كتب : محمود مالك
لم تكن المساجد التاريخية والوكالات القديمة في أسيوط مجرد مبانٍ شُيِّدت قبل مئات السنين، بل كانت تحمل بين جدرانها حكايات من تاريخ المدينة، لكن السنوات الأخيرة شهدت اختفاء عدد منها أو تعرضها للإزالة بعد وصولها إلى مراحل متقدمة من التدهور؛ لتتجدد التساؤلات حول كيفية إدارة هذا التراث، وإمكانية التوفيق بين حماية الأرواح والحفاظ على الهوية التاريخية للمدينة.
غياب الصيانة
يرى أحمد دريم، المصور والمدافع عن التراث، أن المشكلة لا تبدأ عند صدور قرار إزالة أي مبنى، وإنما قبل ذلك بسنوات، نتيجة غياب برامج الصيانة الدورية والتدخلات الوقائية التي كان من الممكن أن تحول دون وصول المبنى إلى مرحلة الخطرالإنشائي. وفي المقابل، تؤكد الجهات المختصة في كثير من الحالات أن قرارات الإزالة تستند إلى تقارير هندسية تهدف إلى حماية الأرواح والممتلكات.

ويشير مواطنون ومتابعون عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلى أن السيناريو يتكرر في عدد من المباني التاريخية؛ إذ يظل المبنى سنوات طويلة دون أعمال ترميم أو تدعيم كافية، حتى تتدهور حالته بصورة كبيرة، ثم تنتهي التقارير الفنية إلى وجود خطورة تستوجب التدخل العاجل، لتصبح الإزالة الخيار المطروح بعد تضاؤل فرص الإنقاذ.
إزالة جامع اليوسفي
وقال د. عيد خليفة، وكيل وزارة الأوقاف بأسيوط، إن إزالة جامع اليوسفي تمت قبل توليه مسئولية مديرية الأوقاف بالمحافظة، مشيرًا إلى أنه خاطب الوزارة لسرعة إعادة بنائه. وأضاف أن مئذنة المجذوب وصل ميلها إلى نحو 45 درجة، وهو ما استدعى إزالتها بناءً على رأي المهندسين المختصين، رغم أنها مئذنة أثرية مهمة يبلغ عمرها نحو 500 عام، موضحًا أن القرار قوبل بانتقادات من الأهالي، مؤكدًا السعي إلى سرعة إنشاء مئذنة جديدة، إلى جانب الإسراع في فتح دورة المياه.
أقرأ أيضا : أوقاف أسيوط تنظم ندوة عن "استثمار الوقت وريادة الأعمال"
ويعد جامع اليوسفي أحد أبرز الأمثلة التي يطرحها المهتمون بالتراث، باعتباره من أقدم مساجد أسيوط التاريخية، ويرى كثيرون أن تنفيذ مشروع ترميم متكامل كان يمكن أن يعاني من التدهور بفعل عوامل الزمن.

ويرى مختصون أن هذه الوكالات تحتاج إلى خطة متكاملة للترميم وإعادة توظيفها ثقافيًا وسياحيًا، بما يضمن الحفاظ عليها والاستفادة منها. كما تقدم عدد من الأهالي والمسئولين بطلبات للإسراع في ترميم الوكالات التاريخية قبل تعرضها للانهيار، ومنها: وكالة شلبي، ووكالة لطفي، ووكالة ثابت، ويبلغ عمرها نحو 600 عام.
مئذنة المجذوب
وتعد مئذنة المجذوب أحدث الوقائع التي أثارت جدلًا واسعًا، فهي مئذنة مملوكية يزيد عمرها على خمسة قرون، انتهت الجهات المختصة إلى إزالتها بعد ثبوت وجود خطورة إنشائية، استنادًا إلى تقارير فنية.

ويرى عدد من المهندسين والمهتمين بالتراث أن التطور في تقنيات التدعيم والترميم كان يستحق دراسة موسعة لبحث جميع البدائل الممكنة قبل اتخاذ قرار الإزالة، أسوة بما يجري في العديد من الدول التي نجحت في الحفاظ على المنشآت تاريخية مائلة أو متضررة.
اقرأ ايضا:محافظ أسيوط يستقبل وزير الأوقاف لتعزيز الفكر الوسطي ودعم عمارة المساجد
مسئولية مشتركة
ولا يختلف أحد على أن حماية أرواح المواطنين تمثل أولوية لا تقبل الجدل، إلا أن خبراء يؤكدون أن الحفاظ على السلامة العامة لا يتعارض مع تبني خطط للصيانة الوقائية والمتابعة الدورية، بما يقلل من احتمالات وصول المباني الأثرية إلى مراحل يصعب معها إنقاذها.
ويؤكد أحمد عوض، وكيل وزارة الآثار السابق، أن الحفاظ على التراث مسئولية مشتركة بين وزارة الأوقاف والجهات المختصة بالآثار والمحافظة والأجهزة الفنية، بما يستلزم تنسيقًا أكبر ووضع استراتيجية واضحة لإدارة المباني التاريخية وصيانتها قبل تفاقم مشكلاتها.




