«الإنسان عدو ما يجهل» سواء صح نسب هذه المقولة للإمام علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، أم لا، فهي حقيقة واقعة، فعلى مستوى القطر الواحد نجد أن الصورة الذهنية المغلوطة عن بعض المناطق تخلق حالة من العدائية والخوف، فعلى سبيل المثال، رسخ الإعلام اللاوعي صورة التخلف والجهل عن الصعيد، وأنه موطن الثأر وقطع الطرق والأجواء الحارة البائسة، ولم يكلف البعض نفسه عناء السؤال مع كل هذا البؤس، كيف احتضن الصعيد اثنين وعشرين إقليماً من أقاليم مصر الاثني والأربعين في العصر الفرعوني، وكل إقليم منها حاضرة عامرة بالتراث والآثار والثقافة والحضارة، كل ذلك في بلد واحد، فما بالنا على صعيد سبع وخمسين دولة بمنظمة التعاون الإسلامي.
في ديسمبر 2006 وعلى هامش المؤتمر العام لمنظمة العالم الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة «الإيسيسكو» في العاصمة المغربية جمعني لقاء مع رئيس وفد أفغانستان في عهد حكومة حامد كرازاي، وبعد نقاش، سألني لماذا لا تزورنا في أفغانستان لتتعرف على بلادنا، فقلت له الوضع الأمني غير مستقر، ثم حكومتكم موالية للأمريكان، فقال عدم الاستقرار الأمني هو فقط في وسائل الإعلام التي تريد أن تظل الصورة مشوهة مخيفة، أما أرض الواقع فنحن نعيش في أمان، ونمارس حياتنا بشكل طبيعي، أما عن مسألة الموالاة للأمريكان، فلعلك تقصد علاقتنا قوية بالأمريكان، فمن من حكومات الدول الإسلامية علاقاتها ليست قوية مع الأمريكان؟ فعدت بعدها فكتبت مقالاً بعنوان «تصحيح صورة المسلمين عند المسلمين.
وفي يوليو عام 2009 كنت في مدينة الحمامات التونسية في نقاش ماتع مع الصديقين (المغربي) الدكتور عبدالإله بن عرفة، نائب المدير العام للإيسسكو ، والدكتور مصطفى أحمد علي، ابن مدينة الخندق في شمال السودان، مدير التربية في الإيسيسكو في ذلك الوقت، وتطرق النقاش إلى الصورة المشوهة التي يصنعها وينقلها الإعلام عن الشعوب العربية والإسلامية، وجاء الحديث على تشويه صورة السوداني في الإعلام المصري وفي الدراما، فقلت معك حق دكتور، وأعتذر لك عن جهل الإعلام بالسودان، فقال لا تعتذر، فكثير من الإعلام المصري لا يجهل فقط السودان، بل لا يعرف شيئاً عن الصعيد المصري نفسه.
إنني مؤمن تمام الإيمان بأن أي تعاون بين دول العالم الإسلامي لا بد أن يبدأ بالثقافة والمعرفة، وحين أتت لي الفرصة خلال عملي في اتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي (يونا) تقدمت للمدير العالم في ذلك الوقت المستشار عيسى خيره روبله، سفير جيبوتي حالياً لدى الكويت، بمشروع برنامج الوفود الإعلامية للتعريف بدول منظمة التعاون الإسلامي لدى بعضها البعض، وعلى الفور وافق الرجل و نظمنا العديد من الوفود من الإعلاميين لزيارة المعالم الحضارية والثقافية والاقتصادية في دول العالم الإسلامي، كما أسندت لي مجلة منظمة التعاون الإسلامي الكتابة في كل عدد عن المدن والعواصم الإسلامية التي زرتها للتعريف بها.
هذه الجهود التي تقوم بها «الإيسيسكو» بقيادة مديرها العام المنفتح على الجميع الدكتور سالم المالك، واتحاد «يونا»، بقيادة المدير العام النشط محمد اليامي، واتحاد التلفزيونات والإذاعات الإسلامية بقيادة الدكتور عمرو الليثي، في هذا الميدان تحتاج إلى توسيع دائرتها بالتعاون مع بقية الأجهزة، فمنظمة التعاون يعمل تحت مظلتها نحو ثمانية وثلاثين جهازاً متخصصاً ومتفرعاً ومنتمياً تغطى شتى المجالات، فيمكن لكل منها، منفردة أو متعاونة، العمل على تكوين إعلاميين وكتاب دراما لا يجهلون بقية دولهم الإسلامية، فالبنك الإسلامي للتنمية يمكن أن يدعم تكوين إعلاميين متخصصين في اقتصاديات دول المنظمة، وكذلك مجمع الفقه الإسلامي، ولا ننسى جامعة الدول العربية وأجهزتها المتخصصة، فما لم نكسر دائرة الجهل في الإعلام عن دولنا الإسلامية لن نستطيع بناء أي وحدة أو إقامة أي تعاون.



