السيدات والسادة الكرام، قرّاء اللواء الإسلامي، وكل أبناء الشعب المصرى العظيم، وأبناء الأمتين العربية والإسلامية، مرحبًا بكم فى رحلة جديدة مع كتاب الله العزيز، حيث نغوص فى أعماق الجزء السابع عشر من القرآن الكريم، نستخرج من كنوزه اللآلئ، ومن أنواره الهداية، ومن بيانه القيم والمبادئ العظيمة التى أودعها الله فيه.
أول موضع نقف عنده، هو قول الله تعالى: (وَجَعَلنَا ٱلسَّمَآءَ سَقفا مَّحفُوظا وَهُم عَن ءَايَٰتِهَا مُعرِضُون) (الأنبياء: ٣٢)، والمتأمل فى كتاب الله -عز وجل- يجد عددًا كبيرًا من آيات القرآن الكريم، تدعوا العقل المسلم أن يلتفت إلى السماء، فمرة يتكلم عن القمر ومنازل القمر، ومرة يتكلم عن الشمس، بل وربط العبادة بالشمس، فيقول سبحانه: (أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ وَقُرءَانَ ٱلفَجر إِنَّ قُرءَانَ ٱلفَجرِ كَانَ مَشهُودا)(الإسراء: 78)، والله سبحانه يلفت النظر إلى ما فى السماء من نجوم فيقول: (وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) (النحل: 16)، ومرة يدعوك أن تردد النظر فى السماء، فيقول: أَفَلَم يَنظُرُوٓاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوقَهُم كَيفَ بَنَينَٰهَا وَزَيَّنَّٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوج) (ق: 6).
فكأن الله سبحانه وتعالى يقول لك: كم أودعت فى السماء من آيات، وكم أودعت من دلائل وبراهين وعجائب ومعجزات، لكنك للأسف تنصرف عن هذا الكون المذهل والدقيق والمحكم والجبار فى تكوينه وفى صنعه، وتنشغل عنه، بضيق نفسك بغضب، أو بمشكلات بينك وبين جيرانك، بينك وبين زملائك فى العمل.
فالله سبحانه يلفت نظر العقل المسلم، إلى أن يتسامى، ويخرج ويسمو، ويطفو فوق هموم الحياة الضيقة والصغيرة، وربنا يوجه الأنظار إلى السماء؛ لتتفكر وتبدع، وتكتشف وتخترع.
والعقل المسلم فى وقت صفائه وصناعته للحضارة، التقط هذه الإشارة القرآنية وبدأ يفكر بهذه الطريقة، فكم وُلد فى تاريخنا من إمام وعالم مبدع فى الفلك! وكم وُلد لدينا من عالم جليل فى العلوم الرياضية! وكم شُيِّدت مراصد الفلك فى بغداد وفى القاهرة، وفى القيروان وفى دمشق! وصُنعت آلة الأسطرلاب، وصنع الزيج الفلكي، وأُطلقت الأسماء على النجوم.
وهذا أحد علماء الفيزياء والفلك والفضاء، وهو جورج نيلسون، يقول: إن العصر الذهبى لحضارة المسلمين، أبدعوا فيه كل أسس الحضارة المعاصرة، فى العلوم الرياضية، وفى الفلك، وفى الطب، وفى الهندسة، ويقول أيضًا: أنا أقضى ليالى كاملة وأنا مُؤرَّق، كم من أسرار للكون! كان يمكن لهذه الحضارة المسلمة أن تكتشفها، لكنها توقفت فجأة، لم تعد تنتج الحضارة، انشغلت بهم الحياة وانشغلت بهم المعيشة.
كما أذكر من كلام العبقرى الكبير الدكتور أحمد زويل، حيث قال: لما تقدمت لتسلم جائزة نوبل، كنت أقول فى كلمتي: أنا اليوم أستحق جائزة نوبل، لكن لو رجع بنا التاريخ عدة قرون من الزمان؛ سنجد خمسمائة أو ستمائة إمام من أئمة المسلمين، كل واحد فيهم يستحق جائزة نوبل؛ لاختراع أو اكتشاف أبدعه وخلَّده.
الوقفة الثانية، مع قول الله تعالى: (وَدَاوُدَ وَسُلَيمَٰنَ إِذ يَحكُمَانِ فِى ٱلحَرثِ إِذ نَفَشَت فِيهِ غَنَمُ ٱلقَومِ وَكُنَّا لِحُكمِهِم شَٰهِدِينَ ٧٨ فَفَهَّمنَٰهَا سُلَيمَٰن)َ(الأنبياء: 78،79).
رب العالمين -جل جلاله- تجلَّى على سيدنا سليمان بالفهم، ونور عقله؛ ليدرك القضية التى رفعت إليه، وإلى أبيه سيدنا داوود، فإياك أن تظن أن الميزة لسيدنا سليمان –عليه السلام- تعنى وجود خلل أو نقص فى مقام أبيه النبى الكريم داوود –عليه السلام- لأن كل واحد منهما أوتى حكما وعلما، لكن الله تعالى قدم فهمًا على فهم.
