الثأر جريمة انتقامية، وموروث ثقافي، ارتبط بعادات قديمة وتقاليد جاهلية، لا فرق فيها بين جاهل أو متعلم، أمى أو مثقف، الغالبية تراه ضرورة لحفظ الكرامة، وتحقيق هيبة العائلة، أو الحفاظ على مكانتها الاجتماعية.. سلسلة من الغضب، أولها جهل، وآخرها دم، بل سلسال من الدم لا نصل إلى نهايته، قد تطول «الجانى» أو تصيب أبرياء يدفعون ثمن إثم لم يقترفوه، إنها جريمة يأباها الدين، ويرفضها الشرع، وتعف عنها الفطرة السليمة.
ثار مقتل د. محمد عبدالحليم، الباحث بمرصد الأزهر، فى نزاع على قطعة أرض داخل قريته بمحافظة أسيوط، وإصابة عدد من أفراد أسرته، حاله من الحزن داخل مؤسسة الأزهر الشريف التى نعت الفقيد، وأشادت بجهوده العلمية والبحثية، وطالبت بضرورة حل النزاعات بالتفاهم بعيدا عن العنف والسلاح.
«اللواء الإسلامي» سلطت الضوء على ظاهرة الثأر، وأسبابها، وسبل علاجها، وموقف الشرع منها.
فى البداية يدين د. عباس شومان، الأمين العام لهيئة كبار العلماء بالأزهر، رئيس اللجنة العليا للمصالحات، يد الغدر التى طالت الفقيد د. محمد عبدالحليم، الباحث بمرصد الأزهر، متمنيا من الله عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، مؤكدا أن الراحل عُرف بين زملائه داخل المرصد، وجامعة الأزهر التى يعمل مدرسا بها، بحسن خُلقه، وتفانيه فى رسالته العلمية، كما كان مثالا يحتذى به فى تحليه بالأخلاق الطيبه، وتسامحه، فضلا عن جهوده لدعم مبادرات الأزهر الشريف الداعية إلى القضاء على الخصومات الثأرية، ونشر قيم التسامح والمحبة بين أفراد المجتمع.
ويدعو د. شومان كل الشرفاء داخل المجتمع إلى ضرورة التحلى بأخلاق المصطفى صلى الله عليه وسلم، وإرساء قيم التسامح، والبعد كل البعد عن كل ما يهدد الآمنين وينال من أعراضهم ودمائهم، مؤكدا أن الثأر آفة بغيضة واستمرارها يهدد السلم والأمن المجتمعى، لذا يجب الخلاص منها، وترك الأمر ليد القضاء للقصاص من الجانى، والضرب بيد من حديد لكل من تسول له نفسه تهديد حياة الآخرين.
جهود مكثفة
ويؤكد د. شومان أن اللجنة العليا للمصالحات بالأزهر الشريف تبذل جهودا مكثفة وعلى نطاق واسع فى مختلف محافظات الجمهورية وخصوصا محافظات الصعيد، لإنهاء كل الخصومات الثأرية التى تصل إلى اللجنة أو التى تتعرف عليها، والعمل بكل جِد وإخلاص للقضاء على ظاهرة الثأر المقيتة، لافتا إلى أن اللجان الفرعية بالمحافظات تعمل بشكل مستمر لحصر الخصومات وعقد جلسات متواصلة مع أطراف الخصومات لإنهائها، وهو ما يتوج بعقد الجلسات المعلنة للصلح، وذلك بالتعاون مع مختلف الجهات المعنية بالمحافظات.
