حصاد 1447 هـ

الشيخ علاء الدين أبو العزائم
الشيخ علاء الدين أبو العزائم

بقلم/ علاء الدين أبو العزائم

أيام قلائل ونحتفل بتمام مرور 1447 عاما على هجرة خير الورى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم وتلك فرصة لنحطّ رحالنا عند حصاد العام 1447هـ، لا لنغمط نعمة الله حقها، ولا لنستسلم لهول ما جرى؛ بل لنقرأ ما مرّت به الأمة من وقائع وتداعيات قراءة إيمانية واعية، تُثمر عملاً لا مجرد عِظة، فالأمة الإسلامية، وهي تحمل ميراث العقيدة الصافية، قد مرت في هذا العام بمحنٍ متتابعة، وآلامٍ متراكمة، ما بين أزمات اقتصادية، وتوترات سياسية، وتداعيات اجتماعية، وابتلاءات صحية أو بيئية في بعض الأوطان، مع استمرار جراحٍ قديمة لم تندمل سريعًا.

اقرأ أيضًا: احفظوا حجَّكم

لقد كشفت لنا هذه الظروف حقيقةً لا ينبغي أن تغيب: أن التفرق بابٌ للضعف، وأن الوهن حين يستقرّ في القلوب ينعكس أثره على السلوك والقرار، كما كشفت لنا أن التحديات لم تكن فقط «خارجية»، بل كان منها ما يتسلّل إلى الداخل عبر الغفلة، والصراع على النفوذ، واستسهال الخصومة، وسوء الظن بين الصفوف؛ حتى صار الميزان يُختل: تُقدَّم المصالح الضيقة على المقاصد الكبرى، ويُنسى أن الأمة إنما قامت على شهادة التوحيد لا على العصبيات.

ومع هذا، فإن حصاد 1447هـ لا يُقرأ بالغم فقط، بل بما فيه من دروس رحيمة، فمن رحمة الله أن الابتلاء يوقظ؛ وأن الأزمات إذا اشتدت دفعت الغافلين إلى مساءلة النفس، لقد رأينا في المقابل تجليات خيرٍ: مواقف صادقة، وتكافلًا بين الناس، وعودةً متزايدة للطلب العلمي والذكر الصالح، وأعمال برّ وإغاثة، وسعيًا لإصلاح ذات البين، وهذا يعني أن في الأمة “قوة كامنة” متى تهذّبها القلوب واستقامت بها الإرادة عادت إلى مسارها.

كيف نستفيد لهذا العام من أجل استعادة توحيد الكلمة والنهضة؟ أولًا: تصحيح النية قبل تصحيح الخطط، فلا نهضة بلا إخلاص، ولا وحدة بلا توحيد قلبٍ لله، ليكن شعارنا: إصلاح القصد، وتثبيت المرجعية الشرعية، والوقوف عند حدود الله.

ثانيًا: تأسيس ميثاق أمةٍ على البرّ لا على الخصومة، فتوحيد الكلمة لا يعني ذوبان الهويات، بل يعني الاتفاق على الأصول: حفظ النفس، صون الكرامة، نصرة المظلوم، احترام العهود، ووقف منطق التخوين والتكفير والتهوين.

ثالثًا: بناء جسور الحوار والرحمة، فالاختلاف سنّة، لكن تحويله إلى حرب هو الانحراف.

فلنُكثر من مجالس العلم التي تُطفئ نار الجهل، وتمنع أن تُستعمل العواطف في صناعة الفتن.

رابعًا: العمل لا الشعارات. فنهضة الأمة تبدأ من المدرسة والمستشفى والوقف والبحث، وتستمر في الاقتصاد الأخلاقي، وفي مكافحة الفقر والفساد، وتعليم الأخلاق قبل المناهج.

خامسًا: استلهام روح التربية الصوفية: فالذكر يُصلح القلب، والقلب يُصلح العمل”.  فحين يستقيم الذكر ويزدهر الخُلق، يزول الاستعلاء، ويحلّ التواضع، وتكبر الرغبة في خدمة الخلق.

إن حصاد 1447هـ ينبغي أن يكون بوابة للعودة إلى الوحدة العملية: وحدة القلوب على الله، ووحدة الجهود على الخير، ووحدة الكلمة على البر، نسأل الله أن يجعل هذا الحصاد شاهدًا لنا لا علينا، وأن يمنّ على الأمة بأمنٍ ورشدٍ ونهوضٍ مبارك، إنه وليّ ذلك والقادر عليه.