تبدأ مع بداية امتحانات الثانوية العامة موجةٌ من الجدل لا تنتهي؛ إذ يشكو طلاب من صعوبة الأسئلة، ويعبّر أولياء الأمور عن قلقهم، ويؤكد معلمون أن الامتحانات جاءت خارج المتوقع. وفي المقابل، تتحدث الجهات المعنية عن أن الامتحانات تقيس الفهم لا الحفظ، وأنها تعكس توجهًا جديدًا في تقييم الطلاب. لكن وسط هذا الجدل يغيب السؤال الأهم: هل حصل الطالب طوال العام على تعليم يؤهله لهذا النوع من الامتحانات؟ إذا كانت الامتحانات بالفعل قد جاءت خارج توقعات معظم الطلاب، بل وحتى خارج توقعات كثير من معلمي الدروس الخصوصية، فإن ذلك يدفعنا إلى إعادة النظر في المنظومة بأكملها، وليس في الامتحان وحده. فنجاح أي نظام تقييم لا يعتمد فقط على جودة الأسئلة، وإنما على جودة العملية التعليمية التي تسبقها. اقرأ أيضا| حين تنتصر الدرجات وتنهزم القيم! الطالب لم يضع المنهج، ولم يختر طريقة تدريسه، ولم يكن مسؤولًا عن وجود عجز في بعض التخصصات أو ضعف انتظام العملية التعليمية في بعض المدارس. وولي الأمر لم يلجأ إلى الدروس الخصوصية حبًا فيها، بل لأنها أصبحت بالنسبة للكثيرين وسيلة لتعويض ما يفتقده الطالب داخل المدرسة. ومن هنا يصبح من حق المجتمع أن يتساءل: هل وفرت وزارة التربية والتعليم العدد الكافي من المعلمين في جميع المدارس؟ وهل حصل الطلاب على شرح منتظم يغطي المنهج كاملًا؟ وهل كانت الفصول الدراسية مؤهلة لتقديم تعليم يعتمد على الفهم والتحليل، أم أن الطالب وجد نفسه مضطرًا للاعتماد على مصادر خارج المدرسة؟ لا يمكن أن نطالب الطالب بالإجابة عن أسئلة تقيس مهارات التفكير العليا، بينما لم نتيح له بيئة تعليمية تُنمّي هذه المهارات منذ اليوم الأول للدراسة. فالامتحان ليس نقطة البداية، بل هو الحلقة الأخيرة في سلسلة تبدأ داخل الفصل الدراسي، ومع المعلم، والكتاب، والشرح، والتدريب المستمر. إن تطوير الامتحانات خطوة مهمة، لكن التطوير الحقيقي يبدأ من المدرسة. فحين تستعيد المدرسة دورها، ويجد كل طالب معلمًا مؤهلًا، وشرحًا منتظمًا، وتدريبًا كافيًا، فلن يخشى أحد من امتحان يقيس الفهم، لأن الفهم سيكون قد أصبح جزءًا من رحلة التعلم، لا مفاجأة في نهاية العام. لسنا هنا بصدد الدفاع عن طالب أو مهاجمة وزارة، وإنما ندعو إلى قراءة المشهد كاملًا. فالعدالة تقتضي أن نحاسب جميع أطراف المنظومة بالقدر نفسه، وأن نسأل قبل توجيه اللوم: هل قمنا نحن، كمؤسسات تعليمية، بكل ما يجب أن نقدمه للطالب؟ الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من ورقة الامتحان، بل يبدأ من الفصل الدراسي. وإذا أردنا أن تكون الامتحانات عادلة، فعلينا أولًا أن نضمن عدالة فرص التعلم. عندها فقط يصبح من المنطقي أن نطالب الطالب بأن يثبت ما تعلمه، لا أن نحاسبه على ما لم تتح له المنظومة فرصة تعلمه.



