مع شيخ ثقة أو طبيب مختص أو قاض يفصل بينهما، أما المرأة التي تخرج على وسائل التواصل تبغي نشر أسرار بيتها فهي فاقدة للحياء والحياء قرين الإيمان؛ حتى وإن كانت تبغي التربح والكسب المادي إلا أنها خسرت إيمانها وعلاقتها بربها؛ فالبيوت تُبنى بالثقة، وتُهدَم بالكلمة، ولو كانت سرًا صغيرًا، فليكن كل فرد في البيت مؤتمنًا، واعيًا، عاقلًا، لا يفشي سرًا ولا يُذيع عيبًا، وإن من أعظم علامات النضج والرقي أن تحافظ على ستر غيرك كما تحب أن يُستر عليك.
إشاعة الفاحشة
ويوضح د.محمد اللبان عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بدمياط الجديدة أن إشاعة الفاحشة في المجتمع جريمة حَذَّر منها الحق سبحانه وتعالى في قوله: "إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ" والآية عامة في الذين يَلتمسون العورات، ويهتكون الستور، ويشيعون الفواحش؛ قال الإمام الفخر الرازي: "لا شك أن ظاهر قوله: ﴿إِنَّ الذين يُحِبُّونَ﴾ يفيد العموم، وأنه يتناول كل من كان بهذه الصفة، ولا شك أنَّ هذه الآية نزلت في قذف عائشة رضي الله عنها؛ إلَّا أنَّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ فوجب إجراؤها على ظاهرها في العموم، ومما يدلّ على أنَّه لا يجوز تخصيصها بقذفة عائشة رضي الله عنها؛ قوله تعالى: ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ فإنه صيغة جمع ولو أراد عائشة رضي الله عنها وحدها لم يجز ذلك"
ويضيف د. اللبان: جعل الإسلام إشاعة الفاحشة وفعلها في الوِزْر سواء؛ لعظم الضرر المترتب في الحالتين؛ فقد أخرج الإمام البخاري في "الأدب المفرد"، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "القائل الفاحشة والذي يشيع بها في الإثم سواء"، وقال عطاء رضي الله عنه: "من أشاع الفاحشة فعليه النكال، وإن كان صادقًا"، كما رَتَّب النبي صلى الله عليه وآله وسلم على جريمة إشاعة الفاحشة عقوبة عظيمة؛ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "وأيُّما رَجُلٍ أشاعَ على رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِكَلِمَةٍ وهُوَ مِنْها بَرِيءٌ يَشِينُهُ بِها فِي الدُّنْيا كانَ حَقًّا على الله تَعَالَى أنْ يُدْنيَهُ يَوْمَ القيامَةِ فِي النَّارِ حَتَّى يأْتِيَ بِإِنْفاذِ مَا قالَ".



