- ما حكم تناول سيرة الشخص الذي يرتكب المعاصي بقصد التشويه والتشهير؟
- لا شك أن مقارفة الذنوب والوقوع فى المعاصي ليس ببعيد عن الطبيعة الإنسانية؛ فكل إنسان معرض لشيء من ذلك قل أو كثر، ولكن الإصرار على الذنوب وعدم التوبة منها وخيم العواقب، سيئ الآثار فى الدنيا والآخرة؛ قال تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 40].
اقرأ أيضًا: نظير عياد: الذكاء الاصطناعى أداة لا تلغي المفتي
ومما يعظم به الذنب أن تتم المجاهرة به، بأن يرتكب العاصي الذنب علانية، أو يرتكبه سرًّا فيستره الله عز وجل، لكنه يخبر به بعد ذلك مستهينًا بستر الله له؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْإِجْهَارِ أَنْ يَعْمَلَ الْعَبْدُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحُ قَدْ سَتَرَهُ رَبُّهُ فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ، قَدْ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، فَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ» متفق عليه.
وعلى من ابتُلي بمعصية ألا يخبر بها، بل يسرها ويستغفر الله منها ويتوب إليه؛ فإن فعلها ثم أسر بها إلى شخص آخر، فلا يجوز لهذا الآخر أن يكشف سره ليشهِّر به، ولا يجوز لمن استؤمن على شيء أن يكشفه لغيره؛ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» أخرجه مسلم.
ويعد ذلك من الغيبة المحرمة؛ لأن فيه ذكرًا للشخص بما يكره أن يذكر به، فالغيبة من الكبائر المحرمة التي توافرت النصوص الشرعية فى الكتاب والسنة فى الدلالة على حرمتها والتنفير منها ومن مظاهرها؛ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾.
وقد قرر العلماء أن المجاهر بالذنب المشتهر به لا غيبة له بخلاف المستتر بالذنب؛ قال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي: «والمجاهر بشرب الخمر ومصادرة الناس، وكان ممن يتظاهر به بحيث لا يستنكف من أن يذكر له، ولا يكره أن يذكر به؛ فإذا ذكرت فيه ما يتظاهر به فلا إثم عليك؛ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ أَلْقَى جِلْبَابَ الْحَيَاءِ عَنْ وَجْهِهِ فَلَا غِيبَةَ لَهُ».
وقد ذكر العلماء عدة حالات تباح فيها الغيبة؛ لوجود المقتضي وغلبة المصلحة على المفسدة، وهي ستة:
الأول: التظلم، فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممن له ولاية، أو قدرة على إنصافه من ظالمه، فيقول: ظلمني فلان بكذا.
الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر، ورد العاصي إلى الصواب؛ فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر: فلان يعمل كذا فازجره عنه.
الثالث: الاستفتاء؛ فيقول للمفتي: ظلمني أبي، أو أخي، أو زوجي، أو فلان بكذا، فهل له ذلك؟.
الرابع: تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم.
الخامس: أن يكون مجاهرًا بفسقه أو بدعته كالمجاهر بشرب الخمر؛ فيجوز ذكره بما يجاهر به، ويحرم ذكره بغيره من العيوب، إلا أن يكون لجوازه سبب آخر مما ذكرناه.
اقرأ أيضًا: الامتناع عن تسلم الوجبات بعد طلبها
السادس: التعريف؛ فإذا كان الإنسان معروفًا بلقب، كالأعمش، والأعرج، والأصم، والأعمى، والأحول، وغيرهم، جاز تعريفهم بذلك، ويحرم إطلاقه على جهة التنقص، ولو أمكن تعريفهم بغير ذلك كان أولى.
فالتشهير بمرتكب المعصية وذكر مساوئه لغير غرض من الأغراض التي تباح لها الغيبة يندرج فى الغيبة المحرمة، والستر على المخطئ لمنحه الفرصة للعدول عن خطئه وسلوكه السيئ أمر يحبه الله سبحانه وتعالى.



