هناك أشياء في الإنسان لا تحتاج إلى وقت طويل حتى تظهر، فبعض التصرفات الصغيرة تقول عنه أكثر مما تقوله الكلمات، كردِّ فعله حين يغضب، ونظرته لمن يختلف معه، وتصرفه حين لا ينتظر مقابلًا لما يفعله.
كلها لحظات تكشف ما بداخله؛ لأن الإنسان مهما حاول أن يقدم صورة معينة عن نفسه، تبقى المواقف هي التي تقول الحقيقة، لأن بعض الصفات لا تحتاج إلى إعلان، فهي تظهر في المعاملة، وتبقى واضحة مهما تغيرت الظروف.
لأن الإنسان قد تتغير حوله أشياء كثيرة، كمكانه أو عمله أو أسلوب حياته، وقد تعلمه الأيام الكثير، لكنه غالبًا يحتفظ بشيء يشبهه ويعود إليه.
فصاحب الرحمة تظهر رحمته وقت الضعف، وصاحب الخلق الحسن لا تمنعه الخصومة من الاحترام، وصاحب القلب القاسي تكشفه لحظة لا يستطيع فيها أن يتجمل؛ لأن الطباع التي تسكن الإنسان تظهر عندما تختفي الحسابات.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾؛ لأن التغيير الحقيقي لا يبدأ من الخارج، ولكن من داخل النفس، حين يرى الإنسان عيوبه بصدق ويحاول أن يصلحها.
ولهذا كان اهتمام الإسلام بالأخلاق عظيمًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». فالأخلاق ليست كلمات نقولها عن أنفسنا، ولا صورة نحاول أن نثبتها للناس، لكنها مواقف تتكرر حتى تصبح جزءًا من الإنسان؛ كالصدق الذي يظهر حين لا يوجد من يراقبه أحد، والرحمة تظهر حين تكون القدرة موجودة، والحلم يظهر حين يكون الغضب أقرب من الكلام.
ومع ذلك، فالطباع ليست شيئًا مغلقًا لا يتغير، بل إن الإنسان يستطيع أن يراجع نفسه، وأن يهذب ما لا يحبه فيها، فكم من شخص كان سريع الغضب ثم تعلم الصبر، وكم من شخص كان شديدًا ثم صار أكثر لينًا، وهكذا؛ لأن الإنسان حين يصدق في إصلاح نفسه يستطيع أن يغير كثيرًا مما ظنه الناس جزءًا لا يتبدل منه.
ويبقى أجمل ما في الإنسان أن يحافظ على طيب أصله مهما مر عليه من تعب، أو تغيرت حوله الأحوال؛ لأن بعض الصفات لا تجعل صاحبها جميلًا في أعين الناس فقط، لكنها تجعله قريبًا من القلوب. وهناك أشخاص لا نتذكر منهم شكلًا أو كلامًا كثيرًا، لكننا نتذكر دائمًا إحساسًا تركوه فينا، وهذا هو الأثر الذي تصنعه الطباع الطيبة.



