بقلم/ د. محمد فاروق الشوبكي
أقسم إبليس لربه فقال (لَأَقعُدَنَّ لَهُم صِرَٰطَكَ ٱلمُستَقِيمَ) [الأعراف: ١٦]، ومما تجدر الإشارة إليه التنبيه إلى خطأ مقالة بعض العلماء أن (جلس) تدل على أنه كان متكئًا أو مستلقيًا مضجعًا أو ساجدًا، وأن (قعد) تدل على أنه كان قائمًا باعتبار أن الجالس من يقصد الارتفاع أى مكانًا مرتفعًا، وإنما هذا يتصور فى المضطجع، والقاعد بخلافه فيناسب القائم، لكن القرآن قد نص على خلاف ذلك، قال تعالى: (وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِٓ أَو قَاعِدًا أَو قَآئِما) [يونس: ١٢]، فذكر القعود بعد أن كان على جنبه ولم يقل: دعانا لجنبه أو جالسًا أو قائمًا.
اقرأ أيضًا: الحوار بين الله وإبليس 31
لأقعدن: اللام لام القسم لتأكيد حصول ذلك وتحقيق العزم عليه، فإبليس اللعين لا يريد القعود لمجرد اللبث، بل يرقب عباد الله تعالى، ويرصد أفعالهم لإغوائهم عن الطاعات.
وبذلك يتأكد مواظبة إبليس على الإفساد لبنى آدم بالوسوسة مواظبة لا يفتر عنها، ولهذا ذكر القعود؛ لأن من أراد أن يبالغ فى تكميل أمر من الأمور قعد حتى يصير فارغ البال فيمكنه إتمام المقصود.
ولمواظبة إبليس السابقة عبر عنها بالقعود دون الجلوس الذى لم يرد فى القرآن إلا مرة واحدة؛ لأن القاف والعين والدال كيف تقلَّبت دلت على اللبث، والقعدة بقاء على حالة، ويعبر عن الترصد للشيء بالقعود له نحو قوله: (عَنِ ٱليَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيد) [ق: ١٧] أى ملك يترصده ويكتب له وعليه.. ويقال ذلك للواحد والجمع والمذكر والمؤنث، ووردت هذه المادة بجميع صيغها فى القرآن 31 مرة.
أما الجيم واللام والسين ((جلس)) فهى للحركة، منه السجل للكتاب يطوى له ولا يثبت عنده، لهذا تقول: (قواعد البيت)، ولا تقول (جوالسه)؛ لأن مقصودك ما فيه ثبات، وفى القرآن الكريم نجد قوله تعالى: (مَقَٰعِدَ لِلقِتَالِ) [آل عمران: ١٢١] فإن الثبات هو المقصود، وعن نعيم أهل الجنة يقول المولى: (فِي مَقعَدِ صِدقٍ) [القمر: ٥٥] ولم يقل (مجلس) إذ لا زوال عنه، بينما يقال: جليس الملوك لا قعيدهم؛ لأن مجالسه الملوك يستحب فيها التخفيف.
وأرى أن فى لفظ القعود معنى التمكن، والملازمة، والترصد، وبذلك تمت لإبليس المرابطة بكامل عناصرها، فإن المرابطة بتمكن وملازمة وترصد، هى أول شروط أعمال الإغراء والإغواء للإبعاد والصرف عن صراط الله المستقيم.



