حين يصبح العنف لغة المجتمع

إبراهيم مرجونة: الإنسان سريع الانفعال لضعف الوازع الديني وتراجع قيم التسامح والحُلم

جانب من الحوار
جانب من الحوار

​العنف لا يولد من فراغ، ومعركتنا ضده ليست أمنية فحسب، بل هي معركة وعي، قيم، وثقافة".. بهذه الكلمات يضعنا أ. د. إبراهيم مرجونة استاذ التاريخ والحضارة الإسلامية، كلية الآداب جامعة دمنهور، عضو اتحاد كتاب مصر، أمام مرآة واقعنا المجتمعي المعاصر.. في هذا الحوار الخاص، نناقش معه ظاهرة تصاعد العنف التي تحولت من حوادث فردية إلى مشهد يومي مقلق، لنبحث في جذور الأزمة الاقتصادية والثقافية والإعلامية ونرسم معًا خارطة طريق لاستعادة توازننا الأخلاقي والإنساني.
* د. إبراهيم، نرحب بك. في مقالك الأخير أشرت إلى أن العنف لم يعد ظاهرة هامشية بل أصبح "لغة مجتمعية" تتكرر يوميًا لأسباب تافهة. كيف وصلنا إلى هذه المرحلة من الاحتقان؟
​* أهلاً بكم. في الواقع، إن ما نشهده اليوم في الشارع، والمدرسة، والجامعة، وحتى داخل الأسرة، هو نتيجة تحولات متسارعة طالت بنيتنا الاجتماعية والثقافية في العقود الأخيرة، فالعنف لا يولد من فراغ، وليس مجرد انحراف سلوكي فردي، بل هو انعكاس لأزمات أعمق تضرب منظومة القيم، حين يضعف الوازع الديني، وتتراجع قيم التسامح والحلم، يصبح الإنسان سريع الانفعال، مستعدًا للجوء إلى القوة لحسم أتفه الخلافات، متناسيًا التوجيه النبوي الكريم: «ليس الشديد بالصُّرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».
​* تحدثت عن "حالة إحباط جماعي" تساهم في تغذية هذا السلوك العدواني، ما الرابط بين الضغوط الاقتصادية وتصاعد العنف؟
​* الرابط وثيق جدًا. الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المستمرة تولّد لدى الفرد شعورًا بالعجز والإحباط فحين يشعر الإنسان بأن جهده لا يكفي لتأمين حياة كريمة، وأن مستقبله غامض والفرص تضيق أمامه، تتراكم داخله شحنات من الغضب والاحتقان.
المشكلة الأكبر تكمن في غياب قنوات التعبير السلمي عن هذه المشاعر، وتراجع دور المؤسسات التربوية (كالمنزل والمسجد والكنيسة والمدرسة) مما يؤدي إلى تحول هذه الطاقة السلبية مباشرة إلى سلوك عدواني تجاه الآخرين أو تجاه المجتمع بأسره.
​* وجهت في حديثك أصابع الاتهام إلى الدراما والإعلام، وذكرت أن العنف تحول إلى "مادة استهلاكية مربحة". كيف يساهم الإعلام في ترسيخ هذه الظاهرة بدلاً من علاجها؟
​* الإعلام ليس مجرد ناقل للواقع، بل هو صانع للوعي. للأسف، ركزت بعض الأعمال الدرامية والبرامج في الآونة الأخيرة على نماذج "البلطجة"، وأظهرت صاحب القوة الجسدية أو النفوذ غير المشروع كبطل منتصر. هذا التكرار يرسخ في الوعي الجمعي خاصة لدى الشباب والمراهقين أن الرجولة مرادفة للقسوة، وأن الهيبة تُكتسب بالخوف لا بالاحترام. والأخطر من ذلك، أن بعض وسائل الإعلام باتت تستثمر في أحداث العنف وتبحث عنها لتحقيق نسب مشاهدة وأرباح، فتحول العنف من أزمة تستوجب العلاج إلى سعلة تجارية!
* وماذا عن وسائل التواصل الاجتماعي؟ هل أضافت "الخوارزميات" زيتًا على النار؟
* بكل تأكيد. منصات التواصل الاجتماعي أضافت بعدًا مرعبًا للمشكلة حيث تحولت إلى ساحات مفتوحة للتنمر، والتشهير، وبث الكراهية. الخطر هنا تقني واجتماعي في آن واحد، فخوارزميات هذه المنصات مصممة لمنح "المحتوى الصادم والعنيف" انتشارًا أوسع لأنه يجلب تفاعلاً أكبر، مما يجعل المستخدم محاصرًا بجرعات يومية من الغضب والاستفزاز والاستقطاب، وهو ما يضعف العقل النقدي ويفرغ المجتمع من ثقافته الراقية.
​* إذا انتقلنا إلى الحصن الأول للإنسان وهي "الأسرة".. كيف ترون تأثير التفكك غير المباشر (انشغال الآباء بالشاشات والأعباء) على التنشئة؟
​* الأسرة تعيش أزمة حقيقية اليوم. الأب منشغل دائمًا لتوفير لقمة العيش، والأم مثقلة بالأعباء اليومية، والنتيجة هي ترك الطفل يتلقى قيمه من الشاشات والهواتف الذكية بدلاً من والديه. هذا الضعف في التنشئة الاجتماعية جعلنا نفقد أجيالاً لم تتعلم مهارات الحوار، وكظم الغيظ، وحل النزاعات بطرق حضارية. الحضارات الناجحة عبر التاريخ هي التي استطاعت تحويل الصراع من ساحة "القوة" إلى ساحة "الحوار والقانون"، وغياب دور الأسرة يعيدنا تدريجيًا إلى "منطق الغلبة".
* ختامًا د. إبراهيم.. القانون يعالج النتائج لكنه لا يمنع الجريمة من المنبع. ما هي ملامح "المشروع المجتمعي المتكامل" الذي تدعو إليه لإنقاذ المجتمع؟
​* نعم، القانون وحده لا يكفي فالقانون يعاقب بعد وقوع الكارثة، والوقاية تبدأ من بناء الإنسان. نحن بحاجة إلى مشروع تتكامل فيه الأدوار:
​الأسرة: يجب أن تستعيد دورها التربوي في المقام الأول.
​المدرسة والجامعة: العودة لمهمة غرس القيم والأخلاق قبل تلقين المعلومات.
​الإعلام: الالتزام بالرسالة التنويرية والتوقف عن تسليع العنف.
​المؤسسات الدينية: تكثيف الوعظ والإرشاد لبناء السلام النفسي تحت شعار "راقي بأخلاقي".
​المؤسسات الثقافية: دعم الفنون الراقية، وإطلاق مبادرات تحتضن طاقات الشباب وتوفر لهم مساحات إيجابية للإبداع؛ فالشباب الذي يجد فرصة للإنجاز والتقدير يكون أقل ميلاً للغضب والعنف.
​إنها معركة وعي وثقافة وتدين حقيقي، من أجل استعادة الإنسان وإعادة الاعتبار للرحمة والعقل.

 

ترشيحاتنا