بقلم : د . محمد سالمان
يمثّل العصر المملوكي واحدا من أزهى العصور في الفنون فقد ترك لنا تراثنا ضخما في فنون العمارة، فمازالت المساجد والأسبلة المملوكيّة شاهدة على عظمة هذا العصر إلى اليوم ومن يمشي في شوارع القاهرة القديمة يجد في كلّ شارع وكلّ زقاق أثرا مملوكيّا يمثّل آية من أيات الفن والإبداع، ومع ذلك هو عصر ظلمه مؤرخو الثقافة العربية، حين اعتبروه عصر اضطراب سياسي وتخلّف ثقافي، مع أنه أثمر كثيرا من المؤلّفات الموسوعيّة التي حفظت أصول الثقافة العربية على امتداد القرون السابقة، وجاءت تلك المؤلّفات في صورة متكاملة، لم تعرفها العربية من قبل.
اقرأ أيضا| " شرح نهج البلاغة " لابن أبي الحديد ( 1- 2 )
تميّز العصر المملوكي عن غيره من العصور بظهور الموسوعات مثل "صبح الاعشى" للقلقشندي ، و"مسالك الأبصار" للعمري، و "نهاية الأرب" للنويري.
والحقّ أن ظهور المؤلّفات الموسوعيّة ونضوجها خاصة في العصر المملوكي له كثير من الأسباب يُكمل بعضها بعضا، منها ما يتصل بالبيئة المصرية نفسها حيث إنها بيئة لها تاريخ قديم في هذا النوع من التأليف، منها الطبيعة العربية في التأليف وتنوّع الموضوعات في المؤلّف الواحد ككتاب "عيون الأخبار" لابن قتيبة وغيره، ومنها ما هو سياسي يتصل بالأحداث التي ألمّت بالخلافة الإسلامية ببغداد على يد المغول، وما أُصيبت به بغداد ومكتباتها من تخريب وتدمير، حمل ذلك العلماء المسلمين على الهرب إلى مصر احتماء بها من الغزو المغولي، مما كان سببا في نشأة بيئة تموج بالعلماء في شتّى التخصّصات، وهو ما أنتج كثيرا من المؤلّفات من بينها الموسوعات العربية، فقد أراد هؤلاء العلماء الحفاظ على التراث العربي عن طريق حشد المعارف والثقافة في مؤلفاتهم خشية الضياع كما ضاعت في بغداد من قبل ومحاولة لحفظ هذا التراث العربي من الاندثار ، يُضاف إلى ذلك أيضا تطوّر العلوم والمعارف العربية القديمة وبلوغها درجة عالية من التطور الفكري وتنوعها الثقافي كلّ هذه الأشياء مهّدت لنشأة المؤلّفات الموسوعيّة .
ويمثّل كتاب "نهاية الارب في فنون الأدب" واحدا من أهمّ المؤلّفات الموسوعيّة ، وهو صورة واضحة المعالم لما تميّز به العصر المملوكي، كما يمثّل صورة لما آلت إليه الثقافة العربية .
أما النويري فهو شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدائم. قرشي بكري، يرجع نسبه إلى أبي بكر الصديق وُلد عام ٦٦٧هـ بأخميم في صعيد مصر عالم بحّاث غزير الاطلاع.
درس في القاهرة وأزهرها، وتخصَّص في دراسة الحديث والسير والتاريخ، واشتغل في صدر حياته في نسخ صحيح البخاري، ونسخ منه سبع نسخ، فكان يكتب النسخة من الصحيح ويبيعها بألف درهم ( الدرر الكامنة ٢٠٩/١) وعمل في بلاط السلطان الناصر محمد بن قلاوون، ونال حظوة لديه، ومارس الكتابة والحسبة، تولّى جيش طرابلس الشام، وشارك في الحرب ضد المغول، فاكتسب بذلك معرفة موسوعيّة متكاملة جغرافيّا وتاريخيّا واجتماعيّا وعسكريّا، مما جعلته يحشدها في مصنّفه الفريد "نهاية الأرب" .
ويبدو أنه توقّف عن نسخ البخاري وابتعد عن الوظائف الإدارية وتفرّغ للأدب وكتابة موسوعته التي أتمها في ثلاثين جزءا وباعها بخطه بألفي درهم .
لم يكن النويري في بادئ الأمر مهتما بالأدب إنما جعل صناعة الكتابة - كتابة الديوان والإنشاء - هي كلّ همّه، فبرع فيها آية براعة، ثمّ مالبث أن غيّر رأيه وسأل الله أن يُبدله ما هو خير منها، ولعلّ النويري كان يقصد بالأدب الثقافة بمفهومها الواسع الذي يضمّ الآداب والفنون والعلوم وتشمل الأقسام الخمسة التي قسّم كتابه إليها، واستجاب الله لدعائه ويسّر أمره وشرح صدره فتحوّل إلى عشق الأدب ومخالطة الأدباء والعلماء، ففتح الله عليه بكتابة "نهاية الأرب".
كان هدف النويري من الكتاب أولا حصول المتعة الشخصية كلّما همّ بمطالعته، وكذلك الاعتماد عليه في معلومات إذا احتاج إليها يوما ما، إضافة إلى الفائدة العامة لدى قارئه .
يبدو أن النويري بدأ تصنيفه للكتاب عام ٧١٢ هـ أي بعد عودته من الشام واستقراره بالقاهرة، ويبدو أيضا أن كتابه اشتُهر بين العلماء قبل أن يفرغ الرجل من نهايته ففي حوادث عام ٧٢١ هـ توفى أحد أصدقائه وهو القاضي مجد الدين أحمد بن معين الدين بالفيوم، وكان هذا الرجل قد أرسل إلى النويري مرّة يلتمس أن يقف على مقدّمة الكتاب، فأرسل إليه النويري المجلّدة الأولى، وكذلك ذكره كتّاب التراجم من معاصري النويري كالإدفوى، وابن أيبك الدواداري، وغيرهم .



