بين حركة توافد سياحي لا تنقطع من شرق آسيا تصل إلى ١٠ آلاف زائر أسبوعياً، وتحركات حكومية جادة على أعلى مستوى، تعيش منطقة "البهنسا" بالمنيا حراكاً تنموياً وأثرياً غير مسبوق. فبتوجيهات مشتركة وميدانية من وزارتي الأوقاف والسياحة والآثار ومحافظة المنيا، تشكلت اللجان وانطلقت الورش لوضع اللمسات التنفيذية لمشروع متكامل؛ لا يستهدف فقط ترميم الأضرحة والقباب الأثرية لـ ٥ آلاف من الصحابة والتابعين، بل يسعى لتغيير وجه المنطقة بالكامل عبر بنية تحتية عصرية وقاعات عرض تفاعلية وممرات مشاة.
في هذا التحقيق فتحت «اللواء الإسلامي» ملف تطوير «بقيع الصعيد»، واستعرضت كيف يتحول هذا الإرث الإسلامي العريق إلى قاطرة استثمارية تخلق فرص العمل لأبناء المنطقة، بالتوازي مع قراءة تاريخية وعلمية رصينة تفك شفرات وملاحم هذه المدينة الفريدة.
د. عمر خليفة : بداية حقيقية لمشروع سياحي متكامل
يؤكد د. عمر خليفة محمد، وكيل وزارة الأوقاف بالمنيا، أن منطقة البهنسا تُعد واحدة من أهم المزارات الدينية في مصر والعالم الإسلامي، لما تحويه من إرث تاريخي فريد ومكانة روحية عظيمة جعلتها تُعرف بـ"البقيع الثاني" و"بقيع مصر" و"قرية الشهداء"، مشيرا إلي أن المنطقة تضم رفات ما يقارب خمسة آلاف من الصحابة والتابعين، من بينهم عدد من التابعين الذين شهدوا غزوة بدر، وهو ما يمنحها مكانة خاصة بين المواقع الإسلامية التاريخية، ويجعلها مقصدًا مهمًا للزائرين والباحثين عن التراث الديني والحضاري.
وينوه أن المنطقة شهدت مؤخرًا زيارة مهمة للدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، واللواء عماد كدواني، محافظ المنيا، حيث تفقدا عددًا من الأضرحة والمزارات التاريخية بالمنطقة، واستمعا إلى شرح حول قيمتها الدينية والأثرية.
وخلال الزيارة، أكد وزير الأوقاف أهمية البهنسا باعتبارها أحد أبرز المواقع الإسلامية في مصر، مشددًا على ضرورة الإسراع في إدراجها على خريطة السياحة الدينية العالمية والاستفادة من مقوماتها الفريدة في دعم الحركة السياحية.
ويؤكد د. خليفة، أن هذه الخطوات تمثل بداية حقيقية لمشروع متكامل يستهدف تحويل البهنسا إلى وجهة رائدة للسياحة الدينية والثقافية، بما يليق بمكانتها التاريخية والدينية، ويعزز من دورها في جذب الزائرين من داخل مصر وخارجها.

د. ثروت الأزهري: تطويره يخلق فرص عمل جديدة
من جانبه يؤكد د. ثروت الأزهري، مدير إدارة السياحة بمحافظة المنيا، أن منطقة البهنسا تُعد واحدة من أهم المقاصد السياحية والدينية في مصر، لما تضمه من مزارات إسلامية وتاريخية فريدة جعلتها تحظى بمكانة خاصة لدى الزائرين من داخل مصر وخارجها.
ويوضح أنها تضم عددًا من أشهر الأضرحة والمقامات الإسلامية، من بينها الحسن الصالح بن على زين العابدين بن علي بن ابي طالب ، ومقام السبع بنات، وعدد من أضرحة الصحابة وآل البيت وأولياء الله الصالحين، حتى لُقبت بـ"أرض الشهداء" نظرًا لما شهدته من أحداث تاريخية مهمة خلال الفتح الإسلامي لمصر، وما تحتضنه من مقابر ومشاهد لعدد كبير من الصحابة والتابعين.