ويشير د. شومان إلى أهمية جهود لجنة المصالحات فى إرساء قيم الإسلام الحنيف ودعائم الأمن والاستقرار والطمأنينة بين أفراد المجتمع ونزع الغل والشحناء من النفوس، جنبا إلى جنب مع جهود مؤسسات الدولة، ودفع عجلة التنمية والنمو، فالمجتمع اليوم أحوج ما يكون إلى العمل والإخلاص والإتقان ونبذ كل أشكال الفرقة والخلاف، مؤكدا أن اللجنة ستبذل كل ما فى وسعها خلال العام الجارى لإنهاء جميع الخصومات التى تصل إليها، فاللجنة تحظى بدعم كبير من الإمام الأكبر د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، ومشاركة وزارات الداخلية والتنمية المحلية والتضامن الاجتماعى والجهات والهيئات المعنية والحكماء وعمد ومشايخ البلاد، كما أن إدخال التحول الرقمى فى عمل اللجنة أسهم بشكل فعال فى تسهيل تسجيل الخصومات على الموقع الإلكترونى للجنة، وسرعة حصرها والتعامل معها، وعمل تحليل للبيانات لوضع الخطط الفاعلة التى تكفل الوصول إلى تحقيق أهداف اللجنة.
عادات موروثة
ويقول د. السعيد المصري، أستاذ علم الإجتماع بجامعة القاهرة، إن الثأر هو قضية ترتبط بالعادات والتقاليد الموروثة والقناعات عبر الأجيال المختلفة، كما أنه ظاهرة تحتاج إلى قدر من الوعى الدينى والإجتماعى، بسبب الفهم الخاطئ عند الكثيرين وتعاملهم مع الثأر على أنه قصاص شرعى لا غبار عليه، ويتناسون أن القصاص له شروط محددة أولها الطرق القضائية المختصة التى تحدد طريق القصاص وفقا للقانون، مؤكدا أن الوعى الدينى، والمجتمعى، وكذا الأخلاقى، من الأمور المهمة للقضاء على هذه الظاهرة، وعلى من يسلكون هذا الطريق أن يعوا جيدا أن ما يطبقونه بأيديهم ليس هو القصاص، والجهات المختصة وحدها المنوط بها تحقيق العدالة وحماية الأشخاص، وليس شريعة الغاب.
ويوضح د. المصرى أن تطبيق العدالة الناجزة وسرعة الفصل فى قضايا القتل وغيرها أول الحلول، للقضاء على هذه الظاهرة، مؤكدا أن القضاء الناجز يلبى طموح أهل الضحية، ويقضى على النار التى تحرق قلوبهم بفقد ذويهم، كما أن ذلك يعزز فى أنفسهم ثقتهم الكبيرة فى القانون والقضاء، فضلا عن دور رجال الدين وأئمة المساجد فى توعية الناس وتحذيرهم من اقتراف هذه الأفعال، والتأكيد على ضرورة احترام القانون والامتثال لأوامره.
غياب الوعى
ويقول د. المصري، إن هناك عدة أسباب لهذه الظاهرة من بينها انعدام الثقافة والتعليم، وعدم الوعى بالقيم الاجتماعية وانتشار مقولة «شرف العائلة»، خاصة بين أهل الصعيد، بسبب عاداتهم وتقاليدهم، التى تربو عليها، وعدم اعترافهم بالسجن للقاتل، بل ضرورة إزهاق روحه تحت ذريعة أن القبر أضيق بكثير من الزنزانة، موضحا أن سيكولوجية القاتل يصعب دراستها وفهم ما يدور بداخلها لأن ذلك سرا لا يفشى، والشخص العادى من السهل أن يتحول إلى قاتل، عندما يضعف ولا يستطيع كبح جماح نفسه، حين يسمح للغضب أن يتمكن منه ويدفعه إلى الانتقام، وذلك فى غياب العقل الذى يتحكم فى الأفعال، ويحرك المشاعر داخل الإنسان.
ويشيرد. المصرى إلى أن أكثر أنواع الثأر، سببها فقدان السيطرة على النفس وعدم قدرة الشخص على التحكم فى أفعاله، فمن الطبيعى أن يشعر الشخص بالنصر بعد أن أشبع رغبات نفسه بالحصول على الثأر لأنه يكون بذلك قد حقق شعورا زائفا فور سقوط العدو، لكنه فى حقيقة الأمر يحتاج إلى الشفقة بسبب فعله الآثم الذى يقود فى كثير من الأحيان إلى الشعور بالندم، وجلد الذات.
