هناك رجال يرحلون بأجسادهم لكن أصواتهم تبقى شاهدةً على أعمار أفنوها في خدمة كتاب الله وكأن الزمن يعجز عن إسكات أثرهم ومن بين هؤلاء يبرز اسم الدكتور «أحمد مصطفى كامل» أحد أعلام التلاوة وعلوم القراءات في العصر الحديث الذي لم يكن مجرد قارئ حسن الصوت بل مشروعًا علميًا متكاملًا جمع بين الإقراء والتعليم والبحث والتأصيل حتى أصبح اسمه مقرونًا بالإتقان وصوته مرادفًا للخشوع ومدرسته مقصدًا لكل من أراد أن يتعلم كيف تقرأ آيات القرآن كما أُنزلت علمًا وأداءً وروحًا وفي زمن تتسابق فيه الأصوات إلى الشهرة اختار هو أن يتسابق إلى خدمة القرآن فترك وراءه إرثًا علميًا وإنسانيًا سيظل حاضرًا ما بقيت تلاوةٌ صحيحة وما دام هناك طالب علمٍ ينهل من معين القراءات الذي أفنى عمره في خدمته.
ليست كل الأصوات سواء فهناك أصوات تؤدي الكلمات وهناك أصوات تحييها وهناك من يقرأ القرآن قراءة صحيحة وهناك من يجعل المستمع يشعر أن الآيات نزلت لتتلى في تلك اللحظة هذا هو الإحساس الذي انتابني وأنا أشاهد مقطعًا مصورًا للراحل الدكتور «أحمد مصطفى كامل» القارئ المتمكن والباحث المتخصص والخبير الذي أفنى عمره حتى رحيله في 5 فبراير عام 2021 في تعليم القراءات القرآنية والمقامات الصوتية.
وقف الرجل أمام الكاميرا في هدوء العلماء لا يبحث عن إبهار ولا يستعرض قدرة وإنما يترك للقرآن أن يتحدث بنفسه ثم انطلق صوته العذب يتلو قول الله تعالى من سورة آل عمران: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ۚ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.
اقرا ايضا:"التلاوة المصرية".. كتاب يرصد جماليات مدرسة التلاوة في مصر
لم تكن التلاوة التي أعدت الاستماع اليها مئات المرات مجرد أداء جميل بل كانت درسًا حيًا في كيفية اجتماع العلم مع الخشوع وإتقان الأحكام مع صدق الإحساس والتمكن من المقامات مع عدم طغيان الفن على قدسية النص فالقارئ الحقيقي ليس من يلفت الانتباه إلى صوته وإنما من يجعل المستمع ينسى الصوت وينشغل بالقرآن نفسه.
هذا المقطع القصير كان كافيًا لأن يدفعني إلى إعادة البحث عن سيرة الرجل فإذا بي أمام رحلة علمية طويلة امتدت سنوات في خدمة كتاب الله وتعليم القراءات وتأصيل علم المقامات القرآنية وتخريج أجيال من القراء الذين تتلمذوا على يديه ونهلوا من علمه وخبرته ورغم ذلك فإن مسيرته لم تخل من الجدل شأنه في ذلك شأن كثير من أصحاب المشاريع العلمية والفكرية المؤثرة فقد تعرض على مدار سنوات لانتقادات حادة من بعض المنتسبين إلى المجال الديني خاصة بسبب آرائه في تعليم المقامات القرآنية ومنهجه في تناولها إذ رأى بعض معارضيه أن هذا الباب قد يفضي إلى المبالغة في الاهتمام بالأداء الصوتي بينما كان هو يؤكد باستمرار أن المقامات ليست غاية في ذاتها وإنما وسيلة لتحسين التلاوة وإبراز المعاني شريطة ألا تتقدم على أحكام التجويد أو تمس قدسية القرآن الكريم.
لم يتوقف الأمر عند حدود النقد العلمي بل تجاوز لدى بعض الأصوات إلى حملات قاسية اتسمت بالتجريح الشخصي بل ووصلت في بعض الأحيان إلى إطلاق أحكام بالتبديع أو التكفير وهي أحكام خطيرة لا يجوز التوسع فيها ولا تصدر إلا عن جهات علمية وقضائية مختصة وفق الضوابط الشرعية المعتبرة ورغم ذلك مازالت هذه الأصوات موجودة وتعلق أسفل فيديوهات الرجل التعليمية المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي تتهم الرجل وهو في قبرة بالتبديع والكفر ومع ذلك آثر الدكتور «أحمد مصطفى كامل» وهو في حياته أن يواجه تلك الحملات بالشرح والحوار مستندًا إلى ما يراه من أدلة علمية وعملية دون أن يحيد عن رسالته في تعليم القرآن وعلومه داخل مصر وخارجها وظل مؤمنًا بأن الاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يفسد حرمة العلم ولا أن يتحول إلى وسيلة للنيل من الأشخاص أو الانتقاص من نياتهم.
