أسامة الحديدي: الأزهر بالمرصاد لفوضى الفتاوى.. والإلحاد لا يقل خطرًا عن التطرف

د. أسامة هاشم الحديدى خلال حواره مع محررة اللواء الإسلامي
د. أسامة هاشم الحديدى خلال حواره مع محررة اللواء الإسلامي

 

► نعمل وفق آليّاتِ حديثةِ لضمان الوصول إلى أكبرِ عدد محليًّا ودوليًّا

► نحرص على إصدارِ فتاوى منضبطة وميسرة وتراعي حال السائل

► وحدة لم الشمل تعملُ على رأبِ الصدعِ الذي أصاب بعضَ الأسرِ

► ندمجُ تقنياتِ الذكاءِ الاصطناعيّ في مجالِ الفتوى والبحثِ الشرعيّ

 

يُمثِّلُ مركزُ الأزهرِ العالمى للفتاوى الإلكترونيَّة تجربةً رائدةً في توظيفِ التقنيّةِ الحديثةِ لخدمةِ الشأنِ الدينيِّ، وترسيخِ منهجِ الوسطيَّةِ والاعتدالِ، ولقد استطاع المركزُ، برؤيةٍ واضحةٍ وجهودٍ علميَّةٍ مخلصةٍ، أن يُشكِّلَ حائطَ صدٍّ في وجهِ التيَّاراتِ المنحرفةِ، وأن يُوفِّرَ منصَّةً آمنةً للمستفتينَ في مختلفِ أنحاءِ العالمِ، تُراعي خصوصيَّاتِهم الثقافيَّةَ والدينيَّةَ، وتُقدِّمُ الفتوى المنضبطةَ التي تجمعُ بين التأصيلِ الشرعيِّ والرؤيةِ الواقعيَّةِ.

د. اسامة هاشم الحديدى مدير عام مركز الأزهر العالمى للفتوى الإلكترونية في حواره لـ"اللواء الإسلامى" أكد أهمية المركز في ظل التسارع في وسائلُ الاتِّصالِ، وتزايدُ تحدِّياتُ الفوضى الإفتائيَّة والفكر المتطرِّف، ورغم كثرة التحديات التى واجهته إلا انه استطاع أن يطوِّرَ آليّاته، ويُحسنَ توظيفَ الوسائلِ الحديثةِ لتجاوزِ العقباتِ، فعمل على إنشاء العديد من الوحدات التى تهتم بأمور خاصة بالمجتمع من أهمها وحدة "لم الشمل" التى تركز على حالات الاستقرار الأسرى، ووحدة "الدعم النفسي" والتى تساعد في تخطى الضغوط النفسية والمشكلات التى تؤدى إلى كثرة حالات الانتحار، هذا بالإضافة إلى وحدةَ "بيان لمواجهةِ الفكرِ الإلحاديِّ".. وإلى نص الحوار:

 

  • بدايةً.. حدِّثْنا عن نشأة مركز الأزهر العالميّ للفتاوى الإلكترونيَّة، وما الرؤيةُ التي انطلقَ منها؟

شهدت وسائلُ الإعلامِ ووسائلُ التواصُلِ الاجتماعيّ في السنواتِ الأخيرةِ تطوُّرًا هائلًا في أدواتِها وآليّاتِها، ولم يكن الشأنُ الدينيُّ - بوجهٍ عامٍّ - والفتوى - على وجهِ الخصوصِ - بمنأى عن ذلك، فقد شهدت هذه الوسائلُ فوضى هائلة، وانتشرت عليها فتاوى غيرُ منضبطةٍ، وآراءٌ مُضلِّلةٌ تتعلّقُ بالشأنِ الدينيّ، واختلط فيها الغثُّ بالسمين، حتى أصبحتْ هذه المنصّاتُ معاولَ هدمٍ، ومصادرَ للفتنةِ، فقد استغلَّتْ جماعاتُ التطرُّفِ وبعضُ الأفرادِ الحرّيّةَ التي تُتيحُها هذه الوسائلُ في بثِّ سُمومِها، والتعبيرِ عن آرائها الهدّامةِ والمتطرِّفةِ.