اقرأ أيضا| بقيع مصر - مقصد عالمي للسياحة الدينية
وينوه مدير سياحة المنيا إلى أن البهنسا تستقبل أعدادًا كبيرة من الزائرين على مدار العام، تصل إلى نحو 10 آلاف زائر أسبوعيًا، لافتًا إلى وجود رحلات سياحية ودينية منظمة تتوافد إلى المنطقة بصورة مستمرة، يأتي أغلبها من دول شرق آسيا، خاصة إندونيسيا وماليزيا، إلى جانب زائرين من مختلف المحافظات المصرية.
ويتابع أن الدولة المصرية تولي اهتمامًا كبيرًا بتنمية السياحة الدينية والاستفادة من المقومات الفريدة التي تمتلكها البهنسا، تنفيذًا لتوجيهات اللواء عماد كدواني محافظ المنيا، وبدعم ومتابعة من د. أسامة الأزهري وزير الأوقاف، بهدف تحويل المنطقة إلى مقصد سياحي وديني متكامل يليق بمكانتها التاريخية والدينية.
ويؤكد د. الأزهري، أن شهرة البهنسا بما تضمه من أضرحة ومقامات لأولياء الله الصالحين تمثل عنصر جذب مهمًا للسياحة الدينية، مشيرًا إلى أن المحافظة تمتلك أيضا العديد من المقاصد السياحية الأخرى، وفي مقدمتها مسار العائلة المقدسة بمنطقة جبل الطير، الأمر الذي يجعلها من أبرز الأقاليم المؤهلة لتنشيط السياحة الدينية بنوعيها الإسلامي والقبطي.

ويوضح أن تلك المزارات تحظى باهتمام ومتابعة مستمرة من الأجهزة التنفيذية، حيث يتم العمل على تطوير الخدمات المقدمة للزائرين ورفع كفاءتها، خاصة بمنطقة البهنسا، وذلك في إطار خطة متكاملة تستهدف تحسين تجربة الزائر وتوفير مختلف الاحتياجات والخدمات الأساسية.
ويضيف أنه عقب الزيارة الأخيرة التي قام بها وزير الأوقاف للمنطقة، ومحافظ المنيا، تم تشكيل لجنة موسعة لمعاينة الموقع والوقوف على احتياجاته الفعلية، تمهيدًا لتنفيذ عدد من المشروعات الخدمية، تشمل زيادة دورات المياه، وإنشاء ساحات انتظار للسيارات "باركنج"، وتحسين المرافق العامة، وتوفير كل ما يحتاجه الزائر بما يضمن له زيارة مريحة وآمنة.
ويؤكد د. الأزهري، أن تطوير الخدمات السياحية في البهنسا لا ينعكس فقط على زيادة أعداد الزائرين، بل يسهم أيضًا في خلق فرص عمل جديدة لأبناء المنطقة، وتحسين مستوى دخل الأسر، بما يعزز من مشاركة الأهالي في الحفاظ على هذا التراث التاريخي والديني الفريد، والمساهمة في الترويج له باعتباره أحد أهم معالم السياحة الدينية في مصر.

أحمد إبراهيم : تاريخ ممتد يحتاج إلى توثيق دقيق
ويقول أحمد إبراهيم الأزهري، مؤرخ و باحث دكتوراة، إن البهنسا في حاجة ماسة إلى مزيد من الدراسات والبحوث العلمية الرصينة، لكونها من أكثر المدن المصرية احتياجًا إلى إعادة قراءة تاريخها من جديد فعلى الرغم من شهرتها الواسعة وارتباطها في الوجدان الشعبي بلقب «أرض الشهداء»، فإن تاريخها لا يزال يضم كثيرًا من الجوانب التي تحتاج إلى التحقيق والتوثيق والدراسة.
كما أن كثيرًا من الروايات المتداولة عن المدينة، لا سيما ما يتعلق بأحداث الفتح الإسلامي، يحتاج إلى جمع مصادره، وتمييز الثابت منه من غير الثابت، ومقارنته بالمصادر التاريخية، بعيدًا عن التسليم بكل ما اشتهر أو إنكار كل ما نُقل.
