إلى السيدات والسادة الكرام قراء اللواء الإسلامي، إلى شعب مصر الأبيّ، إلى أبناء الأمتين العربية والإسلامية، إلى كل إنسان في الوجود، إلى كلّ قلبٍ يتوق إلى النور، وكلّ روحٍ تشتاق للهداية، مرحبًا بكم في رحلةٍ جديدة من رحاب القرآن الكريم، حيث نغوص في أعماق معانيه، ونبحر مع آياته العظيمة، ونستضيء بنوره، ونتزوّد من هدايته، ونستلهم نفحاته ورحماته.
في هذه المقالة، نُبحر معًا في أنوار الجزء السادس من القرآن الكريم، نستخرج منه اللؤلؤ والمرجان، ونتأمل في عجائب أنواره وحِكمه الإلهية، التي أودعها الله سبحانه وتعالى في هذا الكتاب المعجز.
إلى هذه القيم، التي نقتبس الأولى والثانية منها من خلال هذه الآيات:
"وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ" (المائدة: ١١٦)،
إلى أن يتمم سيدنا عيسى بن مريم ـ عليه السلام ـ شهادته بين يدي الله - جل جلاله - فى موقف الحشر الأعظم، حينئذٍ يصدر الله تعالى الحكم النهائي، الحكم الإلهي الذي قدر به لنا فى الدنيا ليعظم قيمته، وهي قيمة الصدق، قال الله تعالى:
"قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" (المائدة: ١١٩).
وإذا تأملنا مواضع النفع فى القرآن الكريم وجدناها تأتي فى هذه القيم: القلب السليم، ظاهرًا وباطنًا؛ صدق اللسان وطُهر القلب، فاحفظوا هذه الكلمات الثلاث: الصدق، والنفع للناس؛
أما الصدق، فيكفي أن الله - جل جلاله - اختار من أخلاق سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم في بداية دعوته إلى الله أن عرف بالصادق الأمين. وقال صلى الله عليه وسلم:
"إنَّ الصِّدْقَ يهدِي إِلَى البِرِّ، وإنَّ البِرَّ يَهْدِي إِلَى الجَنَّةِ، وإنَّ الرَّجُلَ ليَصْدُقُ وَيَتَحرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وإنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا".
إذًا، هذا هو الصدق، فعظموا قيمة الصدق، وهذا أولًا.
ثانيًا: عظموا قيمة النفع للناس، لأن المصطفى صلى الله عليه وسلم قال:
"خَيرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ".
وسُئل عليه الصلاة والسلام يومًا: "يَا رَسُولَ اللهِ، أيُّ النَّاسِ أحبُّ إِلَى اللهِ، وأيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى الله؟" فَقَالَ: "أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُم لِلنَّاسِ".
فعظموا قيمة نفع الناس جميعًا. إياكم أن تضروا، إياكم أن تؤذوا الناس، إياكم أن تتسلطوا، إياكم أن تتنمروا.
أما القيمة الثالثة فنجدها فى قول الله تعالى: "وَلَهُ مَا سَكَنَ فِى اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" (الأنعام: ١٣)، وتعني أن كل شيء موجود فى بياض النهار وضوء النهار، وكل شيء موجود يستره ظلام الليل، فهو ملك للحق جل جلاله، ملك خالص وعبد للحق جل جلاله، جمادًا أو إنسانًا أو حيوانًا أو نباتًا، كل ما يغطيه الليل أو النهار فهو لله، يعني خلقًا لله، يعني عبدًا خاضعًا لله. فالقيمة هنا هي الاستسلام والسكون التام للخالق سبحانه؛ ولذلك كان بعض العارفين يقول:
"أقامك في الحركات ولم يرض منك إلا بالسكون إليه".
وأما القيمة الرابعة فنجدها فى قول الله تعالى: "قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ" (الأنعام: ١٩)،
والقيمة هنا أن كل شيء؛ كل عملك؛ كل حالك لله وحده، لأنه الأكبر والشاهد والمعين، والمتقبل لما تقدم؛ لذا فأهل الله يعملون هكذا، الواحد منهم مع رب العالمين فى كل حال، يطرب لكلام رب العالمين، ربنا يقول لي: "قُلِ اللهُ"، يعني ربنا يعلمني أن أقول الله، ونمشي هكذا فى سورة الأنعام حتى آخر السورة فنجد ربنا تعالى يقول: "قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ" (الأنعام: ٩١)، والمعنى المراد: أن استعن على قضاء كل حوائجك باللجوء إلى الله.
ثم إلى القيمة الخامسة، التي نجدها في قول الله تعالى:
"وَهُوَ الَّذِى أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّٰتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ" (الأنعام: ٩٩).
والقيمة هنا هي قيمة التأمل والنظر في خلق الله تعالى، تعظيم قدرته، والدعوة إلى التأمل في القرآن كثيرة، "قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ" (العنكبوت: ٢٠)، يعني انظروا وتأملوا بداية الخلق كيف كانت، ويقول سبحانه:
"قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ" (الأنعام: ١١)
مرتان يقول: "قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (يونس: ١١٠)
وهنا يقول: "انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ" (الأنعام: ٩٩)
انظروا إلى ثمره إذا أثمر، يشد نظرك إلى الجمال، يشد نظرك إلى السماء، إلى النجوم وعلامات، وبالنجم هم يهتدون، يريدك - سبحانه - أن تراقب السماء وما فيها من الأفلاك، يريدك أن تخرج من ضيق نفسك إلى سعة الكون لترى دقة الخلق ودقة الصنع، ليمتلئ قلبك بالخشوع والرهبة، لتسجد بين يدي الله.
ويأتي هنا بعد ذكر النخيل، وبعد ذكر الرمان، وبعد ذكر الثمار وما أشبه، يقول:
"انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ"، يعني تأملوا ما أودعه الله في تلك الثمار من مشهد الجمال.
إلى هذه الدرجة يحرص القرآن على أن يملأ وعي الإنسان بالجمال، بشهود الجمال في الأكوان، بتأمل ما في الثمار من الجمال.
ثم إلى القيمة السادسة، التي نجدها في قول الله تعالى: "وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ" (الأنعام: ١٠٨)،
فإياكم أن تتهجموا على معتقدات وأديان الآخرين؛ فيتعدوا بدورهم على ما تعظمونه من المعتقد في الله تعالى، وفي رسوله - صلى الله عليه وسلم.
إياكم أن تتعالوا أو تتسلطوا على أحد أو تتسلطوا على معتقد أحد؛ بل كونوا رحمة ولطفًا وقدوة بأخلاقكم الحسنة.
وإلى لقاء يتجدد...



