الإجهاض.. جريمة ورحمة

الإجهاض.. جريمة و رحمة
الإجهاض.. جريمة و رحمة

ما بين صوت جهاز الموجات فوق الصوتية الذي يعلن عن بداية حياة جديدة، وصوت امرأة تبحث عن فتوى دينية تسمح بالإجهاض، تقف الآف النساء حائرات على حافة قرار هو الأصعب في حياتهن، قرار قد يبرره أن الحَمل يشكل تهديدا لحياتهن، أو تفرضه مأساة إنسانية، أو جريمة اغتصاب، في لحظة واحدة، قد يتحول نبض الحياة في رحم امرأة إلى سؤال وجودى: هل أترك الجنين ليواصل طريقه؟ أم أوقف نبضه قبل أن يرى النور؟ بهذا السؤال تبدأ حكايات لا تشبه بعضها، لكنها تلتقي عند نقطة واحدة: «الإجهاض».. فى هذا التحقيق، نقترب من منطقة شائكة، لا يسهل الحديث عنها، حول مشروعية الإجهاض بين الطب والدين والقانون، هل هو حق أم جريمة؟ هل يحرمه الدين تحريما مطلقا؟ أم قد يكون رحمة أحيانا؟ وهل للقانون كلمة عادلة في هذا الصراع المعقد؟

هبة، 32 عاما، تعاني من مرض خطير في صمامات القلب، في الشهر الثاني من الحمل، أكد الأطباء أن استمرار الحمل خطر جسيم على حياتها، وتقول: «ترددت كثيرا، بكيت، وشعرت أنني أرتكب جريمة. لكنني سألت نفسي: هل الإسلام يحرم إنقاذ حياتي؟» مما يفتح باب السؤال حول الإجهاض العلاجي، الذي يفرق فيه الطب بين إنقاذ حياة الأم أو الاستمرار في حمل قد يؤدي إلى وفاتها
نجلاء، 28 عاما، حامل في جنين بتشوه دماغي قاتل «انينسيفالي» في الأسبوع 16 من الحمل، أخبر الأطباء نجلاء أن جنينها لن يعيش بعد الولادة، تقول باكية:« كيف أحتضن مولودا أعرف أنه سيموت بين يدي؟ التشخيص الطبي كان قاطعا، لكن قرار الإجهاض ليس سهلا».
لم تتخيل سارة يوما أن يتحول جسدها إلى مسرح لجريمة مزدوجة: اغتصاب، ثم حمل. بعد أربعة أسابيع فقط من الواقعة، بدأت تظهر أعراض الحمل، لتنهار نفسيا تماما، تقول بصوت خافت: «كنت أرى في بطني رمزا للجريمة، لا طفلا. لم أستطع الأكل أو النوم. فكرت في الانتحار أكثر من مرة». في بعض الدول، يعترف بحالة سارة كحالة طارئة تستوجب تدخلا عاجلا لحماية الطفلة، جسديا ونفسيا. لكن في مجتمعات أخرى، تترك الضحية لتواجه المصير وحدها، وتحمل العار إلى الأبد.
القرار صعب
تقول د. نوال سعيد، استشاري أمراض النساء، «إن الطب يفرق بين نوعين من الإجهاض، علاجي: في حال تهديد حياة الأم أو وجود تشوهات قاتلة، أو اختياري: لأسباب اجتماعية أو نفسية، وهو الأكثر إثارة للجدل، وتضيف: القرار لا يتخذ بسهولة، وغالبا ما يشترك فيه أكثر من طبيب، وتعرض الحالات على لجان خاصة».
أما من الناحية القانونية، فيقول الأستاذ محمود منصور المحامي بالنقض: «تختلف قوانين الإجهاض بين الدول الإسلامية، في مصر مثلا يسمح به عندما يكون الحمل خطرا على حياة الأم وهنا يكون الإجهاض لإنقاذ حياة الأم، كما يجيز الإجهاض في حالة تشوهات جنينية قاتلة بعد تقييم لجنة طبية. بعض الدول تدرس السماح به في حالات الاغتصاب مثل: تونس والمغرب، أما في بعض الدول الأخرى مثل: لبنان أو العراق، تفرض قيودا صارمة ولا تعترف حتى بالإجهاض العلاجي في بعض الحالات».
ويؤكد د. سعيد عوض استشاري الطب النفسي أإن دراسات علم النفس تشير إلى أن النساء اللاتي خضعن للإجهاض دون سبب حقيقي قد يعانين من الذنب والاكتئاب، لكن في حالات خاصة مثل الاغتصاب أو تشوهات الجنين أو الخطورة على حياة الأم يكون الإجهاض بمثابة راحة نفسية وتفاديا لأذى مستمر.
نفخ الروح
وحول موقف الشريعة الإسلامية، يقول د. مجدي عاشور المستشار العلمي لمفتي الديار المصرية سابقا: «إن الشريعة تفرق بين مراحل الحمل. قبل 120 يوما أي قبل نفخ الروح، يجيز جمهور العلماء الإجهاض في حال الضرورة، مثل الخطر على الأم أو وجود تشوهات قاتلة في الجنين، أو في بعض حالات الاغتصاب، وإن كان من المفضل أن يجمع شمل الشابين حفاظا على حياة الجنين، أما بعد مرور 120 يوما، فيمنع الإجهاض إلا في حالة واحدة: إنقاذ حياة الأم من خطر محقق إذا استمر الحمل.»
ويضيف د. عطية لاشين، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، أن حكم الإجهاض يختلف باختلاف عمر الجنين. إن كان أكثر من 120 يوما، فإن أمر إجهاضه من عدمه محل خلاف بين أهل العلم، والراجح عدم شرعية الإجهاض إلا لضرورة شرعية، ومنها إذا كان بقاؤه خطرا محققا على حياة الأم وأجمع على وجود هذا الخطر أكثر من طبيب. وليس من الضرورات الشرعية المجيزة للإجهاض وجود تشوهات خلقية بالجنين، حيث إن حرمته داخل رحم أمه تعادل حرمته كما لو كان موجودا بيننا في الحياة. أما إذا كان عمره أقل من 120 يوما، فقد يرجح إجهاضه لهذا السبب وهو وجود تشوهات به، هذا والله اعلم.
ويرى د. فتحي الفقي، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، أن الحَمل إذا كان في الطور الأول - وهي مدة الأربعين يوما - وكان في إسقاطه مصلحة شرعية، أو دفع ضرر متوقع، جاز إسقاطه، وكذلك إن تعدى الجنين طوره الأول ودخل في الثاني، ولكن لم ينفخ فيه الروح - أي قبل تمام 120 يوما - فيجوز إسقاطه - على الراجح - إن كان هناك ضرر على المرأة المغتصبة في إكمال حملها. وإما إن نفخت فيه الروح، فلا يجوز إسقاطه بحال، إلا إذا كان بقاؤه خطرا محققا على حياة أمه.
بينما يرفض د. الفقي الإجهاض في حالة إنجاب الأم لكثير من الأبناء حتى قبل نفخ الروح، حيث يقول الله تعالى: ‭}‬ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم‭{‬.
في النهاية نرى أننا في عالم يعاقب الضحية، ويحاكم الأم، ويقدس الجنين حتى لو مات، تصبح المرأة هي من تدفع وحدها ثمن الحياة والموت، فهل نمنحها حق القرار؟ أم نبقيها رهينة لصوت جهاز، وفتوى فقيه، ونظرة مجتمع لا يعرف الرحمة؟

 

ترشيحاتنا