بقلم: لجين برهان
لم تكن العنصرية يومًا فكرة ابتكرها شخص واحد، أو حدثًا ظهر فجأة في التاريخ، بل هي ظاهرة اجتماعية وسياسية تشكلت عبر قرون طويلة، وتطورت بتطور المجتمعات والصراعات والمصالح الاقتصادية. وقد اتخذت أشكالًا متعددة عبر العصور، إلا أن أخطر صورها برزت عندما تحولت إلى أيديولوجية تبرر التمييز بين البشر على أساس العرق أو اللون أو الأصل، متجاهلة أن جميع الناس متساوون في الكرامة الإنسانية.
اقرأ أيضا| فن الطهو: رحلة بين النكهات والثقافات والحضارات
شهد القرنان السابع عشر والثامن عشر بداية ترسيخ مفهوم "التفوق العرقي" بصورته المنظمة، بالتزامن مع توسع الاستعمار الأوروبي وازدهار تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي.
فقد استخدمت القوى الاستعمارية آنذاك فكرة اختلاف الأعراق لتبرير استعباد ملايين الأفارقة، واحتلال أراضي الشعوب الأخرى، واستغلال مواردها. ولم يكن الهدف من هذه الأفكار البحث العلمي أو الفلسفي، بقدر ما كان توفير غطاء أخلاقي وسياسي لممارسات تقوم على الاستغلال والهيمنة.
وفي القرن التاسع عشر، ظهرت محاولات لإضفاء صبغة علمية على هذه الأفكار من خلال ما عُرف لاحقًا بـ"العنصرية العلمية"، حيث سعى بعض الباحثين إلى تصنيف البشر وفق خصائص جسدية، وادعوا وجود تفاوت في القدرات بين الأعراق. إلا أن التقدم العلمي أثبت لاحقًا أن هذه النظريات لا تستند إلى أساس علمي، وأن البشر جميعًا ينتمون إلى أصل إنساني واحد، وأن التنوع الجيني بينهم لا يبرر أي ادعاء بالتفوق أو الدونية.
ومع مرور الزمن، انتقلت العنصرية من مجرد أفكار إلى سياسات رسمية وقوانين مؤسسية، فشهد العالم نماذج مؤلمة من التمييز، مثل قوانين الفصل العنصري في الولايات المتحدة، ونظام الأبارتايد في جنوب إفريقيا، حيث حُرم ملايين الأشخاص من حقوقهم الأساسية بسبب لون بشرتهم أو أصولهم.
ولا يمكن فهم استمرار العنصرية دون التوقف عند أسبابها المتعددة. فالإرث الاستعماري، وما خلفه من أفكار وممارسات، ما زال يلقي بظلاله على كثير من المجتمعات، كما أن بعض القوانين والسياسات التي سادت في فترات سابقة أسهمت في ترسيخ التمييز، وتركت آثارًا امتدت لأجيال.
ومن الناحية النفسية والاجتماعية، يؤدي الجهل بالآخر والخوف من الاختلاف إلى تكوين صور نمطية وأحكام مسبقة، تجعل بعض الأفراد ينظرون إلى الجماعات المختلفة بريبة أو عداء. كما أن الميل إلى الانتماء للجماعة قد يتحول في بعض الأحيان إلى تعصب، خاصة عندما يُربط الشعور بالهوية بادعاءات التفوق على الآخرين.
وتلعب الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام دورًا كبيرًا في تشكيل هذه التصورات، سواء من خلال ترسيخ قيم الاحترام والتسامح، أو من خلال نقل الأفكار السلبية وإعادة إنتاجها.
أما من الجانب الاقتصادي، فقد تزداد حدة العنصرية في أوقات الأزمات، عندما تُحمَّل الأقليات أو المهاجرون مسؤولية البطالة أو تراجع مستوى المعيشة، رغم أن الأسباب الحقيقية غالبًا ما تكون أكثر تعقيدًا، وترتبط بعوامل اقتصادية وسياسية أوسع. ويؤدي هذا إلى تحويل الفئات الأضعف إلى "كبش فداء"، بدلًا من معالجة جذور المشكلات.
وقد أكد الإسلام منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا مبدأ المساواة بين البشر، ورفض كل أشكال التمييز القائم على اللون أو العرق أو النسب، فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.



