بقلم: حاتم سلامة
بين فخ الحكاية ونور الفكر، هل تصنع الرواية وحدها مثقفًا؟ وهو السؤال الذي نطرحه اليوم أمام ما نلمسه من هوس الرواية، إذ نشهد ظاهرة لافتة في الأوساط الشبابية، وهي العودة القوية إلى الكتاب، لكنها عودة مشروطة بسيادة الرواية.
ورغم أن القراءة في حد ذاتها فعل محمود، إلا أن الاكتفاء بالرواية كمصدر وحيد للمعرفة يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل نحن أمام جيل مثقف، أم جيل مستمتع بالحكايا؟
وهو ما يسوقنا إلى التفكير في وهم المعرفة، فالرواية ليست بديلاً عن العلم.
يعتقد الكثير من الشباب أن التهام عشرات الروايات سنويًا يمنحهم حصانة ثقافية، والحقيقة أن الرواية في جوهرها محاكاة للحياة وتسلية راقية، وقد تفتح آفاقًا وجدانية وتغرس قيمًا إنسانية، لكنها تفتقر إلى المنهجية العلمية والبناء المعرفي الصلب.
دائمًا ما أتفكر وأقول: لماذا العزوف عن الفكر؟ إن الانصراف عن كتب الفلسفة والتاريخ والاجتماع والعلوم التطبيقية يعود إلى أن هذه الكتب تتطلب جهدًا ذهنيًا وتركيزًا عاليًا، على عكس الرواية التي تنساب أحداثها بيسر. وهذا الهروب نحو السهل الممتع جعل الوعي الجمعي يقف عند حدود القصة، دون الغوص في القضية وتحليل جذورها العلمية. إن التلون المعرفي هو الطريق نحو صناعة الوعي، والمجتمع الذي يتغذى على الروايات فقط هو مجتمع يملك خيالًا، لكنه قد يفتقر إلى الحل. فالثقافة الحقيقية هي التي تقوم على التنوع والتلون المعرفي؛ إن العلم يمنحنا الحقائق التي نغير بها واقعنا المادي، والتاريخ يقينا من تكرار أخطاء الماضي، والأدب يهذب أرواحنا ويجعلنا أكثر إنسانية.
نحن لا ندعو لترك الرواية، ولكن لعدم جعلها سقف المعرفة. نريد للشاب أن يقرأ الرواية ليستريح، ويقرأ كتاب الفكر ليبني. إن الوعي الذي يفيد المجتمعات هو ذلك الذي يجمع بين خيال الأديب، ومنطق الفيلسوف، ودقة العالِم. والرواية بوابة جميلة لدخول عالم القراءة، لكن البقاء في البوابة للأبد يعني حرمان النفس من دخول قصر الثقافة الفسيح.
إن الإشكالية الكبرى في هوس الرواية تكمن في تحول القراءة من عملية تنمية عقلية إلى عملية استهلاك عاطفي. فالرواية غالبًا ما تضع القارئ في مقعد المراقب لمشاعر الشخصيات وصراعاتها، مما يولد لذة مؤقتة تشبه لذة المشاهدة السينمائية، لكن بناء المجتمعات لا يقوم على العواطف المستثارة، بل على العقول المنظمة. فعندما يهجر الشباب كتب الاجتماع والسياسة والاقتصاد، فإنهم يفقدون القدرة على فهم المحركات الحقيقية للعالم من حولهم، ويصبح وعيهم عرضة للتبسيط أو التزييف.
ضرورة المزاوجة بين المتعة والمنفعة
إن الثقافة الحقيقية ليست مجرد تراكم للمعلومات، بل هي امتلاك أدوات التحليل. وكتاب الفكر يمنحك المجهر والمشرط لتفكيك الظواهر، بينما تمنحك الرواية اللوحة النهائية. لذا فإن الاكتفاء بالرواية يجعل الشاب يرى الظواهر دون فهم أسبابها.
نحن بحاجة إلى ثورة ثقافية داخل الوعي الشبابي تعيد الاعتبار للكتاب الثقيل؛ ذلك الكتاب الذي تضطر إلى التوقف عند قراءته لتفكر في سطر واحد، أو لتبحث عن مصطلح غامض. إن التحدي الحقيقي اليوم هو تحويل الكم القرائي الهائل في مجال الرواية إلى كيف معرفي في مجالات الفكر؛ فالمجتمع الذي يقرأ الفكر هو مجتمع عصيٌّ على الاستلاب، قادر على الحوار، ومالك لزمام المبادرة في حل مشكلاته بمنطق العلم لا بخيال الحكاية.



