حوار: رقية خالد
في غمرة السعي الهادئ، بعيدًا عن صخب البحث عن الشهرة الزائفة، تخرج أحيانًا قصص نجاح تفرض نفسها لتصنع تاريخًا جديدًا. هذا ما فعلته الرسامة المصرية الشابة روان صلاح، ابنة الإسكندرية، التي استيقظت لتجد اسمها يتردد في أروقة واحدة من أعرق الجوائز الفنية الدولية بولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية، كأول فنانة مصرية يتم اختيارها ضمن القائمة النهائية لأفضل 8 رسامين على مستوى العالم.
اقرأ أيضا| انطلاق فعاليات كورس الرسم للأطفال بمكتبة مصر العامة بالإسماعيلية

في حوار خاص، لم نتحدث فيه فقط عن الألوان والفرشاة، بل عن الهوية، والمسؤولية، وحلم الفتاة العربية المحجبة التي كسرت الصورة النمطية لتثبت أن الفن الحقيقي يفرض نفسه بأصالته.
نبدأ من البداية التي شكلت روان.. اخترتِ تخصص "التصوير الزيتي" في لحظة درامية وبقرار مفاجئ أثناء امتحان الفاينل بالكلية، رغم أن هدفك كان "رسوم النشر".. لماذا هذه المخاطرة؟
بالفعل، كان هذا أغرب وأجرأ قرار اتخذته في حياتي. كنت محددة طريقي وهدفي في رسوم النشر، لكن في لحظة اختيار الشعبة في الامتحان الأخير، شعرت أنني بحاجة إلى اكتساب خبرة أكاديمية مختلفة وقوية في التصوير الزيتي، بجانب دراستي، حتى لا يقال بعد تخرجي إنني مجرد رسامة عادية.
أردت أن أثقل موهبتي بشكل أكاديمي صلب. من هنا بدأت الرحلة، واكتسبت خبرة في سوق العمل بالإسكندرية، ثم انطلقت إلى القاهرة، ومنها إلى السوق الخليجي والعربي، حيث عملت كمصممة رقمية (Digital Artist) مع شركات دولية، وكان من أبرز التحديات الفنية لي رسم الجدارية الخاصة بماراثون الرياض الأخير، بالتعاون مع مبادرة "خيوط الثقافة" التابعة لهيئة المتاحف بالسعودية.
دعينا ننتقل إلى كواليس الترشيح للجائزة العالمية في كاليفورنيا.. الخبر لم يأتِ عبر بريد إلكتروني تقليدي، بل حمل الكثير من الإثارة.. احكي لنا ماذا حدث؟
الخبر لم يصلني بسهولة أبدًا. "ميسز جو"، مديرة المنصة والجائزة، حاولت الاتصال بي هاتفيًا من مكتبها عدة مرات، لكن لأن الرقم دولي، لم تنجح الاتصالات. بعد ذلك أرسلت لي بريدًا إلكترونيًا عاجلًا تطلب فيه التواصل معي فورًا عبر تطبيق "زوم". دخلنا الاجتماع عبر مكالمة فيديو، وفوجئت بها تخبرني أنه تم اختياري ضمن القائمة القصيرة النهائية لأفضل 8 رسامين في العالم، وأن اللجنة ستعلن قريبًا عن الفائزين بالجائزة الذهبية (Golden Prize) لثلاثة رسامين وثلاثة مؤلفين، كون المسابقة تجمع بين الكتابة والرسم للمستقبل.
شاركتِ في المسابقة بثلاثة أعمال فنية مختلفة تمامًا.. ما هي الرسالة المشتركة التي تحاولين إيصالها من خلال لوحاتك إلى العالم؟
رغم أنني لا أستطيع الإعلان عن تفاصيل الأعمال الثلاثة حاليًا، لضمان نزاهة الفرز وعدالته حتى النهاية، إلا أنني أستطيع القول إنها تحمل نفس الرسالة التي أتبناها في كل أعمالي: الدفاع عن المرأة العربية والأطفال. أرى أن هذه الفئة هي الأكثر احتياجًا لمن يتحدث عنها وعن معاناتها، لأن صوتهم غالبًا لا يكون مسموعًا بشكل كافٍ.