وفي خِضمِّ هذا الزخمِ والزحامِ، لم يقفِ الأزهرُ الشريفُ - بعلمِهِ الغزيرِ، وتاريخِهِ العريقِ، ومنهجِهِ الوسطيِّ القويمِ - مكتوفَ الأيدي أمامَ هذه الفوضى العارمة، فجاء توجيهُ الإمامِ الأكبرِ د.أحمد الطيِّب، شيخِ الأزهرِ الشريفِ، بإنشاءِ مركزٍ للفتوى يُقدِّمُ الفتوى عن بُعدٍ، من خلال الوسائلِ التكنولوجيّةِ الحديثةِ، سواءٌ عبرَ وسائلِ الاتِّصالِ على رقم ١٩٩٠٦،  أو صفحاتِ التواصُلِ الاجتماعيِّ.

وقد بدأ المركزُ عملَهُ عامَ 2016م، واضعًا نصبَ عينيهِ رؤيةً واضحةً، هادفًا من خلالها إلى تحقيقِ رسالتِهِ، وهي: "تقديمُ فتوى منضبطةٍ، تراعي صحيحَ الدينِ، وتلبِّي حاجاتِ الناسِ المعاصرةِ، وتحمي المجتمعَ من التطرُّفِ والغلوِّ والانحلالِ الفكريِّ والأخلاقيِّ".

 

 

الوسائل الحديثة

  • وما أهمُّ التحدياتِ التي واجهها المركزُ في بداياتِهِ؟

وفي بدايةِ عملِهِ، كانت التحدِّياتُ جسيمةً، والمعوِّقاتُ عظيمةً، ولعلَّ أبرزَها سرعةُ انتشارِ المحتوياتِ الدينيّةِ الصادرةِ عن غيرِ المتخصِّصينَ، أو الذين يتبنّون أهدافًا شخصيّةً، يسعون لتحقيقها عبر فتاوى غيرِ منضبطةٍ تنتشرُ على وسائلِ التواصُلِ الاجتماعيّ وغيرها من وسائلِ الإعلام.

كما كان الوصولُ إلى الشبابِ ومناقشةُ أفكارِهم بآليّاتٍ جديدةٍ وغيرِ تقليديّةٍ لحمايتِهم من الفكرِ المتطرِّفِ تحدّيًا كبيرًا، فكان لزامًا على المركزِ أن يطوِّرَ هذه الآليّات، ويُحسنَ توظيفَ الوسائلِ الحديثةِ لتجاوزِ هذه العقباتِ.

 

  • ما أهمِّيّةُ مركزِ الأزهرِ العالميِّ للفتاوى الإلكترونيَّة في ظلِّ هذا التطوُّرِ التكنولوجيّ الهائلِ وتزايدِ استخدامِ الإنترنتِ في نشرِ المعلوماتِ الدينيّة؟

يستخدمُ المركزُ أحدثَ الوسائلِ الإلكترونيّةِ التي تُسهِّلُ تقديمَ الفتوى للجمهور، سواءٌ من خلالِ الاتِّصالِ الهاتفيِّ أو الرسائلِ النصِّيّةِ عبر التطبيقِ الذكيّ الذي يحملُ اسمَ المركزِ، أو من خلالِ صفحاتِهِ الرسميّةِ على مواقعِ التواصُلِ الاجتماعيّ، وتُتيحُ هذه الوسائلُ إمكانيّاتٍ هائلةً في الوصولِ، وسرعةِ الانتشارِ، والأرشفةِ، وتحليلِ البياناتِ، وتكوينِ قواعدِ معلوماتٍ ضخمةٍ تخدمُ العملَ الإفتائيَّ.

