بقلم: حاتم سلامة
يُعدّ الإعلامي القدير تهامي منتصر علامة فارقة في تاريخ الإعلام الديني العربي، حيث استطاع بأسلوبه الراقي ولغته الرصينة أن ينقل البرامج الدينية من حيّز الوعظ التقليدي إلى فضاء التثقيف الشامل والاشتباك الواعي مع قضايا الأمة. لم يكن تهامي في فترة تألقه الإعلامي بالتلفزيون المصري مجرد مذيع يلقي الأسئلة، بل كان جسرًا ممتدًا وصل بين كنوز التراث الإسلامي وبين عقول الجماهير المتشوقة للمعرفة.
اقرأ أيضا| الرواية لا تصنع وعيًا
تميزت مدرسة تهامي منتصر في الإعلام الديني بعدة ركائز جعلت منه رائدًا لا يُشق له غبار، إذ نرى الأناقة اللغوية حيث امتلك قدرة فائقة على صياغة الجمل والعبارات بلغة عربية فصحى وبسيطة في آنٍ واحد، مما جعل حديثه قريبًا من القلب ومفهومًا لكافة المستويات الثقافية.
وكان بارعًا جدًا في أدب الحوار، ونموذجًا يُحتذى به في توقير العلماء وإعطائهم المساحة الكافية للتعبير، مع توجيه دفة الحوار بذكاء لاستخراج أعمق الأفكار وأكثرها نفعًا للناس. كما نلمح التنوع والموسوعية، فلم يحصر نفسه في جانب واحد، بل قدّم محتوىً شمل العقيدة والفقه والسيرة والتصوف السني المنضبط، مما ساهم في تكوين وعي ديني متزن بعيدًا عن التشدد.
لعل أعظم ما قدّمه تهامي منتصر هو دوره كمكتشف ومسوّق للقيم، فقد كان سببًا رئيسيًا في تعريف الجماهير بنخبة من كبار الشيوخ والعلماء الذين قد لا يعرفهم الكثيرون لولا ظهورهم معه. نجح تهامي في تسليط الضوء على قامات علمية أثرت الأمة بهديها، فكان يختار ضيوفه بعناية فائقة، مع التركيز على العلماء الذين يجمعون بين الرسوخ العلمي وسماحة الروح، وبفضل هذه اللقاءات دخل هؤلاء العلماء بيوت الملايين، وأصبحوا مرجعيات موثوقة تستقي منها الأمة قيمها وأخلاقها.
لم يكتفِ تهامي منتصر بالظهور التلفزيوني، بل امتد أثره من خلال كتاباته ومقالاته التي اتسمت بالعمق والتحليل، وقامت على ركائز دقيقة كتصحيح المفاهيم، حيث أسهمت برامجه في إزالة الغبش عن الكثير من المفاهيم المغلوطة وتقديم الصورة الحقيقية للإسلام كدين رحمة وعلم.
ولم يغب عنه إحياء التراث وربط الأجيال الجديدة بسير السلف الصالح وعلماء الأمة العظام بأسلوب مشوّق يواكب العصر. وكان غايته الكبرى صناعة الوعي، حين غرس في نفوس متابعيه حب البحث والتدبر، ولم يلقّنهم المعلومة بل دفعهم للتفكير في مقاصد الشريعة وجماليات الدين.
يُعدّ تهامي منتصر حالة استثنائية في هندسة الوعي؛ إذ لم يكتفِ بكونه محاورًا بارعًا، بل كان بمثابة مؤرخ مرئي وثّق لمرحلة ذهبية من تاريخ الفكر الإسلامي المعاصر، وقدرته على استنطاق العلماء لم تكن مجرد مهارة مهنية، بل كانت تنبع من خلفية ثقافية عريضة جعلته يدرك قيمة الكلمة وأثرها في صياغة الوجدان الشعبي.
فاستطاع أن يكسر تلك الجمود الذي كان يغلف البرامج الدينية التقليدية، محولًا برامجه إلى صالون فكري يجمع بين هيبة العلم وسلاسة العرض. كما كان لتهامي منتصر دور محوري في التصدي لموجات الغلو عبر تكريس مفهوم الوسطية والاعتدال، ليس كشعار بل كمنهج حياة. فمن خلال انتقائه لضيوفه كان يرسخ لصورة العالم الذي يبتسم في وجه السائل، ويفتح آفاق الأمل بدلًا من الترهيب.
إن هذا الإرث الذي تركه خلفه يمثل اليوم مرجعية لكل إعلامي يطمح لتقديم محتوى ديني يحترم عقل المشاهد ويغذي روحه، مؤكدًا أن الصدق في الكلمة هو الجسر الوحيد الذي لا ينهار مهما تعاقبت الأجيال وتغيرت الوسائل الإعلامية.



