أعلام العرب 6 - معاوية للأستاذ إبراهيم الإبياري

د. شعبان عبد الجيِّد
د. شعبان عبد الجيِّد

بقلم: د. شعبان عبد الجيِّد

معاوية بن أبي سفيان [20ق.هـ/60هـ] من أبرز الشخصيات التي اختلفت فيها آراء المؤرخين، قدامى ومعاصرين، ومال كثيرٌ منهم إلى التعريض به والنيل منه؛ نال منه أصحابُه، وهم من الصحابَة، فاتهموه بما يشينه في دينه، ومضى الرواة في أثرهم ينقلون عنهم أحاديث جاء بعضها في ذمِّه.

وتجد أثر ذلك في كتاب " مثالب معاوية بن أبي سفيان بالأسانيد الصحيحة" لحسن بن فرحان المالكي، وهو ما دفع مؤرخًا مثل الإمام أحمد بن حجر الهيثمي لينبري للدفاع عنه ويبرئه مما اتُّهِم به ويخصه بكتابٍ سمَّاه: تطهير الجَنان واللسان عن التفوُّه بثلب سيدنا معاوية بن أبي سفيان؛ وإن كان قد أسرف في الدفاع عنه إسرافًا زاد عن حده فكاد ينقلب إلى ضده.

 

أقرأ أيضا : أربعةُ كُتُبٍ عن السيِّد أحمد البدوي (6)

 

ولعل هذا ما جعل الأستاذ إبراهيم الإبياري [1902/1994]، وهو أديبٌ موسوعي صاحب مؤلفات وتحقيقات متنوعة، يخرج عنه كتابه القيِّم: (معاوية بن أبي سفيان: الرجل الذي أنشأ دولة)، وهو الكتاب السادس في سلسلة أعلام العرب. ومن الخير لقارئه أن يطالع لمؤلفه نفسه كتابيه الشائقين " ميلاد دولة" و "مغيبُ دولة" عن عصر الخلافة الأموية؛فهو يرى أن الحديث عن معاوية لا يبدأ بمعاوية؛ بل لا بدَّ أن يسبقه حديثٌ آخرُ يمتد إلى الماضي شيئاً ما، ينتظم ما كان له أثرٌ في حياة معاوية، وما لم تستطع حياةُ معاويةَ أن تخلُصَ منه، أو أن تمضيَ غيرَ متأثرةٍ به... كما سوف ينتظم بعد هذين شيئاً ثالثاً هو أثر معاوية فيما بعده؛ فلقد اجتمعت لمعاوية من ماضيه أسبابٌ هيَّأ بها لحاضرِه وأمَدَّ بها مستقبلَه؛ فلولا معاوية ما ذُكِرَ لهذا البيت الأُمويِّ ماضٍ ولا امتدَّ له مستقبل. من أجل ذلك، والكلام للأستاذ الإبياري، "كان معاويةُ عظيماً من العظماء، ومن أجل ذلك كان معاوية رجلاً من الرجال الذين عرفهم التاريخ، وكانت سيرته من السير التي يجب أن يعرفَها الناس".

وقد عرض الأستاذ الإبياري معاويةَ في كتابه عرضًا جامعًا، من مولده إلى مماته، لم يترك له شيئًا ذا بالٍ يدخلُ في تاريخه، ويفيد منه هذا التاريخُ، إلا ذكرَه وعقَّبَ عليه. وقد صرح بطريقته ومنهجه في آخر الكتاب حين قال: "لقد أردتُ أن أكشفَ عن الأحداثِ، وأعلل ما يقع، قد أصيبُ وأخطئ، والمتناول للتاريخِ يجب ألا يترك التاريخَ دون رأيٍ منه يعقِّبُ به، لا يضيره أن يباعد الرأي أو يقارب، ولكنه مطالَبٌ بهذا إن كتب، وإلا فليمسِك قلمَه".

