بقلم : نصر خيري خضر
يشهد العالم اليوم ثورة معرفية هائلة وشاملة في كافة المجالات، وتغيرات وتحولات سريعة وكبيرة ومتلاحقة لم يسبق لها مثيل؛ نتيجةً للتطورات المعرفية، والتكنولوجية، والرقمية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي التي غدت السمة الأبرز لهذا العصر.
وبناءً على ذلك، أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، حيث امتدت تطبيقاته لتشمل كافة القطاعات الحيوية، ومن أبرزها: قطاع الصحة، قطاع الأعمال والاقتصاد، قطاع التعليم، بالإضافة إلى الخدمات اليومية المتنوعة.
اقرأ أيضا| ملاذ الروح في زمن المشتتات
ورغم الفوائد العديدة التي يقدمها هذا التطور، إلا أن اندماجه المتسارع في مجتمعنا يطرح تحديات عميقة قد تؤثر سلبًا على الصحة النفسية والديناميكيات الاجتماعية.
فقد أحدث ظهور أنظمة الذكاء الاصطناعي التفاعلية وبرامج الدردشة الآلية تحولًا جذريًا في كيفية تفاعل البشر مع التكنولوجيا، وهي الظاهرة التي تُعرف في الأوساط العلمية باسم "الحواسيب كفاعلين اجتماعيين" (CASA).
وفي هذا السياق، تباينت الآراء والنتائج البحثية؛ فبينما وجدت بعض الأبحاث أن برامج الدردشة الآلية قد تُحسّن الصحة النفسية من خلال تعزيز المشاعر الإيجابية، ودعم استراتيجيات التأقلم، وتشجيع السلوكيات الصحية، فضلًا عن الحد من الشعور بالوحدة؛ إلا أن هناك أدلة متزايدة تُشير في المقابل إلى أن الأفراد قد يُكوّنون ارتباطات نفسية حقيقية بالآلة، ويصلون إلى حد الاعتماد الكامل على هذه الكيانات الاصطناعية.
وفي هذا الصدد، كشفت دراسات حديثة أن ما بين 17.14% و24.19% من المراهقين يُصابون بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي بمرور الوقت. كما تُظهر الأبحاث باستمرار أن مشاكل الصحة النفسية تُنبئ بالاعتماد اللاحق على التكنولوجيا، حيث يُعدّ القلق الاجتماعي، والعزلة الاجتماعية، والاكتئاب من عوامل الخطر الرئيسية المؤدية إلى هذه العزلة الرقمية.
وعلى الرغم من تعدد مخاطر الذكاء الاصطناعي في هذا العصر، إلا أنه لا يمكن إنكار فوائده الجمّة في شتى المجالات؛ فتطبيقاته الحالية تمثل أدوات فائقة القوة تُعين الإنسان في مناحي حياته المختلفة وتُسهل أعماله. ونتيجة لهذه الازدواجية بين النفع والضرر، بات من الضروري والملحّ وضع أطر أخلاقية صارمة، وتطوير قوانين دولية تضمن استخدام هذه التكنولوجيا لصالح البشرية وحمايتها.
ومن هذا المنطلق، يجب عند تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي مراعاة القيم، والقيود، والأحكام الشرعية، والالتزام الصارم بالأخلاق الإسلامية، فضلًا عن تطوير التشريعات والقوانين المحلية والدولية المنظمة لهذا المجال وضبطها بضوابط الشريعة.
وفي ذات السياق الأخلاقي والشرعي، يجب أخذ الحيطة الشديدة والحذر التام من استخدام الذكاء الاصطناعي في إصدار الفتاوى؛ إذ لا يصلح بأي حال من الأحوال أن تقوم الآلة بدور المفتي الشرعي الذي يتطلب أبعادًا إنسانية وفقهية واعية.
وأخيرًا، يتوجب العمل على رفع مستوى الوعي لدى مستخدمي هذه التقنيات للحد من الأضرار الناتجة عن سوء الاستخدام، وهو ما يقع في قلب مفهوم الأمن السيبراني وحماية المجتمع.
خلاصة القول، إن الذكاء الاصطناعي يمثل سلاحًا ذو حدين؛ فهو يحمل في طياته آفاقًا واعدة لنهضة البشرية وتيسير حياتها، بقدر ما يحمل من مخاطر نفسية واجتماعية تهدد استقرار الأفراد والمجتمعات إذا أُسيء استخدامه أو تُرِك دون توجيه.



