الهيلثى فود غذاء آمن أم خداع تسويقي؟

صورة ارشيفية
صورة ارشيفية

«كلوا من طيبات ما رزقناكم».. آية قرآنية ارتبطت في أذهان كثير من الناس بفكرة الطعام الحلال والغذاء الطيب، إلا أن مفهوم «الغذاء الصحي» بات اليوم يتجاوز المعنى الديني إلى ظاهرة اجتماعية وغذائية واسعة، انتشرت معها إعلانات المنتجات الطبيعية وسط إقبال متزايد من المستهلكين الباحثين عن غذاء صحي آمن.

وخلال الآونة الأخيرة، ظهرت موجة جديدة من التسويق الغذائي تعتمد على الترويج لما يسمى بطعام «الغذاء الصحي» بداية من «خبز الحبة الكاملة» ووصولا إلى «الدجاج التربية البيتى»، في وقت يحذر فيه أطباء وخبراء تغذية من الخلط بين الغذاء الصحي والإفراط في تناول بعض الأطعمة أو العادات الضارة المرتبطة بما يعرف شعبيًا بـنظام الطيبات.

وفي الوقت الذي يرى فيه البعض أن العودة إلى الطعام الطبيعى تمثل هروبًا من الأغذية المصنعة .
 يؤكد مختصون أن الاعتدال يظل العنصر الأهم، سواء من الناحية الصحية أو الدينية، خاصة مع تزايد معدلات السمنة والسكر وأمراض الجهاز التنفسي المرتبطة بنمط الغذاء.

فى البداية يقول متولى محمود، صاحب مخبز، إن بعض المخابز بدأت بالفعل في الترويج لما يسمى «خبز الحبة الكاملة»، وهو خبز يصنع من نوع واحد من الحبوب دون خلط أو

إضافات صناعية، مثل القمح الكامل أو الشعير، وأن الإقبال على هذا النوع من الخبز ارتفع خلال الآونة الاخيرة، خاصة بين مرضى السكري وأصحاب الأنظمة الغذائية. مشيرا إلى أن المستهلك أصبح أكثر وعيا بمكونات الطعام.

ويضيف المعلم سيد بائع طيور قائلا انتشرت مؤخرا إعلانات لبائعي الدواجن التي تحمل عبارة «دجاج تربية بيتى»، في إشارة إلى أن الدواجن تم تربيتها في المنازل بعيدا عن الأعلاف الصناعية والهرمونات. مما يمنح المشتريين شعورا أكبر بالأمان الغذائى. موضحا أن الزبائن يفضلون«الدجاج البلدي» بسبب الاعتقاد بأنه أكثر أمان على الصحة.

خبير تغذية: بعض المنتجات الطبيعية لا تختلف عن التقليدية سوى في المسمى

ويحذر د. أحمد ماجد، خبير التغذية العلاجية، من الانسياق خلف المصطلحات التسويقية دون وجود رقابة واضحة أو شهادات جودة معتمدة، حيث إن بعض المنتجات التي يتم تسويقها على أنها «طبيعية» قد لا تختلف كثيرا عن المنتجات التقليدية، لأن المشكلة ليست في المسمى، بل فى طريقة الانتاج والحفظ والقيمة الغذائية الحقيقية.

 مشيرا إلى أن الخبز المصنوع من الحبوب الكاملة قد يكون مفيدا بالفعل إذا تم تحضيره بطريقة صحية، لكنه يحذر من استغلال رغبة المواطنين في الغذاء الصحي لتحقيق أرباح تجارية دون رقابة،ويضيف أن الإدعاء بأن «الدجاج البيتي» خال تماما من المضادات الحيوية أو الهرمونات يحتاج إلى إثباتات وتحاليل مخبرية، وليس مجرد إعلان شفهى، فالمشكلة الأساسية تكمن في غياب معايير واضحة تنظم استخدام مصطلحات مثل بلدي وطبيعي وتربية بيتى، الأمر الذي يفتح الباب أمام التلاعب بثقة المستهلك، مطالبا بوضع ضوابط للإعلانات الغذائية، وإلزام المنتجين بنشر بيانات دقيقة حول مكونات المنتجات ومصادرها، حتى لا يتحول البحث عن الطعام الصحي إلى باب جديد للاستغلال التجاري أو إلى عادات غذائية غير متوازنة قد تؤثر سلبا على الصحة العامة.

ويؤكد خبير التغذية أن مفهوم «نظام الغذاء الصحي» لا يعنى تناول كل ما هو بلدي أو طبيعي بكميات مفتوحة، وإنما يعتمد على التوازن والاعتدال واختيار الغذاء الآمن والمتنوع. موضحا أن هناك أطعمة يمكن اعتبارها ضمن المسموحات الصحية إذا تم تناولها باعتدال، مثل الخبز المصنوع من الحبوب الكاملة، والخضراوات الطازجة، والفاكهة الطبيعية، والبقوليات، ومنتجات الألبان قليلة الدسم، إضافة إلى الدجاج والبيض من مصادر موثوقة، حيث إن الفائدة الصحية لا تتعلق بالشعارات الدعائية فقط، بل بطريقة التصنيع ونوعية الدقيق ونسبة الألياف الحقيقية.