وتكمنُ أهمِّيّةُ المركزِ في كونه يعملُ وفقَ هذه الآليّاتِ الحديثةِ، ويصلُ من خلالها إلى أكبرِ عددٍ ممكنٍ من الجمهورِ، سواءٌ محليًّا أو دوليًّا، خاصّةً وأنَّ وسائلَ التواصُلِ الاجتماعيِّ تُعَدُّ الأقربَ لفئةِ الشبابِ، ممّا يُعزِّزُ من أهمِّيّةِ المركزِ في الوصولِ إليهم والتأثيرِ فيهم.

 

  • ومن هو الجمهورُ المُستهدَفُ للمركزِ؟

يستهدفُ المركزُ الوصولَ إلى أكبرِ عددٍ من المستفتين، محليًّا ودوليًّا، من مختلفِ الفئاتِ والأعمارِ، ويُخصِّصُ عنايةً خاصّةً بالشبابِ، ويعملُ المركزُ من خلال برنامجِهِ للتوعيةِ الأسريّةِ والمجتمعيّةِ على عقدِ الندواتِ وورشِ العملِ في الجامعاتِ والمعاهدِ والمدارسِ على مستوى الجمهوريّةِ، كما يُقدِّمُ دوراتٍ تأهيليّةً للمُقبلين على الزواجِ من الشبابِ والفتياتِ، سواءٌ في مقرِّهِ بمشيخةِ الأزهرِ أو في المحافظاتِ.

 

 

 

الأداور تكاملية

  • يُلاحَظُ تزايدُ عددِ المواقعِ الإلكترونيّةِ التي تُقدِّمُ الفتاوى، فما الذي يُميِّزُ مركزَ عن غيرِهِ؟ وما ضماناتُ دقّةِ وموضوعيّةِ الفتاوى التي يُصدرُها؟

مركزُ الأزهرِ العالميُّ للفتاوى الإلكترونيّةِ هو أحد الإداراتِ التابعةِ للأزهرِ الشريفِ، وتستندُ مرجعيّتُهُ إلى هيئةِ كبارِ العلماءِ، ويتبنَّى المنهجَ الأزهريَّ الوسطيَّ الرشيدَ.

ويحرصُ المركزُ على إصدارِ فتاوى منضبطةٍ ومُيسَّرةٍ، تراعي حالَ السائلِ، والزمانَ، والمكانَ، والمآلَ، ويتميَّزُ المضمونُ الإفتائيُّ الذي يُقدِّمهُ المركزُ بالوضوحِ والتوازنِ، بعيدًا عن الإفراطِ أو التفريطِ، ووفقًا لمنهجِ الأزهرِ الشريفِ.

كما أنَّ الوسائلَ المتعدِّدةَ التي يُتيحُها المركزُ تمنحُ المستفتيَ قدرًا كبيرًا من الوضوحِ، وتُيسِّرُ عليه الوصولَ إلى المعلومةِ الشرعيّةِ المُنضبطةِ، فضلًا عن إمكانيّةِ المناقشةِ والاستفسارِ حتّى يجدَ السائلُ بغيتَهُ، ويطمئنَّ قلبُهُ.

 

  • وماذا عن طبيعةُ العلاقةِ بين مركزِ الأزهرِ العالميِّ للفتاوى الإلكترونيَّة ودارِ الإفتاءِ المصريَّة؟

تعملُ كلٌّ من دارِ الإفتاءِ المصريَّةِ، ومركزِ الأزهرِ العالميِّ للفتاوى الإلكترونيَّةِ، ولجانِ الفتوى التابعةِ لمجمعِ البحوثِ الإسلاميّةِ بالأزهرِ الشريفِ في تناغمٍ وتكاملٍ؛ لخدمةِ الإسلامِ والمسلمينَ في المجالِ الإفتائيِّ، فالأدوارُ تكامليّةٌ، ويُكمِّلُ كلٌّ منهم عملَ الآخر، ويعتبرُ كلٌّ منهم نفسَه جنديًّا على ثغرٍ من ثغورِ الدينِ. والمجتمع يحتاج إلى مزيد من الجهود الصادقة محل الثقة التي تفي بمتطلباته الدينية والحياتية .

