حين يغادر الطالب الهندي قريته أو مدينته متجها إلى القاهرة، لا يحمل في حقيبته سوى أحلامه وشغفه بالعلم، لكنه يعود بعد سنوات وهو يحمل رسالة أكبر من شهادة جامعية، رسالة الأزهر الشريف التي تقوم على الاعتدال، واحترام الإنسان، ونبذ الغلو، والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.
ولم تكن رحلة آلاف الطلاب الهنود إلى الأزهر مجرد انتقال من بلد إلى آخر، بل كانت رحلة لصناعة علماء ودعاة أصبحوا بعد عودتهم إلى وطنهم منارات للوسطية داخل المساجد، والمعاهد الإسلامية، والجامعات، ومراكز الإفتاء، في بلد يضم واحدة من أكبر التجمعات الإسلامية في العالم.
اقرأ أيضا| أمين البحوث الإسلاميَّة من مؤتمر مئوية جمعية العلماء بالهند :الأزهر بقيادة الإمام الأكبر حارس للوسطية وناشر لنور السيرة النبويَّة
وفي هذا التحقيق، يفتح عدد من الطلاب الهنود الدارسين بالأزهر، والمقيمين بجمعية سفراء الهداية، قلوبهم ويروون كيف غير الأزهر حياتهم، وكيف أصبحوا يحملون على عاتقهم مسؤولية نقل رسالته إلى ملايين المسلمين في الهند.
شاهد الإسلام: تعلمنا أن الاختلاف مصدر للتكامل لا للخلاف
يقول شاهد الإسلام باتواري، إن حلم الدراسة بالأزهر بدأ منذ طفولته، بعدما كان يستمع إلى علماء بلدته وهم يتحدثون عن المكانة العلمية للأزهر وخريجيه.
ويضيف: «حين وصلت إلى القاهرة أدركت أن الأزهر ليس مجرد جامعة، بل عالم متكامل يجمع طلابا من مختلف الجنسيات والثقافات، ويعلمهم كيف يكون الاختلاف مصدرا للتكامل لا سببا للخلاف.»
ويشير إلى أن الدراسة داخل الأزهر تعتمد على فهم النصوص الشرعية وربطها بالواقع، بعيدا عن الحفظ المجرد، وهو ما ساعده على تكوين شخصية علمية قادرة على الإقناع بالحجة والدليل.
ويؤكد أن أكثر ما أثر فيه هو أسلوب أساتذة الأزهر في الحوار مع الطلاب، واحترامهم للأسئلة، وتشجيعهم على البحث والمناقشة، وهو ما سيحاول نقله إلى طلابه في الهند بعد التخرج.
علي جابر: تجربة شيقة سأعود بعدها لنشر الوسطية
أما علي جابر، الطالب بكلية الشريعة والقانون، فيرى أن أكبر مكاسب الدراسة في الأزهر لم تكن الكتب أو المحاضرات فقط، وإنما الحياة اليومية مع طلاب من عشرات الدول.
ويقول: «كنت أعيش مع زملاء من إفريقيا وآسيا وأوروبا، لكل واحد منهم ثقافته وعاداته، لكن الأزهر جمعنا على الاحترام المتبادل، تعلمنا أن الإسلام لا يعرف التعصب، وأن قوة الأمة في وحدتها رغم اختلافها.» ويضيف أن هذه التجربة جعلته أكثر استعدادا للعودة إلى الهند والعمل وسط مجتمع متعدد الأديان والثقافات، مؤكدا أن الحوار هو السبيل الأمثل لبناء جسور التفاهم.
تصحيح صورة الإسلام
ويؤكد محمد روشن ضمير، طالب ماجستير بكلية اللغة العربية، أن كثيرا من الشباب في الهند يتعرضون يوميا لكم هائل من المعلومات الدينية عبر الإنترنت، بعضها يفتقر إلى الدقة، وبعضها يحمل أفكارا متشددة.
ويقول: «الأزهر علمنا أن الرد على الفكر المنحرف لا يكون بالصوت المرتفع، وإنما بالعلم، والدليل، والحكمة، والصبر، هذه المنهجية هي أكثر ما يحتاجه شباب المسلمين اليوم.»
ويضيف أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت ميدانا مهما للدعوة، ولذلك يخطط بعد عودته إلى إنشاء منصات رقمية تقدم المحتوى الديني الوسطي باللغة المحلية، حتى يصل إلى أكبر عدد ممكن من الشباب.
فاطمة الزهراء: حلمي تعليم الفتيات في مقاطعتي وتثقيفهن
وتقول فاطمة زهراء، الطالبة بكلية الدراسات الإسلامية، إن تجربتها في الأزهر بددت كثيرا من الصور النمطية عن تعليم المرأة.
وتضيف: «وجدت اهتماما كبيرا بالطالبات، وتشجيعا على البحث العلمي، والمشاركة في الأنشطة الفكرية والثقافية، تعلمت أن المرأة المتعلمة قادرة على حماية الأسرة والمجتمع من الفكر المنحرف.»
وتوضح أنها تسعى بعد عودتها إلى الهند إلى إنشاء حلقات علمية للفتيات، تُعنى بتعليم العلوم الشرعية الصحيحة، مع التركيز على القيم الأخلاقية والتربية الأسرية.