طبيب باطنة: الإفراط في السمن البلدي والحلويات يرفع السكر ويزيد الوزن

ويحذر د. أيمن محمود، استشارى الباطنة، من الإفراط في بعض المنتجات التي تسوق شعبيا باعتبارها جزءا من «الطيبات»، مثل السمن البلدي بكميات كبيرة، والحلويات عالية السكر، والمخبوزات الدسمة، والعسل والمكسرات والشوكولاتة والنوتيلا، حيث إن ذلك يؤدي إلى ارتفاع مستويات السكر وزيادة الوزن وحدوث مضاعفات خطيرة لمرضى السكري.

ويضيف د. أيمن أن بعض الناس يعتقدون أنه طالما الطعام طبيعيا أو مصنوعا منزليا فإنه لا يسبب أضرارا، وهذا غير صحيح، لأن السعرات الحرارية والدهون والسكريات تظل مؤثرة مهما كان مصدرها. مؤكدا ضرورة الحد من المشروبات الغازية والمشروبات مرتفعة السكر، حتى إن تم تقديمها ضمن تجمعات اجتماعية مرتبطة بثقافة الطيبات.

ويرى د. محمد عزمى، أخصائي التغذية العلاجية، أنه من أبرز الأخطاء الشائعة داخل نظام الغذاء الصحي الإفراط في تناول اللحوم والدهون، وإهمال شرب المياه، وقلة النشاط البدني، وتناول الطعام في أوقات متأخرة، والاعتماد على وصفات متداولة عبر مواقع التواصل دون استشارة مختصين.
 مؤكدا أن النظام الغذائي الصحي الحقيقي لا يقوم على المنع الكامل أو الإفراط، بل على التنوع والاعتدال والالتزام بالعادات الصحية السليمة، مع ممارسة الرياضة وإجراء الفحوصات الدورية.

 ويحذر أخصائي التغذية من اتجاه بعض الأشخاص إلى الامتناع عن تناول الدجاج أو البيض أو الخضراوات الورقية، بدافع الخوف من الأعلاف او المبيدات أو الشائعات المتداولة حول بعض المنتجات الغذائية، حيث إن الاستغناء الكامل عن هذه الأطعمة دون بدائل مدروسة قد يؤدي إلى نقص عناصر غذائية مهمة يحتاجها الجسم بصورة يومية، مما قد تؤدي إلى خلل غذائي.

اقرأ أيضا|احذروا الإسراف في الفتة

ويضيف أن البيض والدجاج من المصادر الأساسية للبروتين، بينما تمثل الخضراوات الورقية مصدراً مهماً للحديد والألياف والفيتامينات، وحرمان الجسم منها لفترات طويلة قد يؤثر على المناعة والطاقة والصحة العامة. 

مشيرا إلى أن بعض المواطنين أصبحوا يتعاملون مع الطعام بحالة من القلق المبالغ فيه، ما يدفعهم إلى حذف مجموعات غذائية كاملة من طعامهم، مؤكدا أن الحل لا يكون بالمقاطعة الكاملة، وإنما باختيار مصادر موثوقة وغسل الخضراوات جيداً والالتزام بالتوازن الغذائي.

استشاري صدرية: جلسة الشيشة قد تعادل تدخين مئات السجائر

ويحذر د. أحمد رجب، استشارى الأمراض الصدرية، من اعتبار الشيشة جزءا من الرفاهية الصحية، حيث إن أضرارها لا تقل خطورة عن السجائر، بل قد تكون أشد بسبب طول مدة التعرض للدخان، حيث إن جلسة شيشة واحدة قد تعادل تدخين عدد كبير من السجائر من حيث كمية الدخان المستنشق. مشيرا إلى أن الجمع بين الطعام الدسم والتدخين يمثل خطرا مضاعفا على الصحة، موضحا أن كثيرا من الأشخاص يعتقدون أن تناول الطعام الطبيعي يمكن أن يعوض الأضرار الصحية الناتجة عن التدخين، وهو اعتقاد خاطئ تماما، لأن أضرار السجائر والشيشة تمتد إلى الرئتين والقلب والأوعية الدموية، وتزيد من احتمالات الإصابة بالانسداد الرئوي المزمن وسرطان الرئة.

أستاذ شريعة: الحلال والحرام بيد الله وليس تبعا لهوى أى شخص

وحول نظام الغذاء الصحي يوضح  د. أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، أن الفقه الإسلامي به باب للأطعمة والمشروبات وحدد ما نأكله وما نمتنع عنه، مستشهدًا بقول الله تعالى: «كلوا مما في الأرض حلالًا طيبًا ولا تتبعوا خطوات الشيطان»، موضحا أن التحليل والتحريم في الأكل والشرب بيد الله، وليس بيد أي شخص، مستشهدًا بقوله تعالى: «قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق». مشيرا إلى أن الله حرم بعض الأشياء، فقال: «حُرِّمَت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير»، كما أن السنة حرمت تناول لحوم الكلاب والحمير والخيل، مؤكدًا أن هذه الأمور تأتي بنص، وإلا أصبحت الأمور فوضى، وكل شخص يحرم ويحلل كما يشاء
ويشير أستاذ الفقه المقارن إلى أن تناول اللبن من الأمور المهمة للجسم، مستشهدا بقوله تعالى: «سائغًا للشاربين»، لما له من فوائد، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يأكل التمر، موضحا أن من لا يأكل التمر لا يعد مخالفا، لأن بعض المأكولات قد تسبب مشكلات صحية، ولذلك يجب الرجوع إلى أهل الذكر والأطباء، وليس لمن ينشر أشياء غير صحيحة.

 

ترشيحاتنا