 

الفكر الإلحادى

كيف يُواجِهُ المركزُ الفتاوى المتطرِّفةَ أو الشاذّةَ المنتشرةَ عبر الإنترنت؟ وما آليّاتُ التحقُّقِ من صحّةِ المعلوماتِ الدينيّةِ قبلَ نشرِها؟

يضمُّ المركزُ بين وحداتِهِ قسمًا خاصًّا بالفكرِ والأديانِ، ووحدةَ "بيان" لمواجهةِ الفكرِ اللادينيِّ، كما يشملُ قسمًا لمتابعةِ وسائلِ الإعلامِ والإنترنتِ، ويقومُ المركزُ برصدِ المحتوى الدينيِّ والإفتائيِّ المنشورِ على هذه الوسائلِ، ثمَّ تحليلِهِ ودراستِهِ، فإنْ تبين وجودُ مخالفةٍ لصحيحِ الدينِ، أو تطرفٍ في المضمونِ، أو فتاوى غيرِ منضبطةٍ، تُحالُ إلى قسمِ البحوثِ بالمركزِ، الذي يعملُ فيه نخبةٌ من أساتذةِ جامعةِ الأزهرِ في شتّى التخصّصاتِ، للردِّ عليها وبيانِ الصوابِ فيها، وفي المسائلِ التي تستلزمُ بحثًا موسَّعًا، تُشكِّلُ لجنةٌ علميّةٌ متخصِّصةٌ لبحثِها وإبداءِ الرأيِ الشرعيِّ فيها، وقبلَ إصدارِ أيِّ محتوىً، يخضعُ للمراجعةِ من قِبَلِ عدّةِ جهاتٍ داخل المركزِ، للتأكّدِ من مطابقتِهِ للضوابطِ الشرعيّةِ والمقاصديّةِ.

كما يضمُّ المركزُ فريقًا علميًّا استشاريًّا من تخصّصاتٍ متعدِّدةٍ، كالمعاملاتِ الماليّةِ، والطبِّ، والطبِّ النفسيِّ، وعلمِ الجيناتِ، وغيرِها، يُستعانُ بهم في المسائلِ المُركَّبةِ، حتّى تصدُرَ الفتوى مكتملةَ الأركانِ، راعيةً حالَ المستفتي، ومُحقّقةً غرضَ السائلِ.

 

  • انتشر الفكر الإلحادى في مجتمعتنا المسلمة، فما الدورُ الذي يقومُ به المركزُ في مواجهةِ هذا الفكرِ الهدَّام؟

طرحُ هذا السؤالِ مهمٌّ للغايةِ؛ إذ إنَّ مشكلةَ الإلحادِ تُعَدُّ – بلا شكٍّ – من المشاكل الهدَّامةِ لمجتمعِنا المعروفِ بتديُّنِه، وهي لا تقلُّ خطرًا عن مشكلةِ التطرُّفِ، فكلاهما يُمثِّلُ تطرفًا فكريًّا مدمِّرًا، ومنذ بدايةِ عملِهِ، ضمَّ المركزُ في بنيتِهِ قِسمًا خاصًّا للفكرِ والأديانِ، للرَّدِّ على الشُّبُهاتِ والأفكارِ المغلوطةِ التي يتعرَّضُ لها بعضُ الأفرادِ.