ويبين أنه من أمثلة ذلك وجود عدد من القباب المنسوبة إلى بعض الصحابة رضي الله عنهم، في حين تشير نتائج البحث التاريخي والتحقيق العلمي إلى دفنهم في مواضع أخرى، كالقرافة بجبل المقطم أو فلسطين وغيرها، كما أن بعض الأسماء وقع فيها خلط بين الشخص ووالده أو ابنه، مما يستدعي مزيدًا من الدراسة والتثبت.
ويشدد علي أن توثيق تاريخ البهنسا ليس مجرد كتابة لتاريخ مدينة، بل هو حفاظ على جزء مهم من الذاكرة التاريخية لمصر، وإبراز لقيمة مدينة كان لها حضورها الحضاري عبر القرون. مضيفا: لا أكون مبالغًا إذا قلت إن البهنسا لم تُكتشف تاريخيًا بالقدر الكافي بعد، وإن ما كُتب عنها حتى اليوم لا يمثل إلا بداية الطريق نحو فهم تاريخها فهمًا علميًا متكاملًا.
ويوضح أن البهنسا خرجت عددًا كبيرًا من العلماء والأدباء والقضاة على امتداد تاريخها، ولم تكن مجرد مدينة عُرفت بأحداث الفتح الإسلامي، بل كانت مركزًا علميًّا أنجبت شخصيات بارزة في الفقه والحديث واللغة والأدب والقضاء، مشيرا إلي أن أبرز من من نُسب إليها أو إلى أعمالها: الإمام شهاب الدين صاحب كتاب «الذخيرة» و كتاب «الفروق»، والإمام البوصيري صاحب «البردة»، وقد وُلد في بهشيم من أعمال البهنسا، و مهلب بن الحسن البهنسي النحوي، و الإمام المحدث محمد بن حزرة البهنسي، ووجيه الدين عبد الوهاب البهنسي القاضي الشافعي، ومحمد بن عبد المحسن بن الحسن الأرمنتي الفقيه النحوي الشاعر.و مسلم بن يسار المصري الطنبدي، أحد رواة الحديث، والذي يروي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه.
مبينا أن هؤلاء وغيرهم من الأعلام تولَّوا القضاء والتدريس، وتركوا مؤلفات وآثارًا علمية خالدة، مما يؤكد أن البهنسا ليست «أرض الشهداء» فحسب، بل هي أيضًا أرض علم وعلماء، ولا يزال تاريخها العلمي بحاجة إلى مزيد من الجمع والتحقيق، وجمع الشبيه إلى شبيهه والنظير إلى نظيره، حتى يخرج إلى النور كتاب جامع يُعرِّف بعلماء البهنسا وتراثهم العلمي.

إيمان إبراهيم : تقدير مستحق لأثر يضيف لمصادر الدخل
وتقول إيمان إبراهيم، الأثرية بوزارة السياحة والآثار، إن مدينة البهنسا التابعة لمركز بني مزار بالمنيا، تعد أحد أهم مراكز الثقل الأثري الإسلامي في الصعيد الأدنى، وقد اكتسبت المدينة مكانة جغرافية وسياسية كبرى في العصر الإسلامي باعتبارها (إقليم) مستقلاً وكشوفية في العصر المملوكي، و "الكشوفية" (أو الكشف مرتبة إدارية وعسكرية وسيطة، في التقسيم الإداري لمصر خلال العصر المملوكي وهي بمثابة "المحافظة أو الإقليم العسكري المصغر" في وقتنا الحالي.
وتشدد "إبراهيم" علي ضرورة التفرقة المنهجية في دراسة تاريخ البهنسا بين نوعين من المادة التاريخية المادة الموثقة (المثبتة): وهي المذكورة في كتب الحوليات والخطط التاريخية المعتمدة (كابن عبد الحكم، والمقريزي، وعلي مبارك. و توثق هذه المصادر جغرافية المدينة كمركز لإنتاج النسيج الرفيع الموشى بالذهب في العصرين الفاطمي والمملوكي. والمادة الملحمية (غير المثبتة وتتمثل في روايات كتاب «فتوح البهنسا المنسوب خطاً لأبي عبد الله الواقدي (ت ۲۰۷ هـ). ويُصنف هذا الكتاب نقدياً ضمن أدب الملاحم والمغازي الشعبية المتأخرة العصر المملوكي؛ حيث تداخلت فيه الوقائع الحقيقية بالخيال الروائي.
