لآلــــــــــئ.. الجزء السادس عشر 

الدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف
الدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف

السيدات والسادة الكرام، قُراء اللواء الإسلامى، وكل أبناء الشعب المصرى العظيم، وأبناء الأمتين العربية والإسلامية، مرحبا بكم فى رحلة جديدة مع كتاب الله العزيز، حيث نغوص فى أعماق الجزء السادس عشر من القرآن الكريم، نستخرج من كنوزه اللآلئ، ومن أنواره الهداية، ومن بيانه القيم والمبادئ العظيمة التى أودعها الله فيه. 
لقد اقتطفت لكم اليوم من هذا الجزء البديع عِبَرا وآيات، نستنير بها فى ظلمات الحياة، ونسترشد بها على دروب الخير والحق. ففيه من اللطائف والحِكَم، ومن الإشارات الربانية الدقيقة، والمعانى السامية، والكنوز الأخلاقية والتربوية، ما يستحق التأمل والتدبر. 
أول موضع نتوقف عنده هو قول الله تعالى: ﴿قَالُواْ يَـٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِنَّ يَأۡجُوجَ وَمَأۡجُوجَ مُفۡسِدُونَ فِى ٱلۡأَرۡضِ فَهَلۡ نَجۡعَلُ لَكَ خَرۡجا عَلَىٰٓ أَن تَجۡعَلَ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَهُمۡ سَدّا قَالَ مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِّى خَيۡرٌ فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ أَجۡعَلۡ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُمۡ رَدۡمًا﴾ (الكهف: ٩٤، ٩٥)، أنتم بالطبع تعلمون سياق هذه الآيات، إذ نقرأ سورة الكهف كل يوم جمعة، ونعرف قصة ذى القرنين، ذلك الرجل الرحالة الذى آتاه الله من الأسباب ما مكّنه فى الأرض، فطاف أرجاءها، وتعامل مع حضارات وشعوب. كان عظيم العلم والخبرة، وعبدا صالحا محبوبا عند الله. 

سار حتى بلغ قوما بين السدين، كانوا يعانون فساد يأجوج ومأجوج، فطلبوا منه العون، فأجابهم بقوله: ﴿فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ﴾، هنا نقف مع كلمة "قُوَّة"، ثم نترك سورة الكهف ونتقدم إلى سورة مريم، لنجد قول الله تعالى لسيدنا يحيى عليه السلام: ﴿يَـٰيَحۡيَىٰ خُذِ ٱلۡكِتَـٰبَ بِقُوَّةٍ﴾ (مريم: ١٢)، لاحظوا التشابه اللفظى بين الآيتين: ﴿فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ﴾، ﴿خُذِ ٱلۡكِتَـٰبَ بِقُوَّةٍ﴾، لكن ما الفرق بين القُوّتين؟ 

القوة الأولى: قوة مادية محسوسة، تشمل الصناعة، والتقنية، والخبرة. كما حدث حين حضّروا الحديد، وصهروا النحاس، وصنعوا الردم. وهى قوة ضرورية لبناء الأمم. 