وقد ألف الأستاذ العقاد كتاب «التفكير فريضة إسلامية»، ونقول: التفكير فريضة إسلامية والفهم فريضة إسلامية، والحضارة فريضة إسلامية، وأنا كتبت أحد عشر مقالاً فى جريدة الأهرام عنوانها: «الحضارة فريضة إسلامية».
الوقفة الثالثة فى هذا الجزء، مع قوله تعالى: (وَمَآ أَرسَلنَٰكَ إِلَّا رَحمَة لِّلعَٰلَمِين)َ (الأنبياء: 107) يعنى للناس جميعاً للمسلمين والمسيحيين، للإنس والجن والملائكة، والجماد والحيوان وغيرهم.
ونقف عند هذه الآية وَمَآ أَرسَلنَٰكَ إِلَّا رَحمَة لِّلعَٰلَمِينَ ونرجع إلى بداية الذكر الحكيم؛ نجد قول الله تعالى: (ٱلحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلعَٰلَمِينَ) (الفاتحة: 2)، فالله سبحانه يقول لك: انتبه؛ فمن أول سورة الفاتحة، وقراءة القرآن العظيم يوجد ارتباطٌ يربطك بالعالمين، هو قانون أخلاقى يربطك بالعالمين، هو هذا القانون: وَمَآ أَرسَلنَٰكَ إِلَّا رَحمَة لِّلعَٰلَمِينَ.
الوقفة الرابعة فى هذا الجزء، مع قول الله تعالى: (أَلَم تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسجُدُ لَهُ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلأَرضِ وَٱلشَّمسُ وَٱلقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ) (الحج: 18).
هذه دعوة إلى التأمل وإطلاق العنان للعقل لينظر، ويحلق فى أفق السماء، ويلتفت إلى الكون الذى خلقه الله تعالى.
الوقفة الخامسة: مع قول الله تعالى: (وَأَذِّن فِى ٱلنَّاسِ بِٱلحَجِّ يَأتُوكَ رِجَالا) (الحج: 27)، فرب العالمين يقول لسيدنا إبراهيم: ارفع القواعد من البيت، وأذن فى الناس بالحج، والناس سيأتون من كل مكان، وسيشهدوا منافع لهم.
وإليك هذا البيان الذى يدل على تعلق الناس بالبيت الحرام، وعلى المنافع التى وعدهم الله بها:
فى القارة الأفريقية، قبل الحج بشهر أو شهرين، تحصل حركة غليان ونشاط دائب وحركة نشيطة، تخرج فيها الأفواج من سائر القبائل والبلاد الإفريقية، يحلم كل واحد فيهم أن يصل إلى أرض الكنانة، ليرافق المحمل المصري، الذى يخرج من الدولة المصرية محملاً بكسوة الكعبة المشرفة، هدية مصر إلى البيت الحرام.
وهنا بدأ ينشأ مسار اسمه مسار أو طريق الحجاج الأفارقة، ومعه شيء آخر، وهو طريق الحجاج المغاربة، ويبدأ من مدينة مراكش فى المغرب الأقصى للمملكة المغربية؛ فيخرج الوافدون من الغرب الأفريقى مع طريق الحجاج المغاربة بمحاذاة الساحل، فيمر على المغرب والجزائر وتونس وليبيا، كان طريق الحجاج المغاربة، يصل إلى خمسين ألف حاج، فتحصل حركة تجارة وتعارف بين الناس ومصاهرة.
أما طريق الحجاج الأفارقة فيبدأ من منابع النيل من أوغندا ومن كينيا، ومن تنزانيا ومن إثيوبيا ومن إريتريا، الكل يخرج مع النيل شمالا، ويتوقفون عند مدينة قوص، وبعضهم يسلك الصحراء ويعبر البحر، للبيت الحرام أو يكمل مع النيل إلى القاهرة، ويلتحم مع وفد الحجاج المغاربة ومع المحمل المصرى ويكمل إلى البيت الحرام.
فكم سوق وكم مدينة تجارية، وكم سلعة وكم بيع وشراء، وكم تجارة رابحة وكم بيت فُتح، ببركة هذا الأمر: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ).
والخلاصة: أننا بدأنا بالسماء وآيات السماء، والأفلاك التى تسبح فى السماء وقضية الفهم، وقضية الرحمة للعالمين وقضية الحج، مع أنه شعيرة وعبادة وفريضة فى الإسلام، لكن ترتبت عليه عشرات الوجوه من المنافع ورواج التجارات، وفتح البيوت والأرزاق.
ندعو الله -جل جلاله- أن يوسع آفاقنا؛ حتى نرى آيات المولى فى آفاق السماء وأن ينعم علينا بالفهم، وأن يجعلنا رحمة للعالمين، أسوة بنبينا -صلى الله عليه وسلم- وأن يجعلنا مصدر نفع للخلق أجمعين.
وإلى لقاءٍ يتجدّد...



