بقلم : د. محمود هادي الشيخ
تعد قضية بسط الرزق، ونيل التمكين المادي، وعلو شأن أهل الكفر والمعاصي في الحياة الدنيا من أكثر المسائل التي تشكل هزة نفسية وفكرية لدى ضعاف الإيمان؛ إذ يقع اللبس لديهم بين "المحبة والرضا" وبين "العطاء والمنع".
والحقيقة الشرعية والكونية تؤكد أن العطاء الدنيوي ليس دليلاً على كرامة العبد عند ربه، كما أن الحرمان ليس علامة على هوانه.
ولعل من أبرز تجليات هذه الفتنة في عصرنا الحالي، الافتتان ببعض الرموز الرياضية أو الفنية من غير المسلمين الذين بلغت شهرتهم الآفاق، حتى يخرج من العوام من يقول: *"أكيد عمل في حياته حاجة حلوة وربنا بيكافؤه عليها في الدنيا، دا التفسير الوحيد المنطقي، الولد وكأنه عامل سحر للكورة!.
وهنا ، نفكك هذه القضية بالأدلة الشرعية والمنطق العقلي عبر ثلاثة محاور أساسية.
أولاً: الحكمة الإلهية من رفعة أهل الكفر والمعاصي في الدنيا
إن بسط الدنيا لأهل الكفر والذنوب لا يخرج عن دائرة المشيئة الإلهية المبنية على الحكمة والعدل، وتتجلى هذه الحكمة في عدة سنن ربانية:
سنة الاستدراج والإملاء
يفتح الله على أهل الغفلة أبواب الماديات والنعيم استدراجاً لهم، حتى إذا أخذوا بظاهر الحياة الدنيا واطمأنوا إليها، جاءهم أمر الله بغتة.
من القرآن الكريم: يقول الله تعالى:
«فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ»
من السنة النبوية: عن عقبة بن عامر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«إذا رأيتَ اللهَ يُعطي العبدَ من الدنيا على معاصيه ما يُحبُّ، فإنما هو استدراجٌ»
هوان الدنيا وحقارتها عند الله
النعيم الدنيوي فانٍ ولا يزن عند الله شيئاً، ولذلك يعطيه للمؤمن والكافر، بينما لا يعطي الدين والآخرة إلا لمن أحب.
من السنة النبوية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«لو كانتِ الدُّنيا تَعْدِلُ عندَ اللهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ ما سَقَى كافِرًا منها شَرْبَةَ ماءٍ» .
تعجيل الطيبات لهم في الدنيا
إن حدس العامّة بأن "الله لا بد أن يجازي من فعل خيراً" هو حدس صحيح في أصله العقدي؛ فالله عدلٌ مطلق لا يضيع عنده عمل عامل. لكن الكافر إن قدم نفعاً للبشرية، أو اتصف بالصبر والمثابرة، فإن الله يجازيه بـ عدله في الدنيا صحةً، ومالاً، وشهرةً.
من السنة النبوية: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً، يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ، لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا»
تفكيك المنطق العوامي (قانون الأسباب والسنن الكونية)
عندما ينبهر البعض بالعبقرية الرياضية للاعب بارع أو مبدع دنيوي، يميل العقل البسيط فوراً إلى البحث عن تفسيرات غيبية خفية، مغفلاً لسنن الله الكونية في الأسباب والمسببات:
الجزاء من جنس السعي الدنيوي
النجاح المادي مبني على قانون: "من جدّ وجد"، وهو قانون يسري على البر والفاجر. فهذا اللاعب البارع لم ينل نجاحه لمجرد مكافأة غيبية بحتة، بل عبر موهبة فطرية أودعها الله فيه، صقلها بالتزام صارم، وتدريب شاق لسنوات، ونظام صحي دقيق. والله تعالى يعطي نتائج الأسباب لمن يأخذ بها؛ فمن زرع حصد، كافراً كان أم مؤمناً.
من القرآن الكريم: يقول تعالى:
«كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا»
الميزان الحقيقي لقيمة الأشياء
إن أكبر خطأ يقع فيه ضعيف الإيمان هو جعل "كرة القدم" أو "الشهرة الرياضية" معياراً لعظمة الإنسان. فكرة القدم في نهاية المطاف لعبة ترفيهية، وإتقانها مهارة جسدية حركية هذه المهارات ليست هي الغاية من خلق البشر، ولا تزن عند الله خردلة في ميزان القيم الحقيقية التي تبنى عليها السماوات والأرض كالتوحيد، والعدل، وعمارة الأرض بالخير.
فقه السلف الصالح ونهي القرآن عن الاغترار
لقد عالج الوحي وأقوال السلف هذه الفتنة النفسية بأعلى درجات الوضوح:
نموذج قارون في القرآن الكريم: صور القرآن الكريم هذا الافتتان المادي أدق تصوير حين انقسم الناس أمام زينة قارون إلى فئتين:
«فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ»**
وجاء رد أهل العلم والإيمان ليرسخ الميزان الحقيقي:
«وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا»
النهي الرباني الصريح: يقول تعالى:
«لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ»
موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه:حين بكى عمر رأفة بحال النبي ﷺ وتأثراً بتنعم كسرى وقيصر، قال له النبي ﷺ مهدئاً وموجهاً:
«يا ابن الخطاب، ألا ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟».
أثر الحسن البصري رحمه الله: كان يقول محذراً من الاغترار بمظاهر أهل المعاصي:
«إنهم وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين، فإن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه».
خاتمة المقال
إن الميزان الحقيقي لرفعة العبد وسقوطه هو التقوى والعمل الصالح، وليست ثروات الأرض ولا جاه المناصب ولا مهارة الأقدام.
والمؤمن الحق يرى هذا الإبداع البشري والمهارة الفائقة فيشكر الله على بديع خلقه للمخلوقات، لكنه لا يخلط أبداً بين إعجابه باللعبة وبين موازين العقيدة والآخرة. فالدنيا مزرعة الآخرة، ومن غرس فيها المعاصي والكفر فإن حصاده في الآخرة ليس سوى الندم والخسران.



