بقلم/ د. رهام سلامة مدير مرصد الأزهر لمكافحة التطرف
إنجازاتها تلهمني
فى الوقت الذي ينادي فيه البعض بتحجيم دور المرأة السياسي والاجتماعي والمهني، وسلبها حق التأثير فى محيطها الإنساني؛ بدعوى أن دخولها للحياة العملية قد تسبب فى تدمير الأسرة وتفككها، وفى انفلات المجتمع وضياع الأجيال المختلفة، وفى الوقت الذي لا تزال بعض المجتمعات تحرم المرأة فرصتها فى تلقي تعليم أساسي وحقيقي، نجد أن التاريخ الإنساني بمختلف روافده يزخر بالنماذج المشرفة للنساء اللاتي أسهمن وبقوة فى تقدم وتطور مجتمعاتهن وفى نهضتها الإنسانية على مر العصور.
ومن بين هذه النماذج المشرفة والمضيئة فى المجال الديني والتعليمي نموذج لامرأة متفردة برز نجمها فى سماء شمال أفريقيا، ليؤكد على أن المرأة قد تبذل الغالي والنفيس فى سبيل الدعوة والعلم والمعرفة، «فاطمة الفِهْرية»، التونسية القرشية التي طالما تردد اسمها على مسامعنا دون أن يدرك بعضنا مدى ما أسهمت به من إنجاز بوضعها حجر الأساس لأقدم مؤسسات التعليم العالي؛ حيث إن التعليم مستمر فيها منذ 12 قرنًا وحتى يومنا هذا؛ «جامعة القرويين»، والتي تخرّج فيها أقطاب فى كافة المجالات والحقول الدينية والعلمية.
تأسست «القرويين» على يد السيدة فاطمة الفهرية، المكناة بـأم البنين، والمولودة حسب المصادر عام 800م/ 183-184هـ فى مدينة القيروان التونسية، لأبيها التاجر الثري والفقيه أبي عبد الله محمد بن عبد الله الفهري القيرواني، الذي يعود نسبه لعقبة ابن نافع الفهري القرشي فاتح بلاد المغرب ومؤسس مدينة القيروان عاصمة المسلمين فى بلدان المغرب العربي لأكثر من أربعة قرون، والذي بسبب الاضطرابات التي شهدتها مدينة «القيروان»، توجه إلى مدينة «فاس» المغربية، ليتوفى بها تاركًا ثروة طائلة لابنتيه فاطمة الفهرية واختها مريم الفهرية، واللتان كانتا على قدر كبير من العلم والثقافة، وكيف لا وقد تربيتا على يد والدهما الفقيه المؤثر.
وبحسب ما ورد فى المصادر المختلفة حول حياة «فاطمة الفهرية» يؤكد حرصها على العلم وعلى نشره؛ لهذا وهبت ميراثها من والدها لخدمة الدين والعلم والعلماء وذلك بتأسيس مسجد وجامعة القرويين بمدينة «فاس» موطنها الجديد، حيث خصصت هي وأختها نصيبهما فى الميراث لبناء المسجد المصمم على الطراز الأندلسي، والذي يسع لـ20 ألف مصلٍ وأسهمتا بإنشاء مركز مجاور للمسجد بهدف تعليم العلم ونشر المعرفة فى ربوع الشمال الإفريقي ليتجاوزها بعد انتشار الرسالة العلمية التي أسست الجامعة لها.
لقد بدأت أعمال البناء فى شهر رمضان، ونذرت الصوم لله شكرًا حتى اكتمال البناء، وحسب المصادر فقد صامت «الفهرية» لمدة 18 عامًا. كما كانت حريصة على ألا ينفق على هذا المسجد إلا من موارد ذات أصول نزيهة، وكانت تشرف على كل كبيرة وصغيرة خلال عملية البناء، وبعد اكتمال البناء أطلقت عليه اسم «القرويين»، تيمنًا بمدينة القيروان التونسية مسقط رأسها.
امتلكت فاطمة الفهرية سلطة مالية محكومة ومدعومة بفطرة سليمة تعي من خلالها أهمية العلم والثقافة، يحركها شغفها تجاه العلم، وإحساسها بالمسؤولية تجاه مجتمعها الجديد الذي وفدت إليه، وبأهمية تحصينه بالوعي والعلم، وإرادة حولت حلمها لحقيقية حيث أصبح المسجد ومن بعده الجامعة مركزًا للإشعاع العلمي والثقافى حتى يومنا هذا مركزًا للعلم تخرج فيه العديد من العلماء الكبار الذين أثروا الحياة العلمية على امتداد التاريخ الإسلامي، وعلى رأسهم «ابن رشد»، والشريف الإدريسي، وابن خلدون، وغيرهم من الأعلام البارزين الذين لا يزال التاريخ يشهد بنبوغهم فى مجالات وحقول كثيرة منها العلوم الدينية والفلكية والإنسانية والاجتماعية، وشكلوا ركيزة أساسية فى تأسيس النهضة العلمية والمعرفية للمجتمعات الإنسانية.
لقد تأسست القرويين، الصرح العلمي الذي ما زال باقيًا حتى يومنا هذا بمكتبته العلمية التي تحتوي على أكثر من 10000 مخطوطة و30000 مجلد على يد امرأة مسلمة انطلقت فى حراكها العلمي والديني مستندة على أسس إسلامية أفردت لها مكانة رفيعة، وكفلت لها الحق فى ذمة مالية تتصرف فيها كيفما يحلو لها، فى ضوء ما يحدده الشرع الحنيف من مصارف شرعية، والحق فى العمل والتعليم والتأثير فى وسطها المجتمعي والإنساني، لتؤكد أن المرأة عندما تتحلى بالعم والثقافة الواعية تكون قادرة على صنع المعجزات مهما تعالت الأصوات المناهضة لها والراغبة فى تحجيم هذا الدور المؤثر.
وإلى لقاء قريب مع نموذج جديد ...



