ضرب طه حسين مثلًا واقعيًّا فى مواجهة التحديات وتجاوز العقبات، على الرغم من قسوتها، رافضًا اليأس والاستسلام فالحياة التي وهبها الله سبحانه وتعالى للإنسان لا تدوم على حال، ولا تستقر على شأن، فهي بين مدٍّ وجزر، وبين أفراح وأتراح، ومن ثم فإن المعاناة ليست حكرًا على فريق دون آخر، ولا على أشخاص دون غيرهم، وإنما هي سنة من سنن الحياة يبتلي الله بها عباده.
يقول طه حسين فى مقدمة كتابه «الأيام»: «الحياة لم تمنح لفريق من الناس دون فريق، وحظوظها من اليسر والعسر، ومن الشدة واللين، ليست مقصورة على المكفوفين وأصحاب الآفات دون غيرهم من الناس، ولو قد عرف الإنسان ما يلقى غيره من المصاعب، وما يشقى به غيره من مشكلات الحياة، لهانت عليه الخطوب التي تعترضه، ولعرف أن حظه خير من حظوظ كثير من الناس، وأنه فى عافية مما يمتحن به غيره من الأشقياء والبائسين، على ما أتيح لهم من الصحة الموفورة، وتمام الآلة، واعتدال المزاج، واستقامة الملكات».
كان طه حسين متمسكًا بطريق الأمل، ساعيًا إلى العلم والعمل، مقبلًا على الحياة، وداعيًا غيره إلى ذلك، فيقول: «والمهم أن يلقى الإنسان حياته باسمًا لها لا عابسًا، وجادًّا فيها لا لاعبًا، وأن يحمل نصيبه من أثقالها، ويؤدي نصيبه من واجباتها، ويحب للناس ما يحب لنفسه، ويؤثرهم بما يؤثر به نفسه من الخير، ولا عليه بعد ذلك أن تثقل الحياة أو تخف، وأن يرضى الناس أو يسخطوا؛ فنحن لم نخلق عبثًا، ولم نترك سُدًى، ولم نكلَّف إرضاء الناس، وإنما خلقنا لنؤدي واجباتنا، وليس لنا بد من أدائها، فإن لم نفعل فنحن وحدنا الملومون، وعلينا وحدنا تقع التبعات».
نعم، سبق طه حسين إلى ذلك كثيرون، وجاء بعده آخرون، لكنه ظل مثالًا متميزًا بين أقرانه فى الصبر والإصرار ومواجهة الصعاب، فلم يمنعه فقدان البصر من طلب العلم، ولا حال بينه وبين مواصلة مسيرته العلمية، حتى استحق أن يُلقب بعميد الأدب العربي.
وثمة من يختلفون مع طه حسين فى بعض آرائه وكتاباته، وما زالت بعض أفكاره محل نقاش إلى اليوم، غير أن ما لا يعرفه كثيرون أنه راجع بعض آرائه وكتاباته التي أثارت جدلًا، وهو ما يدل على شجاعة فكرية، وفى مقدمة ذلك تراجعه عن حالة الانبهار بالغرب والحضارة الغربية إلى قيم الإسلام والحضارة الإسلامية.
لقد كان طه حسين صاحب إرادة قوية وعزيمة صلبة، استطاع بهما أن يواجه المحن، ويجتاز العقبات، ويصنع النجاح.