وأثناء نقاشي مع "ميسز جو"، قلت لها بوضوح: "أنا لا أحب أن أصنع مجرد لوحة شكلها جميل، بل أريد لمن يرى شغلي أن يشعر بالمعنى، وأن يلمس ألم المعاناة، وأن يرى هوية حقيقية". الفن بالنسبة لي ليس مجرد "استعراض عضلات" أو إبراز مهارات قوية في التكنيك والرسم، بل هو رسالة وهوية، وهذا تحديدًا ما كان نقطة قوتي أمام لجنة التحكيم الدولية.
تحدثتِ عن تبنيكِ الواضح للقضية الفلسطينية في أعمالك الفنية.. كيف ينعكس ذلك على لوحاتك؟
بشكل أساسي، الثقافة العربية والبيئة المصرية والفلسطينية هي أكثر العوامل التي أحاول تجسيدها في شغلي. شعرت أن هذه الهوية غائبة ومفتقدة في رسومات الكثير من الفنانين الحاليين. هناك تكنيكات قوية، ومهارات رهيبة، وموضوعات لطيفة، لكننا بحاجة إلى الحديث أكثر عن ثقافتنا وهويتنا. أنا أعتبر نفسي متبنية للقضية الفلسطينية، وأشعر بمسؤولية كبيرة تجاهها، وأرى أن من واجب الفنان أن يعكس هموم شعبه وأمته بشكل صادق وحقيقي.
البعض في الخارج قد يحمل صورة نمطية معينة عن المرأة العربية، وذكرتِ أن هناك من تفاجأ بوصولك.. كيف واجهتِ هذا التحدي كمصرية محجبة؟
هناك انطباع دائم وصورة نمطية عند البعض بأنه لا توجد فتاة عربية محجبة يمكنها الوصول إلى هذه المنافسات العالمية الشرسة، وكأن هناك تحيزات مسبقة. لكنني أقول دائمًا: هذا ليس حقيقة، وهي ليست قاعدة على الإطلاق. عندما تسعى وتقدم عملًا فنيًا قويًا، ستجبر الجميع على الحكم عليك بمنتهى الموضوعية، بناءً على قدراتك، ومهاراتك، وفنك، بغض النظر عن خلفيتك أو مظهرك. وصولي كمصرية محجبة إلى هذه المرحلة أثبت للكثيرين ممن تواصلوا معي أن الإبداع لا تحده قيود.
قبل هذا الإنجاز، كانت لكِ خطوات دولية؛ قُبلت أعمالك في "نيويورك جاليري" لتُعرض في باريس، وتايمز سكوير بنيويورك، ولديكِ معرض قادم في لندن في سبتمبر.. ما هي خطوتك القادمة بعد جائزة كاليفورنيا؟
إذا وُفقت وفزت بالجائزة، بإذن الله، فسأقوم برسم كتاب لأحد المؤلفين التابعين للجائزة، وهو ما يعني نشرًا عالميًا. لكن بالنسبة لي، لا أرى هذه الجائزة نهاية المطاف، أو أنني هكذا "وصلت إلى العالمية"، بل هي مجرد نقطة البداية. طموحي أكبر من ذلك بكثير. حلمي الحقيقي، الذي تمنيته طوال حياتي، ليس مجرد العمل "عن بُعد" مع شركات، بل إنني أحلم بالعمل مع منظمات دولية لمساعدة الأطفال بشكل حقيقي وعلى أرض الواقع في المناطق المحتاجة، مثل الصومال وفلسطين وغيرها، وأن أساعدهم بفني وبكل ما أوتيت من قوة؛ لأنهم الفئة الأكثر احتياجًا لنا.