ومع تنامي مشكلةِ الإلحادِ، ولا سيَّما بين فئةِ الشبابِ حديثي السِّنِّ، أسَّسَ المركزُ وحدةَ "بيان لمواجهةِ الفكرِ الإلحاديِّ"، التي تضمُّ نخبةً من المتخصِّصينَ أصحابِ الكفاءةِ العاليةِ، والخبرةِ العلميَّةِ والدعويَّةِ؛ بما يُمكِّنُهم من الرَّدِّ على الشُّبُهاتِ، وتفنيدِ الأفكارِ المغلوطةِ التي يُروِّجُ لها بعضُ المعتنقين لهذا الفكرِ، أو أولئك الذين يعتريهمُ التشكُّكُ في بعضِ أمورِ الدِّينِ، نتيجةً لضعفِ معرفتِهم بالعلومِ الشرعيَّةِ، وقد استقبلتِ الوحدةُ مئاتِ الحالاتِ في مقرِّ المركزِ، كما انطلقتْ إلى أرضِ الواقعِ، وشاركتْ في التجمُّعاتِ الشبابيَّةِ لمحاورةِ الشبابِ، وتصحيحِ أفكارِهم، وبناءِ وعيِهم، كما نفَّذتِ الوحدةُ عددًا من الفيديوهاتِ المُصوَّرةِ، التي طَرَحتْ من خلالها ردودًا مركَّزةً ومُختصَرةً على بعضِ الشُّبُهاتِ التي أثارتْ جدلًا مجتمعيًّا واسعًا، وأحدثتْ شدًّا وجذبًا داخلَ المجتمعِ.

وتأتي مبادرةُ المركزِ في هذا الشأنِ انطلاقًا من وعْيِه التامِّ بخطورةِ الفكرِ الإلحاديِّ على الفردِ والمجتمعِ والوطنِ؛ فالدِّينُ يُرسِّخُ في نفسِ الإنسانِ روحَ الانتماءِ، وحُبَّ الوطنِ، وإذا تخلَّى الفردُ عن دِينِه، سهُلَ عليه التخلِّي عن وطنِه، وذلك يُعَدُّ من أخطرِ ما يُهدِّدُ سلامةَ الأوطانِ؛ إذ لا خيرَ في وطنٍ يَسكنُه أفرادٌ لا ينتمونَ إليه، فالانتماءُ للوطنِ فريضةٌ شرعيَّةٌ، وضرورةٌ إنسانيَّةٌ.

 

 

وحدة لم الشمل

  • ما أهمُّ القضايا التي يُعالجُها المركزُ بكثرةٍ؟ وهل هناك اختلافٌ في طبيعةِ الاستفساراتِ من مناطقَ مختلفةٍ في العالم؟ وكيف يُراعي المركزُ اختلافَ الثقافاتِ واللغاتِ؟

أكثرُ الفتاوى الواردةِ إلى المركزِ تتعلَّقُ بالزواجِ والطلاقِ والأحوالِ الشخصيّةِ والمعاملاتِ الماليّةِ، وتختلفُ طبيعةُ الاستفساراتِ بحسبِ المنطقةِ الجغرافيّةِ والثقافةِ المحلِّيّةِ، فالفتوى – كما هو معلومٌ شرعًا – تختلفُ باختلافِ الزمانِ، والمكانِ، والمآلِ، وحالِ السائلِ.

فعلى سبيلِ المثالِ، يُراعي المركزُ في الفتاوى الواردةِ من الدولِ ذاتِ الأغلبيّةِ غيرِ المسلمةِ الطبيعةَ الخاصّةَ لحياةِ المسلمينَ في تلك المجتمعاتِ، بما يُسهِمُ في تحقيقِ التعايشِ السلميِّ، والاندماجِ الإيجابيِّ داخل هذه المجتمعاتِ.