القضاء على الظاهرة
من جانبه يؤكد د. شريف عوض، أستاذ الاجتماع، بجامعة القاهرة، أن تجفيف منابع ظاهرة الثأر يكمن فى فرض الدولة لهيبتها، والعمل على خلخلة أسباب استمرار وتفاقم الخلافات والنزاعات المرتبطة بقضايا القتل مع قيام الأجهزة الأمنية بدورها على أكمل وجه، مشيرا إلى أنه من الضرورى أن تضع الدولة حدا لمرضى النفوس ممن يتسببون فى توسعة الخلافات بين العائلات، كما يجب تفعيل دور الإعلام والمثقفين فى توعية المجتمع بخطورة قضايا الثأر وما ينتج عنها من مآس للحد من اتساع مثل هذه الظاهرة، وكذا فرض هيبة الدولة وإلزام القضاء بسرعة الفصل فى قضايا المواطنين مع ضرورة قيام الشخصيات العامة والوجهاء بواجبهم، وتكثيف دورهم الإجتماعى كونهم الأقرب للمجتمع ولديهم الخبرة كمتابعين لمسببات ونتائج قضايا الثأر كلا فى منطقته وبلده، مؤكدا أن كل ذلك سيسهم فى حل قضايا الثأر وتجنيب الوطن والمواطن ويلات ومآسى هذه الظاهرة البغيضة.
غياب الوازع الديني
ويرى د. مختار مرزوق، العميد الأسبق لكلية أصول الدين، وعضو لجنة المصالحات، أن أسباب تفشى هذه الظاهرة يرجع إلى ضعف الوعى الاجتماعى لدى أفراد المجتمع وخصوصاً أبناء الصعيد الذين يعتبرون الأخذ بالثأر من العادات المشرفة للعائلة وهذا غير صحيح، فضلا عن ضعف الوازع الدينى لدى أفراد المجتمع، وإطالة فترات التقاضى لدى المحاكم لعدة سنوات، مؤكدا أن تجاهل هذه الظاهرة منذ قرون وعدم معالجة أسبابها أسهم فى تفشيها بين أوساط المجتمع، ولكن فى عهد الرئيس السيسي، وتوجيهاته الرشيدة للقضاء على مثل هذه الظواهر، تم القضاء على الكثير من هذه الخصومات الثأرية داخل القرى والنجوع، تحت إشراف لجان المصالحات الشعبية وتوجيهات الأجهزة الأمنية، التى قامت بدور مهم للغاية فى دعم مبادرات الصالح وتأمينها، فضلا عن المشاركات الأمنية المكثفة فى إتمام الصلح بين العائلات.
ويضيف د. مرزوق أن لجنة المصالحات بالأزهر الشريف أسهمت أيضا بشكل كبير فى تجفيف منابع هذه الظاهرة وذلك بحل العديد من قضايا الثأر السابقة بين عدد من العائلات وبعضها بصورة نهائية، وهو ما يؤكد التوجه الجاد والحثيث لقيادتنا الحكيمة للحد من هذه الظاهرة وتجفيف منابعها، مشيرا إلى أن دور القيادات الأمنية ورجال الأزهر والشخصيات العامة فى القضاء على ظاهرة الثأر يعتبر من الأدوار التى لا يستهان بها، كونهم العنصر الفعال فى تحقيق الاستقرار والأمن والسلم الاجتماعي، وذلك من خلال قيامهم بحل عدد كبير من مشاكل وقضايا المجتمع عن طريق التحكيم والصلح القبلي، ونشر الوعى المجتمعى والأعراف القبلية الصحيحة بين أفراد العائلات وتجريم هذه الظاهرة كونها من نعرات الجاهلية ولا تمت للقبلية والدين الإسلامى الحنيف بأية صلة، داعيا إلى ضرورة تضافر الجهود لمواجهة ظاهرة الثأر والنزاعات الداخلية وبناء نسيج مجتمعى قوي.



