التغيير بالهجرة

الشيخ علاء الدين أبو العزائم
الشيخ علاء الدين أبو العزائم

بقلم/ الشيخ علاء الدين أبو العزائم

نحتفل الأسبوع المقبل بذكرى الهجرة النبوية الكريمة، وبقدوم العام الهجري الجديد 1448، وهي مناسبةٌ تذكّرنا بأن التاريخ عِبرٌ تُستفاد، وسُننٌ تُقتدى، ولقد علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يهاجر من مكة إلى المدينة، أن الهداية لا تُنال بالتمنّي، وأن النصر لا يأتي مع العاطفة وحدها، بل يأتي مع تخطيطٍ صحيح، وتوكلٍ صادق، وصبرٍ على الطريق. 

ومن أهم الدروس التي نتعلمها من هجرته،التخطيط قبل الانطلاق حيث لم تكن الهجرة اندفاعًا عاطفيًا، بل كانت مشروعًا متكاملاً: ترتيب الأسباب، واختيار الطريق، وتفادي المخاطر، ومعرفة نقاط القوة والضعف درسٌ لنا: لا بد من وضع خطةٍ للهدف، وتحديد الوسائل، ومراجعة الطريق عند كل عائق، كذلك الصحبة الصالحة وتوزيع الأدوار فقد رافقه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وكان هناك التزامٌ بالعمل الجماعي وتكامل الأدوار، فالهجرة تؤكد أن بناء الأوطان والدعوات لا يتم بجهد فردي، بل بتآزرٍ بين المؤمنين: من يخطط، من ينفذ، من يحمي، من يؤازر.

اقرأ أيضًا: حصاد 1447 هـ

ومن دروس الهجرة الصبر مع التوكل حيث خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت ضغط شديد، ومع ذلك لم يضعف اليقين، فالدعوة والبناء تحتاجان: توكلاً على الله، مع أخذ بالأسباب، وصبرًا يُثبت القلب حتى تأتي النتائج، لأن الهدف كان نشر الدعوة و بناء «الدولة» لا مجرد «النجاة» كانت المدينة أكثر من مأوى؛ كانت نواة دولةٍ إيمانية هُيئت العلاقات، ووُضعت أسس العدالة والمؤاخاة، وتآلفت القلوب على الخير، فالهجرة تذكرنا بأن مقاصد الإسلام فى الأرض تقوم على: تنظيم المجتمع، وحفظ الحقوق، وتحقيق الأمن، ونشر العلم.  

علينا أن نأخذ من الهجرة منهجًا عمليًا أن نحدِّد الهدف: ما الذي نريده فى حياتنا وبلدنا؟ ونجمع الأسباب: علم، مهارة، نظام، تعاون، والعمل بخطوات واقعية: كل يوم جزءٌ من المشروع، ومراقبة النفس والنتائج: مراجعة لا يأس معها، مع توكل على الله فى اللحظة الحرجة: فالسبب لا يغني عن التوكل، والتوكل لا يلغي الأخذ بالسبب.

ولننظر كيف أسست الهجرة لمرحلة التحول: من ضعفٍ وخوفٍ إلى مجتمعٍ منظم، ومن دعوةٍ فردية إلى بناءٍ مؤسسيّ، حيث صار الإسلام رسالةً تُمارَس عدلاً وأمانًا ورحمة، وبهذا انتشرت الدعوة واشتدت شوكة المسلمين.

إننا بحاجة لأن نجعل «الهجرة» درسًا لنا فى التغيير الإيجابي فى حياتنا، فى ترك ما نهى الله عنه، والانتقال إلى فعل الطاعة، وتطوير النفس خدمةً للخير، وأن نلتزم بثلاثة محاور: صلاح القلب، وإتقان العمل، ونشر التعاون، والدعوةٌ إلى الجدّ والصدق والبناء، فـتأملوا الهجرة لتصير حياة، وخذوا منها طريقكم إلى التغيير.

نسأل الله أن يجعل هذا العام عامَ خيرٍ وبركة، وأن يكتب لنا ولبلادنا عزًّا وإيمانًا ورخاءً.