كان الدكتور «أحمد مصطفى كامل» ينتمي إلى مدرسة تؤمن بأن قراءة القرآن ليست مجرد موهبة فطرية وإنما علم له أصوله ومنهج له قواعده وسند متصل وتربية روحية قبل أن تكون تدريبًا صوتيًا ولذلك لم يكن اهتمامه منصبًا على تحسين الصوت فحسب بل على بناء القارئ بناءً متكاملًا يجمع بين سلامة النطق وإتقان التجويد وفهم المقامات وحسن الوقف والابتداء واستحضار معاني الآيات أثناء التلاوة.
ولعل ما ميزه عن كثيرين أنه استطاع أن يشرح علم المقامات القرآنية بعيدًا عن الغموض والتعقيد فقدم هذا العلم باعتباره وسيلة لخدمة القرآن لا غاية مستقلة كان يؤكد دائمًا أن المقام الصوتي ينبغي أن يخضع لمعنى الآية وأن جمال الأداء الحقيقي هو الذي يعين المستمع على التدبر لا الذي يصرفه إلى الإعجاب بالصوت وحده.
ومن الجوانب التي تستحق التوقف في مسيرة الدكتور «أحمد مصطفى كامل» محبته العميقة لعمالقة التلاوة المصرية وفي مقدمتهم القارئ الكبير فلم تكن علاقته بتراث الشيخ «مصطفى إسماعيل» مجرد إعجاب بصوت متميز بل كانت مشروعًا للحفاظ على مدرسة كاملة في الأداء القرآني وقد بذل جهدًا ملحوظًا في جمع ما تفرق من تسجيلات الشيخ والبحث عن نوادر تلاواته بين مقتني الأشرطة والمهتمين بتراث القراء إيمانًا منه بأن هذا الإرث جزء أصيل من تاريخ التلاوة في مصر والعالم الإسلامي.
وكان يرى أن حفظ تراث القراء الكبار لا يقل أهمية عن تعليم القراءات نفسها لأن هذه التسجيلات تمثل تطبيقًا عمليًا راقيًا لفنون الأداء وتوثق مدارس التلاوة التي صنعت وجدان أجيال متعاقبة ولذلك ظل حريصًا على التعريف بالشيخ «مصطفى إسماعيل» وإبراز خصائص مدرسته وتشجيع طلابه ومحبي القرآن على الاستماع إلى تلاواته حتى بقي اسم الشيخ حاضرًا في مجالس أهل القرآن بفضل جهود المخلصين الذين آمنوا بأن الوفاء للرواد يكون بحفظ آثارهم ونقلها إلى الأجيال الجديدة.
وقد عرفه آلاف الطلاب والمتابعين معلمًا صبورًا لا يبخل بعلم ولا يضيق بسؤال ولا يتعامل مع القرآن باعتباره مجالًا للمنافسة بل رسالة يجب أن تصل إلى كل من أراد تعلمها بإخلاص ولهذا انتشرت دروسه ومحاضراته بين محبي القراءات في مصر وخارجها وأصبحت مرجعًا لكثير من الراغبين في فهم أسرار الأداء القرآني الصحيح.
ولذلك ظل يدعو إلى إعادة إحياء هذا التراث وتداوله بين الأجيال الجديدة حتى يبقى أثر هؤلاء الأعلام حاضرًا وتظل مدارسهم منارات يهتدي بها كل من أراد أن يتذوق جمال التلاوة الصحيحة.
ولم تتوقف رسالة الدكتور «أحمد مصطفى كامل» عند حدود مصر بل حملها إلى آفاق أوسع مؤمنًا بأن القرآن الكريم هو اللغة الجامعة بين المسلمين مهما اختلفت أوطانهم وألسنتهم فلبى دعوات مؤسسات دينية وعلمية في عدد من الدول وأحيا فيها أمسيات قرآنية وأقام دورات متخصصة في أحكام التجويد والقراءات والمقامات وأسهم في إعداد وتأهيل عشرات الدارسين والقراء حتى غدا سفيرًا للمدرسة المصرية في التلاوة ووجهًا معروفًا لدى المهتمين بعلوم القرآن في العديد من البلدان ولم تكن تلك الرحلات مجرد مشاركات عابرة بل كانت رسالة علمية وثقافية حمل فيها خبرته الطويلة إلى خارج الوطن فاستقبله محبو القرآن بكل تقدير واحتفت به الهيئات والمراكز الإسلامية التي استضافته تقديرًا لعلمه وتمكنه وحسن أدائه.