 

  • ذكرت أن أكثر الفتاوى الواردة تتعلق بالأسرة.. فهل كان للمركز جهودُ خاصة في شأنِ الاستقرارِ الأسريِّ والمجتمعيِّ؟

منذ بدايةِ عملِ المركزِ في عامِ ٢٠١٦م، رصدَ من خلالِ قسمِ الأحوالِ الشخصيَّةِ والأسرةِ تزايدًا ملحوظًا في عددِ الفتاوى المرتبطةِ بحالاتِ الطلاقِ، فسارعنا إلى إنشاءِ وحدةٍ متخصِّصةٍ تُعنى بحلِّ النِّزاعاتِ الأسريَّةِ، وتعملُ على رأبِ الصدعِ الذي أصاب بعضَ الأسرِ، وذلك بتوجيهٍ من الإمامِ الأكبرِ د. أحمد الطيِّب، شيخِ الأزهرِ الشريفِ.

فأسَّسَ المركزُ في أبريل عامَ ٢٠١٨م "وحدةَ لمِّ الشملِ"، متَّخذًا شعارَ: "إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا"، وفتحَ أبوابَهُ آنذاك لاستقبالِ الأسرِ التي اعترتها خلافاتٌ ونزاعاتٌ أسريَّةٌ، وقد استطاعتِ الوحدةُ تحقيقَ نجاحاتٍ ملموسةٍ وغيرِ مسبوقةٍ في إعادةِ لمِّ شملِ مئات آلآلافِ من الأسرِ، كان بعضُها ينتظرُ الحكم في قضايا منظورةٍ أمامَ دوائرِ التقاضي المختلفةِ، أو في طريقِها للمحاكمِ.

وتوسَّعتِ الوحدةُ تدريجيًّا، فافتتحتْ مقارَّ لها في جميعِ محافظاتِ الجمهوريَّةِ؛ لتُخفِّفَ عن كاهلِ الأسرِ عناءَ السفرِ إلى مقرِّها الرئيسيِّ بمشيخةِ الأزهرِ بالقاهرةِ، ويومًا بعد يومٍ، تُحقِّقُ الوحدةُ نجاحاتٍ واضحةً على أرضِ الواقعِ، ولا تزالُ تخطو خُطًى حثيثةً نحوَ تحقيقِ أهدافِها المرجوَّةِ، حتى تُوِّجَتْ جهودُها بفوزِها بجائزةِ التميُّزِ الحكوميِّ العربيِّ لعامِ ٢٠٢٤م، كأفضلِ مشروعٍ عربيٍّ في المجالِ المجتمعيِّ.

 

أسرة مستقرة

  • وهل يقتصرُ عملُ وحدةِ "لم الشمل" على التدخُّلِ في النِّزاعاتِ الأسريَّةِ؟ أم أنَّ هناك جهودًا أخرى في المجالِ المجتمعيِّ؟

بالتأكيد لا تقتصرُ جهودُ الوحدة على حل النِّزاعاتِ الأسريَّةِ فقط؛ بل بدا لنا من خلالِ العملِ الميدانيِّ أنَّ الوقايةَ خيرٌ من العلاجِ، فبادرنا بإطلاقِ برنامجِهِ المتميِّزِ للتوعيةِ الأسريَّةِ والمجتمعيَّةِ، تحت شعار: "أسرةٌ مستقرةٌ = مجتمعٌ آمنٌ"، ووضعنا نصبَ أعينناِ تعزيزَ الوعيِ الأسريِّ والمجتمعيِّ بما يُسهمُ بفاعليَّةٍ في استقرارِ المجتمعِ، وحمايتِه من الظواهرِ السلبيَّةِ، والأفكارِ المغلوطةِ والمتطرِّفةِ.

وفي سبيل ذلك تعاون المركز مع وزارةِ الشبابِ والرياضةِ من خلالِ برتوكولاتِ فعَّالةٍ، فانطلقَ بخطواتٍ سبَّاقةٍ لإقامةِ المحاضراتِ والندواتِ في المدارسِ، والمعاهدِ، والجامعاتِ، ومراكزِ الشبابِ، والتجمُّعاتِ الشبابيَّةِ، وتجمُّعاتِ المرأةِ، والرائداتِ الريفيَّاتِ.