وقد اختار إبراهيم الإبياري عنوانًا دالًّا: «الرجل الذي أنشأ دولة»؛ فلم يقل: الخليفة، ولا الصحابي، ولا الملك، لأن غايته لم تكن أن يخوض في معارك الألقاب، وإنما أن يلفت النظر إلى الإنجاز الحضاري الذي تمثّل في إنشاء جهازٍ سياسي وإداري استطاع أن يحفظ وحدة الدولة الإسلامية بعد سنوات الفتنة.ويمتاز منهجه بأنه منهج تاريخي تحليلي، لا يقف عند ظاهر الرواية، بل يحاول تفسير الحوادث وربطها بأسبابها ونتائجها. فهو لا يكتفي بسرد الوقائع، وإنما يبحث عن القوى التي صنعتها، ويستنبط من خلالها ملامح الشخصية السياسية لمعاوية، فيقدمه رجلًا واسع الحيلة، بعيد النظر، شديد الإدراك لطبيعة البشر وتقلبات السياسة.

 

أقرأ أيضا : كيف نفهمُ اليهود؟!

 

كما يتسم الكتاب بالاعتماد على المصادر التاريخية الإسلامية القديمة، مع محاولة الموازنة بين الروايات المختلفة، والاقتصاد في نقل الأخبار التي يغلب عليها الطابع الجدلي أو المذهبي. ولذلك فإن المؤلف يوجه اهتمامه إلى ما اتفقت عليه المصادر الكبرى، ويجعل الوقائع منطلقًا للتحليل، لا مادةً للخصومة.

ومن أبرز سمات منهجه أيضًا أنه يدرس الدولة أكثر مما يدرس الفرد؛ فمعاوية عنده ليس بطلًا منفصلًا عن عصره، بل هو مؤسس نظام سياسي جديد، ولذلك أفاض في الحديث عن تنظيم الإدارة، وإنشاء الدواوين، وتطوير البريد، وبناء الأسطول، وإحكام الولايات، وتثبيت الأمن، حتى تبدو الدولة في صفحات الكتاب كائنًا حيًّا ينمو مع نمو خبرة مؤسسها.

ولم يغفل الإبياري الجانب الإنساني في شخصية معاوية؛ فتحدث عن حلمه المشهور، وسعة صدره، ومرونته السياسية، ودهائه الإداري، مبينًا أن القيادة ليست قوةً مجردة، وإنما هي مزيج من الصبر، واللين، وحسن اختيار الرجال، ومعرفة النفوس.

أما أسلوب الكتاب، فهو أسلوب عربي رصين، يجمع بين سلامة العبارة ووضوح الفكرة، بعيد عن التكلف، قريب من لغة المؤرخين الأدباء، فلا يغرق في الزخرف البلاغي، ولا يجف جفاف السرد الأكاديمي، بل يوازن بين البيان والدقة، حتى يخرج النص ممتعًا للقارئ العام، ونافعًا للباحث المتخصص.

ولئن كان المؤلف قد مال إلى إبراز الجوانب الإيجابية في شخصية معاوية، فإن هذا الميل لا يحول الكتاب إلى مرافعة عاطفية، بل يجعله قراءةً تنطلق من رؤيةٍ تاريخية ترى أن الدول لا تُبنى بالشجاعة العسكرية وحدها، وإنما تبنى كذلك بالحكمة والتنظيم والإدارة.

    ولا أنسى في نهاية هذه الكلمة أن أشير على القارئ الكريم أن يعود إلى كتاب (معاوية بن أبي سغيان في الميزان) للأستاذ العقاد، وقد صدر في سلسلة كتاب الهلال في يناير سنة 1956. وأظنه، هو وكتاب الأستاذ إبراهيم الإبياري، من أفضل ما كُتب عن معاوية في العصر الحديث.
 

 

طقس القاهرة اليوم
?? --°م
جاري التحميل...

أسعار العملات مقابل الجنيه المصري

العملة سعر الصرف
🇺🇸 الدولار الأمريكي (USD) جاري التحميل...
🇪🇺 اليورو الأوروبي (EUR) جاري التحميل...
🇸🇦 الريال السعودي (SAR) جاري التحميل...
🇦🇪 الدرهم الإماراتي (AED) جاري التحميل...
🇰🇼 الدينار الكويتي (KWD) جاري التحميل...
* الأسعار يتم تحديثها تلقائياً عالمياً وموجهة إرشادياً

أسعار الذهب والفضة في مصر اليوم

البيان (جرام) السعر التقريبي
✨ ذهب عيار 24 جاري الحميل...
👑 ذهب عيار 21 (الأكثر طلباً) جاري التحميل...
🔸 ذهب عيار 18 جاري التحميل...
🥈 فضة عيار 925 (خام) جاري التحميل...
* الأسعار عالمية وتُحسب بناءً على الصرف الفوري بدون مصنعية