القوة الثانية: قوة معرفية وعلمية، جاءت مقترنة بالكتاب: ﴿خُذِ ٱلۡكِتَـٰبَ بِقُوَّةٍ﴾، أى خذ العلم بجد واجتهاد ووعي. إننا نريد لمصر ولأمتنا العربية والإسلامية كلا النوعين من القوة: المادية والعلمية. 
ولا يفوتنا أن نذكر أن الآية:
﴿خُذِ ٱلۡكِتَـٰبَ بِقُوَّةٍ﴾ جعل منها أستاذُنا الجليل الشيخ رفاعة الطهطاوى شعارا تربويا رفعتْه وزارة المعارف المصرية قديمًا. 
فكتب رحمه الله:
 تَعَلَّمِ العِلْمَ وَاقْرَأْ تَحُزْ فَخَارَ النُّبُوَّةِ          فَاللهُ قَالَ لِيَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ
الموضع الثانى الذى نتوقف عنده من هذا الجزء، من أوائل سورة مريم، قول الله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةً قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ (مريم: ١٠).
سيدنا زكريا عليه السلام امتنع عن الكلام، لا لعلّة أو مرض، بل وهو سوى معافى، فصار هذا الامتناع آيةً ومعجزة، ثم يقول تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنَ ٱلۡمِحۡرَابِ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ أَن سَبِّحُواْ بُكۡرَةً وَعَشِيًّا﴾ (مريم: ١١)، تأملوا التعبير: "خرج على قومه"، ولم يقل: "إلى قومه". 
لماذا؟
"خرج إلى": تدل على الخروج العادي.
"خرج على": تدل على الخروج المهيب، المُلفت، الذى فيه علوّ وظهور.
كما قال تعالى عن قارون: ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ فِى زِينَتِهِۦ﴾ (القصص: ٧٩)
وعن يوسف عليه السلام: ﴿فَلَمَّا رَأَيۡنَهُۥٓ أَكۡبَرۡنَهُۥ وَقَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّ وَقُلۡنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَرا إِنۡ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ قَالَتۡ فَذَ ٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمۡتُنَّنِى فِيهِۖ وَلَقَدۡ رَ ٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ فَٱسۡتَعۡصَمَۖ وَلَئِن لَّمۡ يَفۡعَلۡ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسۡجَنَنَّ وَلَيَكُونا مِّنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ﴾ (يوسف: ٣١، ٣٢)، وفى هذا السياق ﴿وَقَالَتِ ٱخۡرُجۡ عَلَيۡهِنَّ﴾، أي: خروج مصحوب بالجمال والهيبة والسلطان، كذلك كان خروج زكريا عليه السلام خروجا معجزا مهيبًا، لذا قال: ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ﴾، إنه درس بلاغى راقٍ، فى لغة عظيمة هى مفتاح فهم القرآن، وصمام أمان ضد الإلحاد والانحراف. 
وننتقل إلى موضع ثالث من هذا الجزء المبارك، وهو قول سيدنا عيسى عليه السلام، وهو يتكلم فى المهد: ﴿قَالَ إِنِّى عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِى ٱلۡكِتَـٰبَ وَجَعَلَنِى نَبِيّا وَجَعَلَنِى مُبَارَكا أَيۡنَ مَا كُنتُ وَأَوۡصَـٰنِى بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَيًّا﴾ (مريم: ٣٠، ٣١)، تأملوا قوله: ﴿وَجَعَلَنِى مُبَارَكا أَيۡنَ مَا كُنتُ﴾، ما أروع أن يكون الإنسان مباركا حيثما حلّ!
تدخل بيتا فتكون فيه بركة، تزور بلدا فتكون فيه نورًا، تجلس فى مجلس فتعمّ فيه السكينة. 
لا تكن شقاءً على الناس، بل كن جابرا، طيبا، مصلحا. 
أذكر أننى كنت فى رحلة إلى أستراليا، فدعوت: "اللهم اجعلنى مباركا أينما كنت"، فقال لى أحد الإخوة هناك: تأثرت جدا بهذا الدعاء، وظلّ محفورا فى قلبي. 
والوقفة التالية مع مع قول الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَيَجۡعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحۡمَـٰنُ وُدًّا﴾ (مريم: ٩٦)، يا لها من آية عظيمة!
أن يجعل الله لك القبول فى الأرض، أن يحبّك الناس، ويفرحوا بلقائك، ويكون لك وُدٌّ فى قلوبهم.
وهذا يتلاقى مع قول الله تعالى لموسى عليه السلام: ﴿وَأَلۡقَيۡتُ عَلَيۡكَ مَحَبَّةً مِّنِّى وَلِتُصۡنَعَ عَلَىٰ عَيۡنِيٓ﴾ (طه: ٣٩).
وفى الحديث الصحيح الذى رواه البخارى عن أبى هريرة رضى الله عنه، أن النبى ﷺ قال: "إذا أحبّ الله عبدًا، نادى جبريل: يا جبريل، إنِّى أحبّ فلانًا، فأحبّه. فيُحبّه جبريل، ثم يُنادى فى أهل السماء: إنّ الله يحبّ فلانًا، فأحبّوه، فيُحبّه أهل السماء، ثم يُوضَع له القَبول فى الأرض". (رواه البخارى ومسلم)

ختامًا، أسأل الله لى ولكم أن يجعل لنا وُدًّا، وأن يُلقى علينا محبته، وأن يجعلنا محبوبين فى الأرض والسماء.

وإلى لقاءٍ يتجدّد...

 

ترشيحاتنا