كما استقبلَ المركزُ في مقرِّه بمشيخةِ الأزهرِ الشريفِ وفودًا من شبابِ جميعِ محافظاتِ الجمهوريَّةِ، ليلتقوا بأعضاءِ المركزِ خلالَ محاضراتٍ متنوِّعةٍ ومتخصِّصةٍ، ناقشتْ موضوعاتٍ غيرَ تقليديَّةٍ، كان من بينها، على سبيلِ المثالِ: "وظيفيَّةُ الإنسانِ في الكونِ"، و"الضوابطُ الشرعيَّةُ لاستخدامِ وسائلِ التواصُلِ الاجتماعيِّ"، و"قيمةُ الحياةِ"، وغيرها من المحاضراتِ التي تُسهمُ في بناءِ وعيِ الشبابِ، وإثراءِ فكرِهم ووجدانِهم.

وقد لاقتْ هذه اللقاءاتُ والمحاضراتُ نجاحًا ملموسًا، بدا جليًّا في الإقبالِ على حضورِها، والتفاعلِ البنَّاءِ بين الحضورِ والمحاضرينَ من أعضاءِ مركزِ الأزهرِ العالميِّ للفتوى الإلكترونيَّةِ، كما عقدَ المركزُ – من خلالِ برنامجِ التوعيةِ الأسريَّةِ والمجتمعيَّةِ – عددًا هائلًا من ندواتِ الإرشادِ الأسريِّ في كافَّةِ محافظاتِ مصرَ، بالتعاونِ المثمرِ والبنَّاءِ مع المجلسِ القوميِّ للمرأةِ، في قرى "حياة كريمة" على مستوى الجمهوريَّةِ.

 

الدعم النفسي

  • وهل هناك وحدات أخرى بالمركز تم إنشاؤها؟

من خلالِ الفتاوى التي تَرِدُ إلى المركزِ، وبالتزامنِ مع تزايدِ حالاتِ الانتحارِ، بادرَ مركزُ الأزهرِ العالميُّ للفتاوى الإلكترونيَّةِ بتأسيسِ وحدةٍ للدَّعمِ النفسيِّ، لتعملَ على مدارِ الساعةِ في استقبالِ الحالاتِ التي تُعاني من ضغوطٍ نفسيَّةٍ، وتُقدِّمَ لها الدَّعمَ اللازمَ، وتُسهمَ في مساعدتِها على تخطِّي الأزماتِ التي تتعرَّضُ لها في شتَّى مناحي الحياةِ.

ويعملُ في الوحدةِ عددٌ من المتخصِّصين من أعضاءِ المركزِ، كما تستعينُ الوحدةُ بكفاءاتٍ من المتخصِّصين في مجالِ الصحَّةِ النفسيَّةِ من جامعةِ الأزهرِ، وقد استهلَّتْ وحدةُ الدعمِ النفسيِّ عملَها بإطلاقِ حملةٍ إلكترونيَّةٍ بعنوان: "أنت غالٍ علينا"، لتقديمِ الدعمِ النفسيِّ عبر صفحاتِ المركزِ الرسميَّةِ على وسائلِ التواصُلِ الاجتماعيِّ، أو من خلالِ الاتِّصالاتِ الهاتفيَّةِ الواردةِ إلى المركزِ.

 

 

  • حصل المركز وأعضاؤه على العديد من الجوائز منذ نشأته.. حدثنا عن ذلك؟

في عام 2022م فاز فريق مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية للإبداع والتطوير، بالمركز الأول كأفضل فريق عمل متميز، بجائزة مصر للتميز الحكومي في دورتها الثالثة، بعد منافسة مع عدد كبير من فرق العمل بالجهاز الحكومي في مختلف الوزارات والهيئات، وفق معايير جودة، وقياس الأثر والنتائج، وذلك تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، وحضور الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، والدكتورة هالة السعيد، وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية، ومريم الحمادي، وزيرة دولة والأمين العام لمجلس الوزراء بدولة الإمارات، وبمشاركة عدد من الوزراء والمسئولين.