وقد انعكس هذا الحضور الدولي في سلسلة من التكريمات وشهادات التقدير التي نالها خلال مسيرته وكان من أبرزها منحه الدكتوراه الفخرية من الجزائر تقديرًا لإسهاماته في خدمة القرآن الكريم وتعليم القراءات والمقامات فضلًا عن تكريمات أخرى من مؤسسات وجمعيات قرآنية في الدول التي زارها اعترافًا بدوره في نشر علوم القرآن والحفاظ على أصالة المدرسة المصرية في التلاوة وحتى بعد رحيله ظل اسمه حاضرًا في وجدان تلاميذه ومحبيه فأقيمت له مجالس تأبين ووقفات وفاء في أكثر من بلد تأكيدًا على أن أثره تجاوز الحدود وأن رسالته بقيت حية في نفوس من تعلموا على يديه أو نهلوا من علمه.
ومن يتأمل سيرته يدرك أنه لم يكن مجرد قارئ حسن الصوت بل كان باحثًا ومدربًا ومربيًا جمع بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي وبين التراث الأصيل والوسائل التعليمية الحديثة فاستطاع أن يقرب علوم القراءات إلى جمهور واسع وأن يجعلها أكثر حضورًا في أوساط الشباب.
وفي زمن أصبحت فيه الشهرة الرقمية هدفًا يسعى إليه كثيرون بقي الدكتور «أحمد مصطفى كامل» أقرب إلى نموذج العالم الذي يترك علمه يتحدث عنه لم يكن حضوره قائمًا على الضجيج وإنما على قيمة ما يقدم ولذلك بقي أثره حاضرًا في تلاميذه قبل تسجيلاته وفي منهجه قبل اسمه.
ولعل أجمل ما يتركه علماء القرآن بعد رحيلهم ليس عدد المؤلفات ولا كثرة المحاضرات وإنما تلك الأصوات التي تعلمت على أيديهم ثم حملت الرسالة إلى من بعدها فالعلم في هذا الباب لا ينتهي بوفاة صاحبه بل يستمر في كل حرف يقرأ على الوجه الصحيح وفي كل طالب يعلم غيره ما تعلمه.
وأثناء رحلة البحث في حياة الدكتور «أحمد مصطفى كامل» ازددت يقينًا بأن خدمة القرآن ليست حكرًا على قارئ مشهور أو إمام مسجد كبير وإنما هي طريق طويل من التعلم والتعليم والإخلاص والصبر والتواضع أمام كلام الله وهذه المعاني كانت واضحة في سيرته كما كانت واضحة في نبرة صوته وهو يتلو تلك الآيات المباركة.
رحل الدكتور «أحمد مصطفى كامل» عن الدنيا لكن بقيت تسجيلاته وبقي تلاميذه وبقي علمه وبقي أثره في كل من استمع إليه يومًا فأحب القرآن أكثر أو تعلم منه حكمًا من أحكام التلاوة أو فهم معنى مقام من المقامات أو أدرك أن جمال الصوت لا يكتمل إلا بجمال الإيمان.
قد يغيب أصحاب الرسالات عن الدنيا لكن رسالاتهم لا تغيب وهكذا كان الدكتور «أحمد مصطفى كامل» فقد أسدل الموت الستار على رحلة إنسان لكنه لم يستطع أن يطوي صفحة عالم وقارئ ومعلم ترك أثره في الصدور قبل السطور وفي الأصوات قبل الكتب ستبقى تلاواته نبراسًا لعشاق الأداء القرآني الأصيل وستبقى دروسه مرجعًا لطالبي القراءات وسيظل وفاؤه لتراث أعلام التلاوة وفي مقدمتهم شاهدًا على رجل أدرك أن خدمة القرآن لا تكون بالتلاوة وحدها بل بحفظ ميراث رجاله وتعليم أجياله وغرس محبته في القلوب.
رحم الله رحم الله الدكتور «أحمد مصطفى كامل» رحمة واسعة.. وجعل كل حرف قرأه وكل طالب علمه وكل علم نشره وكل تراث حفظه نورًا يضيء له قبره.. وميزانًا يثقل حسناته.. وجزاه عن كتابه الكريم وأهله خير الجزاء.. فما مات من ترك في الناس علمًا ينتفع به.. وأثرًا طيبًا يبقى كلما صدحت حناجر القراء بآيات الله آناء الليل وأطراف النهار رحمة واسعة.. وجعل كل حرف قرأه وكل طالب علمه وكل علم نشره وكل تراث حفظه نورًا يضيء له قبره.. وميزانًا يثقل حسناته.. وجزاه عن كتابه الكريم وأهله خير الجزاء.. وألحقه بالصالحين والأبرار الذين كان يردد دعاءهم في تلك الآيات الخاشعة من سورة آل عمران: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾



