تعد اعتراضاً على قضاء الله

إتلاف الممتلكات .. هروب من الواقع

صورة توضيحية
صورة توضيحية

لم تعد مجرد فيديوهات عابرة نراها على الفيسبوك أو تيك توك تتصدر التريند، بل باتت ظاهرة تدق ناقوس الخطر في مجتمعنا، مشهد لمواطن يشعل النار في دراجته البخارية (موتوسيكل) أمام المارة، وآخر يسكب البنزين على سيارته ليحولها إلى حطام، وبائع يحرق «فرش» بضاعته في لحظة غضب ؛ فمثل هذه اللقطات التي يوثقها الناس بهواتفهم ليست مجرد حريق، بل صرخات موجعة تخرج من قلب شخص شعر بأن الأبواب سُدت في وجهه، فقرر أن يحرق تعبه بيده قبل أن يراه يضيع أمام عينيه.

وهنا يكمن السؤال: هل حرق ‹شقي العمر› هو الحل للهروب من الضغوط؟ وكيف يرى الدين والقانون هذا الانفجار السلوكي الذي قد ينتهي بصاحبه خلف القضبان؟، في هذا التحقيق قامت « اللواء الإسلامي» بالبحث عن الخيط الرفيع بين وجع الإنسابداية.

د. أحمد شبل : حفظ المال من المقاصد الكلية

يؤكد د. أحمد شبل، عضو هيئة التدريس بكلية أصول الدين جامعة الأزهر، إن قيام المرء بحرق ممتلكاته أو إتلافها كتعبير عن التذمر من ضيق العيش هو أمر ينهى عنه ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تدعوا على ‌أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا ‌على ‌أموالكم، لا ‌توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء، فيستجيب لكم)، مستدركا إذا كان الدعاء باللسان منهيا عنه فكيف بالإتلاف الفعلي؟ 

ويضيف: أن حفظ المال من المقاصد الكلية التي جاء بها الإسلام وحث عليها فينبغي عدم إهلاكه أو التفريط فيه بهذه الصورة، ويشدد على حياة المرء  لا تخلو من منغصات وأكدار، لقوله تعالي: "لَقَد خَلَقنَا ٱلإِنسَٰنَ فِي كَبَد"، وقال تعالى: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدحا فَمُلَٰقِيه).

اقرأ أيضا| من البلاستيك إلى الكهرمان - أبو مروان يكشف أسرار وتفاوت أسعار سوق السبح

ويؤكد عضو هيئة التدريس بالأزهر: أن المسلم مطالب في ظل هذا أن يعمق إيمانه بالقضاء والقدر، وهي العقيدة التي تبنى عليها حياة المسلم، ليعلم أن كل شيء في هذا الكون مقدر من الله تعالى كما قال سبحانه (إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقنَٰهُ بِقَدَر).

فإذا بذل الإنسان الأسباب ولم يتحقق مراده فإن إيمانه يحمله على الرضا والتسليم بأن الله سيعوضه خيرا وأن « منع اللهو في حقيقته عطاء»، مستشهدا بقوله تعالي (وَعَسَىٰٓ أَن تَكرَهُواْ شَيـٔا وَهُوَ خَير لَّكُم وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيـٔا وَهُوَ شَرّ لَّكُم وَٱللَّهُ يَعلَمُ وَأَنتُم لَا تَعلَمُونَ)، فإذا علم المسلم ذلك فلا يصدر منه ما يغضب الله ولا يعترض على قضاء الله وقدره.

فخ العدوي

د. أسامة عبد العال : عجز في التعبير.. والحل في  المرونة النفسية

من جانبه يفسر د. أسامة عبد العال المشرف بمرصد الأزهر لمكافحة التطرف، الظاهرة باعتبارها «انفجارا سلوكيا» ناتجا عن ضغوط متراكمة كالديون أو الشعور بالتهميش، ويؤكد أن تحويل الممتلكات إلى رماد لا يحل الأزمة بل يضيف إليها أزمة مادية وندماً نفسيا.

ويشدد د. أسامة علي أهمية المرونة النفسية وضرورة استبدال الطاقة التدميرية ، مستشهدا بمنهج النبوي صلي الله عليه وسلم في احتواء «فورة الانفعال» كما في قصة «الصحفة المكسورة» في بيت النبي صلى الله عليه وسلم. فقد روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك قال: «كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عِندَ بَعضِ نِسائِه.

فأرسَلَت إحدى أُمَّهاتِ المُؤمِنينَ بصَحفةٍ فيها طَعامٌ، فضَرَبَتِ التي النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في بَيتِها يَدَ الخادِمِ، فسَقَطَتِ الصَّحفةُ فانفَلَقَت، فجَمَع النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فِلَقَ الصَّحفةِ، ثُمَّ جَعَلَ يَجمَعُ فيها الطَّعامَ الذي كان في الصَّحفةِ، ويقولُ: غارَت أُمُّكُم.

ثُمَّ حَبَسَ الخادِمَ حتَّى أُتيَ بصَحفةٍ مِن عِندِ التي هو في بَيتِها، فدَفَعَ الصَّحفةَ الصَّحيحةَ إلى التي كُسِرَت صَحفَتُها، وأمسَكَ المَكسورةَ في بَيتِ التي كَسَرَت، فقول النبي «غارت أمكم»، يرسخ مبدأ جبر الخواطر والحفاظ علي النعمة حيث جمع الطعام بيده الشريفة وقال: «كلوا».

اقرأ أيضا| الوعي الرقمي حائط صد ضد مخاطر الميديا

كما استشهد بقصة الأحنف بن قيس في الحلم والذكاء العاطفي، يُروى أن رجلاً أخذ يسبُّ الأحنف ويؤذيه بكلام قبيح في الطريق، فظل الأحنف ساكتاً لا يرد، ويمشي بوقار حتى اقترب من ديار قومه، حيث توقف والتفَت إلى الرجل قائلاً برفق: «يا هذا، إن كان بقي في نفسك شيء فقلْه الآن قبل أن نصل إلى الحي.

فإني أخاف أن يسمعك فتيان قومي فيؤذوك»، مؤكدا أن القوة الحقيقية تكمن في ضبط النفس كما قال النبي (صلى الله عليه وسلم): «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب».

وحذر د. أسامة من «العدوى السلوكية» التي تُبث عبر الوسائط، داعياً إلى التمسك بالاستعاذة النبوية من «الهم والحزن والعجز والكسل وضلع الدين وغلبة الرجال» لما لها من أثر في تحصين النفس، مؤكداً أن التعرض للأزمات ليس نهاية الطريق، ومستبشراً بالوعد الإلهي: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا  وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ).

ردع قانوني

المستشار حسين عبد الفتاح : القانون يجرم الحريق العمد وإتلاف المال الخاص

وعن الشق القانوني يوضح المستشار حسين عبد الفتاح، أن القهر حين يتضخم ويحول دون العدالة، يصبح رد الفعل خارج الحسابات المنطقية؛ لأن الإنسان لا يحرق ما يملك إلا بعد أن احترق داخله أولاً.

ويفصل المستشار حسين الرؤية القانونية، مؤكداً أنه رغم أحقية المالك في التصرف في ملكيته كيفما يشاء وفقاً لـ المادة 328 من القانون المدني، إلا أن هذا الحق يسقط إذا تسبب الفعل في خطرعام، فإذا أدى إحراق المواطن لمنزله أو سيارته إلى أضرار بالمحال أو الممتلكات المجاورة، يُعد هنا «حريقاً عمداً» طبقاً لـ المادة 252 من قانون العقوبات، والتي تصل عقوبتها للسجن المشدد حتى لو كان المال المشتعل ملكاً للشخص، لأن الحماية القانونية هنا تهدف للسلامة العامة لا الملكية.

أكرم مأمون : تبذير يوصل النفس إلى التهلكة

وفي السياق ذاته، يرى أكرم مأمون حسن، المحامي بالنقض والدستورية العليا، أن لسان حال اليائس في تلك اللحظة قد يترجم قوله تعالى: (إِنَّما أَشكو بَثّي وَحُزني إِلَى اللَّهِ)، وقوله تعالى: (قالوا يا أَبانا ما نَبغي). ويؤكد مأمون أن إحراق الممتلكات يظل مخالفة لهدي الله الذي أمر بحفظ المال، وهو من أشد صور التبذير التي نهى عنها بقوله: (وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا، إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ).

وهو إلقاء بالنفس إلى التهلكة لقوله تعالى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)، ويختتم مشدداً على أن «ما بناه اليأس تهدمه النار، ولكن ما بناه الصبر يرفعه الجبار»، لقوله تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}. وضوابط العقل والشرع.

 

 

ترشيحاتنا