أما الجائزة الثانية في كانت لوحدة «لم الشمل» بعد أن حققت نجاحًا مصريًّا وعربيًّا بارزًا، حصدت جائزة أفضل مشروع حكومي عربي فئة التكريم الخاص، نشر مركز الأزهر العالمي للفتوى انفوجراف يوضح كيف اعتمدت وحدة «لم الشمل» في قياس أثر ونتائج أعمالها في حل النزاعات الأسرية وإصلاح ذات البين، وكان من أبرز عوامل نجاح الوحدة، اعتمادها في خطة عملها على قياس الأثر بشكل مستمر وممنهج، وذلك من خلال تقارير الصدى الإعلامي، واستطلاعات الرأي، والاستبانات، بالإضافة إلى مؤشرات الانتشار وزيادة الإقبال، وثناءات المسئولين ومتلقي الخدمات، كما اعتمدت على متابعات ما بعد حل النزاعات الأسرية، وذلك من أجل تحسين الأداء، وتحقيق أقصى استفادة من الجهود المبذولة.

وتعد جائزة "التميز الحكومي العربي"، الأولى والأكبر من نوعها على مستوى العالم العربي في مجال التطوير والتحسين والتميّز الإداري، حيث تهدف إلى إحداث حراك عربي جديد في مجال الإدارة يطبق أفضل الممارسات العالمية في مجال تميّز الأداء الحكومي، بالإضافة إلى تسليط الضوء على التجارب الإدارية الناجحة في المنطقة العربية، من خلال تكريم الكفاءات الحكومية العربية، بما يسهم في صنع فكر قيادي إيجابي لدى القطاعات الحكومية يسعى لتبنّي التميّز المؤسسي وتجديد العمليات والنظم القائمة باستخدام التقنيات الذكية، لتنفيذ الرؤى والاستراتيجيات الحكومية المستقبلية.

 

الخطط المستقبيلة

  • وفي الختام.. حدثنا عن الخططُ المستقبليّةُ للمركزِ في تطويرِ خدماتِهِ وتوسيعِ نطاقِها؟

بلغَ المركزُ مكانةً مرموقةً لدى كثيرٍ من المسلمين، بل غدا مرجعيَّةً موثوقةً لقطاعٍ عريضٍ منهم محليًّا وعالميًّا، لذلك فإن المركز دائما يسعى باستمرارٍ إلى تطويرِ أدائِهِ، ومُواكبةِ أحدثِ ما تُتيحهُ التكنولوجيا الحديثةُ، ومن أبرزِ خططِهِ المستقبليّةِ: إدماجُ تقنياتِ الذكاءِ الاصطناعيِّ في مجالِ الفتوى والبحثِ الشرعيّ، بما يُسهمُ في تسريعِ وتيرةِ العملِ، وتحسينِ جودتِهِ، وتوسيعِ قاعدةِ المستفيدينَ.

ولا شكَّ أنَّ استمرارَ المركزِ في تطويرِ أدواتِهِ، والانفتاحَ على آفاقِ التكنولوجيا الحديثةِ، خاصَّةً في مجالاتِ الذكاءِ الاصطناعيِّ والبحثِ المعمَّقِ، سيُعزِّزُ من قدرتهِ على أداءِ رسالتِهِ الساميةِ، بما يُسهمُ في تعزيزِ الاستقرارِ الفكريِّ والمجتمعيِّ، وتحقيقِ الأمنِ الدينيِّ في زمنِ التحوُّلاتِ المتسارعةِ.

ونسألُ اللهَ تعالى أن يحفظَ وطنَنا، وأزهرَنا الشريفَ، وجيشَ مصرَ، وقيادتَها، وأن يُوفِّقَ الجميعَ لما يُحبُّه ويرضاه.

 

 

 

 

ترشيحاتنا