27 عامًا على رحيله.. إمام الدعاة لا يزال حيا في القلوب

الشيخ الشعراوي رحمه الله
الشيخ الشعراوي رحمه الله

لم يكن شيخًا تقليديًا يجلس على مقعد وعظ، بل كان صاحب «خواطر» تمسّ القلوب قبل العقول، وتنزل على الأرواح بردًا وسلامًا، إنه الشيخ محمد متولي الشعراوي، العالم الذي إذا فسّر آيةً، أبكاك قبل أن يقنعك، وإذا صمت، ترك فراغًا لا يُملأ.

مرت سبعة وعشرون عامًا على رحيله، لكن صوته ما زال يطرق البيوت، وفكره حاضر في الأذهان، ووجهه الباسم محفور في ذاكرة وطن.

في قرية دقادوس بمحافظة الدقهلية، وُلد الشيخ محمد متولي الشعراوي عام 1911 الطفل ريفي حفظ القرآن الكريم كاملًا قبل أن يتم العاشرة من عمره، وكان الكُتّاب أول مدرسة، والقرآن أول صديق، كما قال في مذكراته: «حين أحفظه كنت أشعر أنني أتحرك داخل النور».

بداية الرحلة

 

بدأت رحلته العلمية بالأزهر الشريف، حيث التحق بكلية اللغة العربية، وتخرج فيها عام 1941. وخلال تلك السنوات، واجه أزمات مالية حادة كادت توقف مسيرته، لكن القرآن كان ملاذه، يقول: «كلما ضاقت بي الدنيا، قرأت آيات الصبر والفرج، وكنت أستشعر قول الله تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجًا}».

رُشّح الشيخ الشعراوى لاحقًا ضمن بعثة إلى السعودية، لكنه رفض في البداية السفر بسبب مرض والدته، فتم تجميد ترقيته، وبعد وفاتها، انتقل إلى مكة وعمل أستاذًا في كلية الشريعة، وكانت محنته بداية اتصال أعمق بكتاب الله، فكتب في مذكراته: «قرأت سورة يوسف، فوجدت فيها عزاءً لكل من ابتُلي ظلمًا».

وفي السبعينيات، بدأ برنامج «خواطر إيمانية» على شاشة التليفزيون المصري، وكان بمثابة ثورة روحية في بيوت المصريين، ورغم نجاحه الجماهيري، تعرض لانتقادات فكرية من بعض المثقفين، فكان رده واضحًا: «أنا لا أفسر القرآن، أنا أعيش معه».

وحين تولى وزارة الأوقاف في عهد السادات، اصطدم بعالم السياسة، ورفض تقديم تنازلات في مواقفه، حتى أنه رفض أن يُكتب اسمه على مباني الوزارة باعتبارها مالًا عامًا لا يجوز التفاخر به، كما أوقف مشاريع ترف لا تخدم الغرض الدعوي، ووجه الموارد لدعم الأئمة وتحسين أوضاع المساجد، إلا أنه استقال بعد أقل من عامين، قائلًا: «المنصب لا يغريني، ما يغنيني هو رضا الله».

 

حالته الصحية بسبب أمراض في الرئة والقلب، ولكنه رفض التوقف عن مجالس التفسير وتلاوة القرآن، وكان يقضي ساعات طويلة في خلوة شبه يومية داخل غرفة خصصها للقرآن فقط، لا يدخلها أحد.

يوم الرحيل

وبحسب رواية نجله عبد الرحيم الشعراوي في لقاء تليفزيونى موثق، قال: «أبي في أيامه الأخيرة كان لا يغادر غرفته إلا للصلاة، وكان وجهه مشرقًا على غير العادة، وكأن نورًا خفيًا يحيط به» وقبل وفاته بيومين نقل عبد الرحيم عن والده: «قال لي: رأيت أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب في المنام، كأنهما جاءا ليبشّراني». وأضاف أن والده قال له بنبرة يقين: «أنا على موعد مع من كنت أحبهم.. وكتاب الله لا يفارق لساني حتى ألقاه».

روى حفيده أحمد محمد متولي الشعراوي أن الشيخ أوصى بدفنه في قريته دقادوس في مقبرة العائلة، وأن يُصلى عليه صلاة الجنازة في مسجد القرية لا في مسجد رسمي كبير، وألا تُكتب على قبره ألقاب مثل «الإمام» أو «الشيخ»، بل يكتب: «هذا عبدٌ قرأ القرآن، وعلّمه، ورجا من الله القبول» ونفذنا الوصية بدقة، وشارك في جنازته الآلاف من محبيه من مختلف أنحاء مصر والعالم الإسلامي، وسط مشاعر حزن ممزوجة بالسكينة، وكأن الراحل ترك معهم روحًا لا تُفارقهم.

كانت وفاة الشيخ الشعراوي يوم الاثنين 17 يونيو 1998 عن عمر ناهز 87 عامًا، وهو يتلو من كتاب الله، وابتسامة هادئة تعلو وجهه، كما وصفها أفراد أسرته. لم تكن نهايته صمتًا، بل كانت بداية لسيرة خالدة يُستعاد فيها صوت «خواطره» كل يوم.

 

ترشيحاتنا