أحمد رضا: سأعمل إمامًا أو معلمًا لخدمة مجتمعي
ويؤكد أحمد رضا، الطالب بكلية الشريعة، أن ما يميز الأزهر عن غيره من المؤسسات التعليمية أنه لا يقتصر على تدريس العلوم، وإنما يهتم ببناء الإنسان، لذا فإن أساتذة الأزهر يربطون دائما بين العلم والأخلاق.
ويقول: «تعلمنا أن العالم الحقيقي هو الذي يتواضع للناس، ويعاملهم بالحسنى، ويخدم مجتمعه، ولا يجعل العلم وسيلة للتفاخر أو التعصب.»
ويضيف أن هذه القيم سيكون لها أثر كبير عندما يعود للعمل إماما أو مدرسا في الهند.
مواجهة التطرف
ويؤكد إسماعيل حسين، الطالب بكلية الدعوة الإسلامية، أن أخطر ما يواجه المسلمين اليوم ليس الفقر أو الجهل فقط، وإنما انتشار الفكر المتطرف، مبينا أن الأزهر أعدهم علميا وفكريا لمواجهة هذه التحديات.
ويقول: «درسنا أسباب التطرف، وكيفية الرد على الشبهات، وأهمية فهم مقاصد الشريعة، حتى لا تُنتزع النصوص من سياقها، هذه العلوم تمنح الداعية قدرة على حماية الشباب من الانجراف وراء الأفكار الهدامة.»
محمد عارف: سنعود لنخدم وطننا.. ونرد الجميل للأزهر
ويؤكد محمد عارف، أن معظم الطلاب لا يفكرون في البقاء خارج بلادهم بعد التخرج، بل يعتبرون العودة إلى الهند واجبا وطنيا ودينيا.
ويقول: «بلادنا بحاجة إلى علماء أزهريين يفهمون واقع المجتمع، ويقدمون الإسلام بصورته السمحة، ولذلك سنعود لنخدم أبناء وطننا، ونرد الجميل للأزهر الذي علمنا.» ويتابع أن العلاقة بين الأزهر والهند لا تقتصر على الدراسة فقط، بل تمتد إلى روابط إنسانية وثقافية عميقة، مؤكدا أنهم وجدوا في مصر وطنا ثانيا، وتعرفوا إلى العادات المصرية، وأقاموا صداقات مع طلاب من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وهو ما منحهم رؤية أكثر انفتاحا واتزانا.
عبد الله نعيم: عشنا سنوات لن ننساها.. وسنكون قدوة لغيرنا
ويقول عبد الله نعيم: «سنعود إلى الهند ونحن نحمل محبتنا لمصر، وسننقل لأهلنا الصورة الحقيقية عن الشعب المصري والأزهر، لأننا عشنا سنوات لن ننساها.»
رسالة لا تنتهي بالتخرج
ويؤكد نعيم، أن الحصول على شهادة الأزهر ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة من المسؤولية، مؤكدا أن كل خريج يشعر أنه أصبح ممثلا للأزهر في بلده، وأن سلوكه قبل علمه سيكون الصورة التي يراها الناس عن هذه المؤسسة العريقة.
ويضيف: «كل كلمة نقولها بعد العودة ستكون محسوبة على الأزهر، ولذلك علينا أن نكون قدوة في الأخلاق قبل العلم.»
الأمل في المستقبل
ويحلم نعيم، بأن تتوسع المنح الدراسية المقدمة للطلاب الهنود، وأن تزداد برامج التدريب والدورات المتخصصة في الحوار بين الأديان، والإعلام الرقمي، ومواجهة الفكر المتطرف، حتى يعود الخريجون أكثر قدرة على التعامل مع تحديات العصر.
كما يتطلع إلى تعزيز التعاون بين الأزهر والمؤسسات الإسلامية في الهند، بما يسهم في إعداد جيل جديد من العلماء يجمع بين الأصالة والمعاصرة.
سفراء للوسطية
ويضيف اسعد الزمان محمد، أن الأزهر بالنسبة لهم ليس مجرد مؤسسة تعليمية، بل مدرسة للحياة، ومنهج لبناء الإنسان، ورسالة يحملونها معهم إلى وطنهم.
ويؤكد أن السنوات التي قضاها في القاهرة ستظل أغلى سنوات العمر، لأنها علمته كيف يكون العالم متواضعا، والداعية رحيما، والمفكر منفتحا، والمسلم سفيرا للسلام.
ويشدد علي أن دور الأزهر في الهند لا يقاس بعدد الخريجين فقط، بل بما يتركونه من أثر في العقول والقلوب، وبما يغرسونه من قيم الاعتدال والتسامح في مجتمع يحتاج إلى الكلمة الطيبة والعلم الرصين أكثر من أي وقت مضى.
ويؤكد جميع الطلاب الوافدين لا يعودون إلى بلادهم حاملين شهادات جامعية فحسب، وإنما يعودون سفراء لمنهج أزهري عريق، يحمل رسالة الإسلام السمحة، ويجسد قيم الرحمة والعدل والتعايش، ليظل الأزهر الشريف، كما كان عبر القرون، منارة للعلم والوسطية تمتد أنوارها من القاهرة إلى الهند، ومن مصر إلى مختلف أنحاء العالم.