وتتابع أن الوصف الأثري والمعماري للمدينة يضم الجبانة الإسلامية، ومجموعة من المنشآت الدينية المسجلة في عداد الآثار الإسلامية، ومسجد الحسن بن صالح، أقدم المساجد الأثرية القائمة في المحافظة، ويعود تاريخ تجديد عمارته وتوثيقها الحالية إلى العصر الفاطمي القرن الرابع الهجري / ۳۳۲ هـ). ويتميز المسجد بتخطيطه المعتمد على صحن أوسط مكشوف تحيط به أروقة أكبرها رواق القبلة، ويقوم على ٤٢ عموداً أثرياً جلبت من عمائر أقدم. ويضم المسجد محرابين (قبلتين)، وهو عنصر معماري نادر يُرجح تبدله مع تعديل اتجاه القبلة في العصور اللاحقة.

د. نهى صلاح : فرصة لزيادة الاستثمار وتعزيز مكانته
وفي نفس السياق تؤكد د. نهى صلاح خطاب، أمين عام حزب الريادة بالمنيا، أن الدولة المصرية تبذل جهودًا كبيرة وغير مسبوقة في تنفيذ مشروعات التنمية وتطوير الخدمات الأساسية، بما يسهم في تحسين جودة الحياة للمواطنين وتحقيق أهداف المبادرة الرئاسية "حياة كريمة"، مشيدة بما تشهده المنيا من مشروعات تنموية وخدمية في مختلف القطاعات.
وتنوه أن المحافظة تمتلك العديد من المقومات السياحية والأثرية والدينية التي تؤهلها لتكون واحدة من أهم الوجهات السياحية على مستوى الجمهورية، وفي مقدمتها منطقة البهنسا التي تحظى بمكانة خاصة لدى المصريين والزائرين من مختلف دول العالم الإسلامي، لما تضمه من أضرحة ومقامات لعدد كبير من الصحابة وأولياء الله الصالحين.
وتضيف د. صلاح أن البهنسا، التي يطلق عليها الكثيرون لقب "البقيع الثاني" نظرًا لما تحتويه من مقابر ومشاهد لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تستحق مزيدًا من الاهتمام والتطوير بما يتناسب مع قيمتها التاريخية والدينية الكبيرة، مؤكدة أن الجهود التي تبذلها الدولة حاليًا تمثل خطوة مهمة نحو إعادة وضع المنطقة على خريطة السياحة الدينية في مصر والعالم الإسلامي.
وتشير إلى أن الزيارات الميدانية الأخيرة والاهتمام المتزايد من الجهات التنفيذية يعكسان إدراك الدولة لأهمية المنطقة، خاصة في ظل ما تشهده البهنسا من إقبال متزايد من الزائرين والوفود القادمة من مختلف المحافظات والدول الإسلامية، وهو ما يتطلب الاستمرار في تطوير البنية التحتية والخدمات المقدمة للزائرين.
وتؤكد أمين عام حزب الريادة بالمحافظة، ثقتها في المرحلة المقبلة التي سوف تشهد مزيدًا من الاهتمام بمنطقة البهنسا، سواء من خلال تحسين الخدمات والمرافق أو الترويج السياحي اللائق بمكانتها، بما يسهم في جذب أعداد أكبر من الزائرين ويعزز مكانة المنيا كوجهة رئيسية للسياحة الدينية.
وتوضح أن أي تطوير تشهده المنطقة لن ينعكس فقط على حركة السياحة، بل سيعود بالنفع المباشر على أهالي البهنسا من خلال توفير فرص عمل جديدة وتنشيط الحركة التجارية وزيادة مصادر الدخل للأسر، الأمر الذي يساهم في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية لأبناء المنطقة.
واختتمت د. صلاح تصريحاتها بالتأكيد على أن الحفاظ على التراث الديني والتاريخي للبهنسا وتطويره يمثل استثمارًا حقيقيًا في أحد أهم المقومات الحضارية بمحافظة المنيا، مشددة على ضرورة تضافر جهود جميع الجهات المعنية لاستكمال خطط التطوير وتحقيق الاستفادة القصوى من هذه المنطقة الفريدة التي تمثل قيمة دينية وتاريخية كبيرة لمصر والعالم الإسلامي.




